رأينا كبف طرَحَ Dussaud نظريّةً مفادُها أنّ مصطلح "نصيريّة" مشتقُّ من Nazerini (١)، وأنّها توافق جغرافيّاً إقليم جبال العلوييّن حسب Pliny في القرن الأوّل للميلاد. رَفَضَ الأب Lammens البلجيكي هذا الزعم (٢)، ويتّضح من قراءة دراستيّ المستشرِقَيْن وجودُ خلافاتٍ جوهريّة بين وجهتيّ نَظَرِهِما عن تاريخ النصيرييّن أو العلوييّن، وعلى اعتبار أنّ كِلَيْهِما أكاديمي من الطراز الأوّل، لربّما كان من المفيد استعراض رأي الإثنين ولكلٍّ وزنُهُ ما في ذلك من شكّ؛ أبدأ اليوم بالفرنسي Dussaud.
يختلط تاريخ النصيرييّن (٣) قبل العصر الروماني (٤) مع كنعانييّ الساحل (٥). تمتّع النصيريّون باستقلال نسبي عن الساحل خاصّة بعد انحطاط قوّة أرواد، وصمدت الديانات القديمة "الوثنيّة" في الجبال حتّى القرون الوسطى (٦) في مواجهتِها مع المدّ المسيحي، وبنفس الطريقة صمدت اللغات السوريّة القديمة (٧) في المرتفعات إلى أن تغلغلت إليها العربيّة في القرن العاشر (٨). ذَكَرَ المؤرّخ البيزنطي Sozomène (٩) في هذا الصدد كيف هَبَطَ النصيريّون من جِبالِهِم نحو نهاية القرن الرابع للميلاد بهَدَفِ مؤازرة وثنيّي أفاميا في صراعِهِم مع المسيحييّن، ويمكن إرجاع بداية الخَلْط بين النصيرييّن والنصارى أو الناصرييّن إلى ذلك العصر، ومنه نَعْت "الجليلييّن" الذي أطْلَقَهُ جغرافيّو العرب على النصيرييّن، والذي اشتُقَّ من "جبل الجليل" المواجِه لمدينة حمص. زَعَمَ ياقوت الحموي، الذي جَهِلَ أصلَ التسمية، أنّ جبالَ النصيريّة ما هي إلّا امتداد لجبال الجليل في فلسطين.
لا أدلّ على العقبات في وجه دخول المسيحيّة إلى جبال النصيريّة من الغياب الكامل للكنائس المبنيّة على الطُرُز الشائعة من القرن الخامس إلى السابع للميلاد (١٠)، وإلى اليوم (١١) يتجمّع النصيريّون حول قِبابٍ أو زيارات، ولا نجِد لديهم دوراً للعبادة يمكنُ مقارنتها بالكُنُس أو الكنائس أو المساجد على الإطلاق.
باختصار لا يعطينا العهدُ البيزنطي معلوماتٍ عن النصيرييّن على الإطلاق، باستثناءِ عدمِ اعتناقِهِم للمسيحيّة. اكتفى البيزنطيّون، كما فَعَلَ المصريّون والآشوريّون قَبْلَهُم، وكما سيفعل العرب والصليبيّون بَعْدَهُم، باحتلالِ بعض النقاط الاستراتيجيّة التي ضَمِنَت هيمنتَهُم على المسالك. هاك على سبيل المثال قلعة الحصن التي كانت مَعْقِلاً منيعاً تحت اسم شبتون أو شبتونة Chabtouna منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد ورعمسيس الثاني، وقلعة صهيون التي انتقلت من الفينيقييّن إلى البيزنطييّن إلى الصليبييّن وأخيراً المسلمين.
للحديث بقيّة.
____________
١. صفحة ١٤ من كتاب "تاريخ وديانة النصيرييّن". لا يمكن إنكار أهميّة إسهام Dussaud في التعريف بتاريخ الإقليم قبل الإسلام، حتّى لو رفضنا اشتقاق "نصيريّة" من Nazerini.
٢. صفحة ٦ من مقال "النصيريّون: ملاحظات على تاريخِهِم وديانَتِهِم".
٣. هنا (اعتباراً من صفحة ١٧) يسّلم Dussaud أنّ Nazerini = نصيريّة.
٤. أي في القرن الأوّل للميلاد وما سبَقَهُ.
٥. أو فينيقيّي الساحل حسب Dussaud. مِنَ المعروف أنّ الفينيقييّن (أو الصيدونييّن نسبة لصيدا وتعميماً على الفينيقييّن)، هي التسمية التي أطْلَقَها اليونانيّون على الكنعانييّن.
٦. حتّى القرن الرابع للميلاد حَسَب المؤلِّف.
٧. الآراميّة أو السريانيّة.
٨. لاحَظَ Dussaud أنّ التسميات اليونانيّة الهلنستيّة غَلَبَت على المدن في سهول الساحل، بينما احتفظت مواقعُ الجبل بأسمائِها الساميّة وعباداتِها الكنعانيّة.
٩. القرن الخامس للميلاد.
١٠. اعتَنَقَ الجبلُ المسيحيّةَ اعتباراً من مطلع القرن الخامس الميلادي حسب Lammens (صفحة ١٠) الذي زار الإقليم في أواخر القرن التاسع عشر عندما قدّر إجمالي عدد النصيريّة في سوريّا بحوالي مائتيّ ألف (صفحة ٣). عاين Lammens كثيراً من الدلائل على تواجد مسيحي قوي في الجبال في الفترة البيزنطيّة مخالفاً بذلك رأي Dussaud على طول الخطّ؛ بيد أنّ هذا الأخير (صفحة ١٩) نوّه أنّ زيارةَ زميلِهِ البلجيكي اقتَصَرَت على جنوب المنطقة ومحيط صافيتا ورفَضَ التوكيد بتحوّل النصيريّة إلى المسيحيّة في القرن الخامس.
١١. أي حتّى عام ١٩٠٠ عندما نُشِرَت دراسة Dussaud.
_portrait-imageonline.co-merged.jpg)
No comments:
Post a Comment