تبقى الآثارُ الملموسةُ كالنقوش الكتابيّة والمسكوكات والأبنية أكثر الأدلّة التاريخيّة مصداقيّةً، وإن لم تَكْفِ بمعزلٍ عن الروايات المدوّنة والحوليّات والتراجم والطبقات والنصوص الدينيّة. هناك أيضاً معضِلَةُ إهمال النقوش التي لا تسترعي انتباه مؤرّخي الفنون من الناحية الجماليّة. لدينا لحسن الحظّ في جامع دمشق الأموي دليلٌ لا يقبل الدحض على تواجدِ كنيسةٍ بيزنطيّةٍ ضِْمنَ نفس الموقع قَبْلَ بناء الوليد. أنتقِلُ، بعدَ هذِهِ المقدّمة إلى تعريب ما كَتَبَهُ المُسْتَشْرِق Victor Guérin في هذا الصدد، مع التعليق في الحواشي حسب الحاجة:
يمكن، بالصعود إلى سقفِ أحد الأسواق والتدقيق في جدار الجامع الجنوبي، الاستدلالُ من ضخامةِ مداميك الحجارة وشكل النوافذ الدائري، أنّ هذا القسم من الصرح سابقٌ للعهد العربي، وأنّه من مخلّفاتِ الكنيسة الملكيّة المسيحيّة والعهد البيزنطي الذي تعود إليهِ أيضاً كتابةٌ جميلةٌ باليونانيّة نُقِشَت فوقَ العقد المركزي لبوّابةٍ جميلةٍ ثلاثيّة الفرجات. نُفِّذَ هذا النقش بمنتهى الأناقة، وزُخْرِفَ بورداتٍ وأشكالٍ حلزونيّة وأزهارٍ وضفائر متشابكة. لربّما كان هذا الباب من بناِء الرومان. نصفُ هذا المدخل حاليّاً مدفونٌ تحت الأرض في نهاية المجاز المعترض (١). فيما يلي الترجمة الحرفيّة للكتابة اليونانيّة المذكورة:
"ملكك أيّها المسيح ملك كلّ الدهور وسلطانك في كلّ دور فدور". (٢)
بإمكاننا اعتبارُ هذا النقش الكتابي معاصراً لبناء الكنيسة الذي يفترض أن يعود إلى عهد الإمبراطور أركاديوس ابن ثيودوسيوس (٣)، وبالتالي نهاية القرن الرابع الميلادي أو بداية القرن الخامس، وفي كلّ الأحوال لا يمكن أن يكون أحدث من عهد جستينيان الذي يقال أنّه رمّم الكنيسة في النصف الأوّل من القرن السابع. (٤)
____________
١. الجنوبيّة.
٢. مقتبس عن المزمور ١٤٥ البيت ١٣. النصّ الأصلي: مُلْكُكَ مُلْكُ كُلِّ الدُّهُورِ، وَسُلْطَانُكَ فِي كُلِّ دَوْرٍ فَدَوْرٍ. هناك ثلاثة نقوش كتابيّة يونانيّة على ساكف البوّابة القبليّة والمذكور هنا نقش الساكف المركزي ليس غير.
٣. نَقَلَ المبشّر الإيرلندي Porter عن الأب أنطون بولاد تعريب نقش كتابي نَسَبَ ترميمَ الكنيسة إلى الإمبراطور أركاديوس. رَفَضَ Dussaud قبولَ النصّ كوثيقةٍ تاريخيّة لأكثر من سبب.
٤. غير صحيح. جستينيان وفيات عام ٥٦٥ للميلاد أي في القرن السادس.
____________
Victor Guérin. La Terre Sainte, première partie. Paris, E. Plon 1884.
Victor Guérin. La Terre Sainte, deuxième partie. Paris, E. Plon 1884.

No comments:
Post a Comment