Thursday, April 18, 2024

عبد الله مناز


فلنحاول التعرّف على الدكتور عبد الله مناز، جامع مصوّر "آثار العهد التركي في دمشق عاصمة سوريّا" (إصدار ١٩٩٢) قبل الدخول في فحوى كِتابِهِ. هناك ترجمة معقولة له على موقع Amazon مع قائمة بمؤلّفاته الورقيّة منها والرقميّة نتبيّن منها أنّه من مواليد تركيّا عام ١٩٥٨ وأنّه حصل على درجةٍ في العلوم الدينيّة من جامعة أنقرة عام ١٩٨٤ ومارس الصحافة وأخرج وأنتج العديد من الأعمال الإذاعيّة والتلڤزيونيّة وهلمّجرّا. ذكرت ترجمة أمازون، في جملة مؤهّلاته، أنّه يتكلّم العربيّة والإنجليزيّة وأنّه تعلّم العربيّة خلال سنةٍ أقامها في سوريّا عام ١٩٨٧.


أودّ في الأسطر الآتية أن أرى المؤلّف عبر مقدّمة كِتابِهِ عن الآثار "التركيّة" في سوريّا التي أرفق مع منشوري مسحاً ضوئيّاً لها. أترك للقارىء الحكم على تمكّن الدكتور مناز من اللغة العربيّة مُرَكّزاً بالأحرى على اتّجاهه الفكري وخلاصته في رأيي هي الآتية:


أوّلاً - بدأت العداوة للأتراك "في بعض الأراضي العربيّة" خصوصاً بعد عام ١٨٥٠ بتدبير من الغرب الذي ادّعى أنّ الأتراك استعمروا هذه الأراضي منذ مئات السنين. 

ثانياً - إيثار الأتراك العرب على أنفسهم وافتدائهم العرب بأموالهم وأنفسهم ضدّ "المستعمرين الحقيقييّن". 

ثالثاً - الدعوة إلى الصداقة والإخاء بين العرب والأتراك الذين تربطهم "علاقات تاريخيّة وثقافيّة وأواصر دينيّة" وردّ كيد من "يحاولون تقسيم أراضينا وقتل شعبنا المسلم" إلى نحرهم. 


كتب الدكتور مناز هذا الكلام الذي تشوبه مسحةٌ مثاليّة عندما كان في عنفوان الشباب ولست هنا في معرض الانتقاص من نتاجه وإسهامه ومن المحتمل أنّه يرى الأمور اليوم من منظور مختلف (للأمانة أُراجع اليوم الكثير من الأمور التي اعتبرتُها من المسلّمات قبل ربع قرن). أعتقد أنّه أصاب في بعض النقاط وأخطأ في بعضها الآخر. ردّي (لا أقول جوابي) على مطارحاته هو التالي:


- مطامع الغرب في تركة الإمبراطوريّة العثمانيّة التي تككلّلت بتقسيم ما تبقّى منها بعد الحرب العالميّة الأولى معروفة ومحاولتهم تأليب الشعوب العربيّة وغير العربيّة على العثمانييّن ليس فيها أدنى شكّ. 

- المؤلّف على صواب في رفضه فكرة "استعمار" الأتراك للعرب. لا يوجد استعمار يدوم ألفاً من السنوات إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الأتراك دخلوا سوريّا منذ القرن التاسع للميلاد (مع الطولونييّن) وأنّ السلاجقة والأتابكة والمماليك أتراك. امتزجت الدماء التركيّة بالعربيّة عبر القرون وكثير من أسماء العائلات الشاميّة إلى اليوم تحمل آثاراً تركيّةً واضحةً والعكس بالعكس. على نفس المبدأ دام الوجود اليوناني - الروماني - البيزنطي في سوريّا ألفاً من الأعوام ولا يمكن بالتالي اعتباره استعماراً بالإذن من جميع المناهج المدرسيّة السوريّة المعاصِرَة. 

- تجرّد الأتراك ودفاعهم عن العرب دون أن ينتظروا جزاءً ولا شكورا مبالغ فيه على أقلّ تقدير. لا الترك "افتدوا العرب بأموالهم وأنفسهم" ولا العرب افتدوا الترك. الإنسان أناني بطبعه وما ينطبق على الشخص ينطبق على الجماعات. 

- الإخاء بين الأتراك والعرب مفهومٌ جميل والصداقة وحسن الجوار مطلوبان. ما جرى مع شديد الأسف أنّ تركيّا أتاتورك أدارت ظهرها للشرق عمداً وعن سبق الإصرار (مع تفهّمي الكامل لمحاولتها إنقاذ ما يمكن إنقاذه) ثقافيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً (تحويل المياه مثالٌ من عدّة أمثلة) وأنّ القوميّة العربيّة التي تبنّتها سوريّا لم تأخذ أقليّاتها الكرديّة والأرمنيّة والشركسيّة والتركمانيّة بعين الاعتبار. 

- تبنّى الغرب مبدأ "فرّق تسد" تماماً كما تبنّته جميع الإمبراطوريّات - بما فيها العثمانيّة - في كلّ زمان ومكان أمّا أنّه حاول "قتل شعبنا المسلم" فهذا غير صحيح وغير ممكن أصلاً. نستشفّ من تعبير "شعبنا المسلم" أنّ المؤلّف إسلاميّ الهوى ومع ذلك لم يستهلّ مصوّره بالبسملة ولا أعلم إذا كان السبب متعلّق بقوانين تركيّا "العلمانيّة".

- فيما يتعلّق "بشعبنا المسلم": سوريّا أكثريّتها مسلمة لا شكّ بيد أنّها تحتوي إلى اليوم ورغم مآسي الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة على أقليّات غير مسلمة عريقة ومؤثّرة. بالمقارنة تخلّصت تركيّا "العلمانيّة" من الأغلبيّة الساحقة من سكّان آسيا الصغرى المسيحييّن (الذين شكّلوا حوالي ربع إجمالي عدد مواطنيها) في عشرينات القرن الماضي. بالطبع ردّت اليونان بالمثل فيما يتعلّق بأقليّاتها المسلمة. 


أختم بالقول أنّني تفائلت خيراً (مع كثيرين غيري) بالتقارب التركي - السوري في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين وآمل أن يأتي اليوم الذي يتجاوز به البلدان خلافاتهما ويوحّدا جهودهما لبناء مستقبلٍ أفضل. الفردُ مائتٌ وأنظمةُ الحكم مصيرها، مهما طال بها العهد، إلى الزوال وتبقى الجماعات البشريّة وتبقى الأرض.

No comments:

Post a Comment