عنوان الكتاب الأصلي بالفرنسيّة "حكّام دمشق تحت المماليك والعثمانييّن الأوائل"، وهو يغطّي الفترة بين بداية حكم المماليك عام ١٢٦٠ (١) وعام ١٧٤٣، أي استهلال ولاية أسعد باشا العظم في دمشق. المؤلّف Henri Laoust، والكتابُ ترجمةٌ فرنسيّة لمخطوط إبن طولون الصالحي الدمشقي (٢) ومخطوط ابن جمعة المقّار (٣). الناشر معهد دمشق الفرنسي وسنة النشر ١٩٥٢.
حقّقَ Laoust مخطوطة ابن طولون وترجَمَها قبل أن تصبح في متناولِ القرّاءِ العرب بفضل محمّد أحمد دهمان عام ١٩٦٤؛ الأسبقيّة إذاً للفرنسييّن وإن كان تحقيق دهمان أغنى بالحواشي والشروحات القيّمة. عَرَّفَ Laoust قرّائَهُ بمحمّد ابن طولون عَبْرَ مقدّمة شديدة الأهميّة بطول ٢٣ صفحة. المؤلّفُ فقيهٌ حنفي من مواليد صالحيّة دمشق وتلميذ نجيب لجلال الدين السيوطي والنعيمي (٤). عنوان كتاب ابن طولون قيد البحث "إعلام الورى بمن ولّي نائباً من الأتراك بدمشق الشام الكبرى" (٥). ميّزَ Laoust في "إعلام الورى" منهجين لابن طولون: الأوّل يغطّي ٢٠٠ سنة بين ١٢٦٠ إلى ١٤٥٨ تغطيةً شديدة الاختصار، سطحيّة، تتخلّلها أخطاءٌ، ومنقولة عن السلف خصوصاً شمس الدين الزملكاني؛ الفترة الثانية من ١٤٥٨ إلى ١٥٣٦ أغنى بكثير في التفاصيل، بعضُها منقولةٌ عن شهودٍ عيان، وكثيرٌ منها عاصره إبن طولون بل ورآه بأمِّ عينه، خصوصاً المرحلة الانتقاليّة بين آخر العهد المملوكي وأوّل العثماني وهنا لا يوجد إسناد: المعلومات مباشرة وليس "عن فلان وفلان أنّ فلاناً قال".
نأتي الآن إلى ابن جمعة المقّار، وهو أيضاً دمشقي وحنفي، ومخطوط "الباشات والقضاة" الذي يغطّي الفترةَ بين ١٥١٦، أي بداية العهد العثماني في أعقاب معركة مرج دابق ومصرع قانصوه الغوري، وعام ١٧٤٤. أسلوب ابن جمعة أكثر اختصاراً وأقرب للعاميّة، وما وصلنا من تسلسلِهِ الزمني فيهِ كثيرٌ من الفجوات، وهو أقرب إلى المسودّة منه إلى كتاب أو مخطوط جاهز للنشر. ركَّزَ الفقيهُ، إضافةً إلى ذكر أسماء الولاة والقضاة في دمشق، على أصحاب الكرامات، وبعض رواياتِهِ عصيّةٌ على التصديق على الأقلّ بالنسبة للقارئ المعاصر. ليست أسبقيّة تحقيق "الباشات والقضاة" للفرنسي Laoust بل للراحل صلاح الدين المنجّد (٦) عام ١٩٤٩، أي قبل Laoust بثلاث سنوات. حاولَ المنجّد تغطية ثغرات ابن جمعة من مصادرٍ إضافيّة قدر الإمكان، مع ذيول وشروحات وبالذات عندما تعلّقَ الموضوع بمعلوماتٍ طبوغرافيّة أو منشئاتٍ عمرانيّة في دمشق وغيرها. سَهَّلَ أسلوب المنجّد المطالعة بيد أنّ المحقّق السوري أغفلَ الهوامش التي كتبها إبن جمعة بخطِّ يدهِ، ولحسن الحظّ أضافها Laoust إلى النصّ في المكان الذي اعتقَدَهُ مناسباً.
ركّزَ إبن طولون وإبن جمعة بالدرجةِ الأولى على الأحداثِ السياسيّةِ، والظروفِ المعيشيّة، والكوارث الطبيعيّة منها والناجمة عن طمع وجهل البشر. التفاصيلُ كئيبةٌ، ومع ذلك بإمكاننا العثور على معلوماتٍ محدودة وثمينة عن آوابد ومعالم دمشق المندثرة منها والموجودة: دار السعادة، جامع الأفرم، قبّة النصر، وحتّى مكان الشنق (٧). يعودُ الفضلُ في تحديدِ الكثيرِ من هذه المواقع إلى حواشي دهمان والمنجّد. تجدرُ هنا الإِشارةُ أنّ العديد من أهمّ معالم دمشق غير مذكور على الإطلاق، ومن الغريب فعلاً ألّا يشير المقّار لا تلميحاً ولا تصريحاً إلى التكيّة السليمانيّة التي قامت على أنقاض قصر بيبرس الأبلق، وحتّى الأبنية المذكورة مرّ عليها الكاتبان مرور الكرام. بالمقابل هناك فيضٌ من أسماء علماء الدين والعسكر الذين نسيهم التاريخ أو كاد.
الخلاصة المعطيات التي يمكن استخلاصها من المخطوطان أعلاه محدودةٌ وناقصة، وإن لم يقلّل هذا من أهميّتها ولا من فضل الفقيهين الدمشقييّن أوّلاً، ودهمان والمنجّد و Laoust ثانياً، في تغطيةِ فترةٍ طويلة من تاريخ المدينة لم تَنَل حقَّها في المصادرِ المتوافرة.
____________
١. حلّ المماليك محلّ الأيّوبييّن في الشام بعد عشر سنوات من الإطاحة بهم في مصر.
٢. وفيّات ١٥٤٦.
٣. مات ابن جمعة بُعَيد ١٧٤٤.
٤. كاتب "الدارس في تاريخ المدارس".
٥. ترك ابن طولون أيضاً سيرةً ذاتيّةً "الفلك المشحون في أحوال محمّد ابن طولون"، و"القلائد الجوهريّة في تاريخ الصالحيّة" و"مفاكهة الخلّان في حوادث الزمان"، وغيرها.
٦. المنجّد ١٩٢٠-٢٠١٠.
٧. حيّ الخراب ثمّ انتقل إلى "ما بين النهرين" أو الجزيرة" المعروفة حاليّاً باسم ساحة المرجة أو ساحة الشهداء.

No comments:
Post a Comment