Wednesday, April 11, 2018

تاريخ وديانة النصيرييّن




يمكن اعتبار دراسة البلجيكي الأب Lammens "النصيريّون: ملاحظات عن تاريخِهِِم وديانَتِهِم" الصادرة عام ١٨٩٩ الدراسة الجديّة الأولى عن العلوييّن. المقالُ قصيرٌ لا يتجاوز ثلاثاً وثلاثين من الصفحات ولربّما عُدْتُ إليه في مستقبلٍ قريب. نُشِرَت الدراسة الثانية، موضوع حديث اليوم، عام  ١٩٠٠، في كتابٍ امتدّ على ١٤٣ صفحة بعنوان "تاريخ وديانة النصيرييّن"، بعد أن أهّلت مؤلّفُها Dussaud لإجازةٍ في التاريخ وفقْه اللغة عام ١٨٩٩. الدراستان إذاً متزامنتان ولا مبالغة في اعتبار Lammens و Dussaud عميدَيّ المستشرقين فيما يتعلّق بالتاريخ والتراث السوري. 

____________

فلنَنْظُر، قبل الدخول في مَتْن الكتاب، إلى العنوان: أطلقَ Dussaud، كما فَعَلَ Lammens، على العلوييّن تسمية "النصيرييّن". لا غرابة في ذلك، وعمليّاً تبنّت كافّة المراجع قبل الانتداب الفرنسي هذه التسمية التي بُعِثَت مؤخّراً بمدلولٍ سلبي وطائفي متشنّج (١).  الملاحظة الثانية أنّ Dussaud استعمل تعبير "الديانة النصيريّة" وليس المذهب أو الطائفة النصيريّة (٢). أرْغَبُ أن أوضح منذ البداية أنّني لا أنوي التعرّض إلى المعتقدات العلويّة أو غيرها في هذه الأسطر إلّا ضمن الحدّ الأدنى الضروري لشرح السياق التاريخي ولعدّة أسباب:

الأّول أنّنا نعيش في العصر المعلوماتي، وأنّ الديانات والمذاهب، باطنيّةً كانت أم علنيّة، أصبحت كتاباً مفتوحاً يمكن للمهتمّين مراجعته بالمجّان من مصادر متعدّدة محابية ومعادية، وعلى اعتبار أنّ لكل إنسان الحقّ في تحديدِ هويّتِهِ، أترك للمعنييّن مهمّةَ التعريفِ بأنفسهِمِ ومعتقداتِهِم إن شاؤوا. 

السبب الثاني لعزوفي عن مناقشةِ الجوانب الدينيّة والعقائديّة والشعائر والنصوص المتعلّقة بها، أنّني أهوى التركيز على العلوم الطبيعيّة Physics (٣)، وأتجنّب الخوض في المعتقدات التي تنتمي "لعلوم" ما وراء الطبيعة Metaphysics بغضّ النظر عن الدين قَيْد البحث علنيّاً كان أم باطنيّاً. تتوارث الغالبيّة العظمى من الناس، حتّى أكثرهم تعصّباً، دينَها عن الآباء والأجداد، والمؤمنُ لا يحتاج لبرهانٍ يثبت "حقيقة" ما يؤمن به، وإن بَحَثَ عن دليلٍ، اقْتَصَرَ بَحْثُهُ لا شعوريّاً على ما يؤيّد وجهَةَ نَظَرِهِ المسبقة. ،المؤمن لا يعرف ولا يريد أن يتعرّف على العلوم التجريبيّة والتطبيقيّة إذا خالَفَت معطياتُها عقيدَتَهُ. الإيمان أعمى وأصمّ، وهذا ينطبق على كافّة الأديان والمذاهب. 

السبب الثالث اعتقادي أنّ المكانَ الطبيعي للدين، في مجتمعٍ مدني وعلماني، يقتصرُ أو يَجِبُ أن يقتصرَ على البيوت ودور العبادة، وأنّ جميع الأديان والمذاهب "خير وبركة" طالما أنّها لا تَفْرِض نَفْسَها على الآخرين. العلويّون بالتأكيد ليسو تكفيرييّن ولا حتّى تبشيرييّن، على الأقل في الحاضر والماضي المنظور، وهذا ينطبق على معظم السورييّن وليس فقط الأقليّات السوريّة. 

يمكن دون عناء تفهّم الأسباب التي دَعَت العلوييّن والشيعة يما فيهم الإثني عشريّة إلى استعمال "التقيّة" تجنّباً للاضطهاد عبر التاريخ. لهذا الأسلوب مع الأسف سلبيّاته: عندما يتجنّب المرءُ الحديثَ علناً عن مواضيعٍ معيّنة، وإن خَصَّتَهُ هو بالدرجة الأولى والأخيرة، فهو يفسح المجال للآخرين أن يتكلّموا ويكتبوا نيابةً عنه، وليس هؤلاء "الآخرين" دوماً منزّهين عن الأهواءِ والمآرب، أضِفْ إلى ذلك أنّ الكثيرينَ منهم لا يملكون ما يكفي من الاطّلاع وحسن المحاكمة لتمييز الحقّ من الباطل، بَلْهَ اتّخاذ موقف حيادي وموضوعي. 

للحديث بقيّة.  

____________

١. لنا عودة إلى أصول هذه التسمية. 
٢. أطْلَقَ Dussaud أيضاً اسم الديانة على المذاهب الإسماعيليّة والدرزيّة عندما تَعَرَّضَ لها على سبيل المقارنة. 
٣. بما فيها العلوم الإنسانيّة كالآثار والتاريخ والجغرافيا والفنّ. 

No comments:

Post a Comment