قرأتُ عبارةَ "فلسطين أرضٌ بلا شعب، يجب أن تُعْطى إلى شعبٍ بلا أرض" للمرّةِ الأولى ضمن مقرّرات العلوم الاجتماعيّة للصفّ الأوّل الثانوي في سوريّا في منتصف سبعينات القرن الماضي. تُنْسَبُ هذه المَقْوَلة إلى Israel Zanguill، أحد آباء الصهيونيّة اليهوديّة السياسيّة. أشدّدُ هنا على مصطلح "الصهيونيّة اليهوديّة" لأنّه ليس مترادفاً مع "الصهيونيّة"، بل يمكن القول أنّ الصهيونيّة المسيحيّة، والمقصود هنا مسيحيّو أوروپّا وأمريكا الشماليّة تحديداً، تزامنت مع، أو بالأحرى سَبَقَت الصهيونيّة اليهوديّة. لا غرابة في ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ المتديّنين، يهوداً كانوا أم مسيحييّن، ينظرون إلى روايات الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد كحقائقٍ تاريخيّة لا يَرْقى إليها الشكّ؛ حتّى الإسلام تبنّى هذه الروايات بشكلٍ أو بآخر في القرآن، وإن أجرى عليها بعض التعديلات الطفيفة مع اختزالها إلى درجةٍ كبيرة، تاركاً الإفاضة إلى الشروح والتفسيرات والتعليقات وما أكثرها، وكلُّهُا تستمدُّ معطياتِها في نهاية المطاف من الكتاب المقدّس، وإن أصرّ علماء الدين الإسلامي على قيام أحبار اليهود و"النصارى" بتحريفِ نصّه عمداً وعن سَبْق الإصرار لغايةٍ في أنفسِهِم أوّلاً، وأنّ النصوص الإسلاميّة التي أتت بعد اليهوديّة والمسيحيّة بمئات السنين هي الأصليّة دون سواها ثانياً.
علّ كتاب المستشرق الفرنسي Victor Guérin الجميل عن "الديار المقدّسة" أحد أفضل الأمثلة لإيضاح مفهوم الصهيونيّة المسيحيّة السياسيّة. صَدَرَ هذا السِفْر بين ١٨٨٢ و ١٨٨٤ على جزأين، بَلَغَ عددُ صفحاتِهِما الألف. يعكس الكتابُ إلى حدٍّ كبير، ليس فقط ما قرأه المؤلّف، وإنّما أيضاً المعلومات التي جَمَعَها خلال عددٍ من رحلاتِهِ إلى الشرق الأدنى. تمركزت زيارات Guérin على فلسطين، وشملت لبنان ومصر وشِطْراً لا بأس بِهِ من سوريّا الحاليّة. الكاتب كاثوليكي شديد التقى والورع، أخَذَ سَرْدَ النصوص المقدّسة كمسلّمات، بما فيها المعجزات كشقّ البحر الأحمر الذي لم يجادل بصحّته، بل رَكَّزَ جهودَهُ على تحديد المكان الذي جرى فيه العبور المزعوم، وإحصاء عدد القرون التي قضاها العبرانيّون في مصر وتكاثر عددهم فيها من ٧٠ إنسان - يعقوب وأسباطه الإثني عشر وذويهم - إلى مليونين من البشر (الأرقام دوماً لكتاب العهد القديم) قادهم موسى إلى أرض الميعاد عبر سيناء وأطعمهم الربُّ المنَّ الذي أمْطَرَهُ عليهم من السماء لمدّة أربعين عاماً.
موضوعُ حَديثِ اليوم هنا آراء المؤلّف المتعلّقة باستيطان الأوروپييّن في فلسطين؛ يحْسُنُ هنا التذكير أنّ اليهود في القرن التاسع عشر كانوا أحد مكوّنات هذا الاستيطان ليس غير، ولم يكن من المفروغ منه آنذاك أنّ حظوظَهُم في إزاحةِ السكّان الأصلييّن وتهميشِهم كانت أفضل من سواهم. فلسطين وقتها كانت مرتعاً للمبشّرين الأوروپييّن والمستعمرات الأوروپيّة، منها الپروتستانتيّة الألمانيّة والأورثوذوكسيّة الروسيّة. من البَدَهي أن تُضاف العواملُ السياسيّة إلى الدينيّة في صراع القوى العظمى على النفوذ في الشرق الأدنى في وقت أجمعت فيه الآراء أو كادت على ثلاثٍ من الفرضيّات:
الأولى أنّ كثافَةً بلاد الشام السكّانيّة عموماً، وليس فقط فلسطين، لا يعتدُّ بها. للمقارنة تسارَعَ النموّ الديموغرافي الأوروپّي آنذاك إلى درجةٍ كبيرة.
الثانية أنّ سكّانَ البلاد الأصلييّن كسالى ميؤوسٌ منهم.
الثالثة أنّ الإدارةَ العثمانيّةَ فاسدةٌ لا أمل في إصلاحِها.
فيما يلي تعريبي لما كَتَبَهُ Guérin في هذا الصدد. يخْتَزِلُ رأيُهُ في اعتقادي أسلوبَ "تفريخ الأفكار" لدى كثيرٍ من مستشرقي القرن التاسع عشر، والعقليّةَ التي تمخّضَ عنها بالنتيجة تصريح بلفور:
"لا يمكن إنكارَ التقدّم المادّي الذي جَلَبَهُ الألمان إلى البلاد، على سبيل المثال شقّ طريق للعربات بين حيفا والناصرة وبناء جسرٍ على نهر المقطع. إذا أخذنا بالحسبان توسّع النفوذ الپروسي الپروتستانتي في هذا القسم من فلسطين، فيا حبّذا أن تأتي بالمقابل مستوطناتٌ لاتينيّةٌ وكاثوليكيّة لنَشْرِ تأثيرها الديني والسياسي. ليس بمقدورِ فلسطين الصعود من الدرك العميق الذي انحطّت إليه بجهودِ أهاليها وَحْدَهم على الإطلاق. عددُ سكّان هذه البلاد ضئيلٌ للغاية، وإدارتُها في غاية السوء، ومن هنا حاجتُها الماسّة إلى الكثيرِ من العناصر الأجنبيّة، وتوزيع المهاجرين الجدد في أرجائها لاستخلاص الثروات من الأرض وزراعتها بشتّى المحاصيل.
ستتغيّرُ أراضي اليوم المجدبةُ القاحلة مع مرورِ الوقتِ وتدبّ الحياةُ فيها ويعمُّ الحبور، إذا أتت مستوطناتٌ مسيحيّةٌ حَسَنة الإدارة لتتمركز في أكثر الأماكن موائمةً من الناحية الصحيّة، وَعِرَف المستوطنون أن يزهروا الأرض ويعيدوا إليها خصوبَتَها وجمالَها كما كانت قديماً. أسّست فرنسا في العصر الصليبي دولةً قويّةً في هذه الربوع ،ولم تتوقّف رغم سقوط هذه الدولة عن رعايةِ المصالح الكاثوليكيّة فيها، وباشَرَت منذ ثلاثين عاماً في إنشاءِ مؤسّساتٍ تعليميّةٍ وخيريّة تَنْشُرُ في البلادِ أعمالَها الطيّبة، وحبَّ أمّتِنا. فرنسا مؤهّلةٌ أكثر من أي بلد كاثوليكي لإدخال المستوطنات اللاتينيّة إلى فلسطين، وإرسائِها على أسسٍ راسخة لا تشعر فيها بالغربة. فلسطين زاخرةٌ بذكرياتِ أسلافِنا، يتعذّر أن تخطوا ثَرَاها دون مصادفةِ بقايا كنائس وأديرة وقلاع أجدادِنا. ماذا أقول؟ لا تزال مشافينا ومستوصفاتُنا ومدارسُنا منتشرةً في فلسطين، ولا ريب أنّ سكّانَها سيستقبِلونَ مستوطنينا استقبالَ الإخوة".
Victor Guérin. La Terre Sainte, première partie. Paris, E. Plon 1884.
Victor Guérin. La Terre Sainte, deuxième partie. Paris, E. Plon 1884.

No comments:
Post a Comment