Sunday, June 17, 2018

قلعة الحصن


طُبِعَ دليل قلعة الحصن الصادر عن المديريّة العامّة للآثار والمتاحف عدّة مرّات بالفرنسيّة والإنجليزيّة (١). الكتيّبُ مُتَرْجمٌ عن الأصل العربي الذي لم أعثر على صورةٍ له. المؤلّف عبد القادر الريحاوي الذي ترأّسَ آنذاك تفتيش  الآثار في المديريّة. اختصّ الريحاوي لاحقاً بالعمارة الإسلاميّة وله فيها من المقالات والكتب الكثير ممّا لا مجال للتعرّض إليهِ في هذه الأسطر. 

قلعةُ الحصن كما نعرفها صليبيّةٌ، وعلّها أكمل وأجمل القلاع الصليبيّة في العالم. لا تزال القلعةُ في حالةٍ جيّدة بعد قرابة تسعمائة عام، وما رافَقَها من الحروب والقلاقل. الكتيّبُ موجّهٌ للسيّاح بالدرجة الأولى ولا يتجاوز الأربعين صفحة من القطع الصغير، بما فيها صور بالأبيض والأسود من نوعيّة متوسّطة مع خريطة سهلة الاستعمال. الترجمة معقولة وإن أمكَن تحسينُها، وبإمكان الأليف بكتابات الريحاوي أن يتحرّى أسلوبَه الأخّاذ عَبْرَ الأسطر. المرجع الوحيد المذكور لمن يريد التوسّع دراسة Paul Deschamps الفرنسيّة (٢) الصادرة عام ١٩٣٤ بعنوان Le Crac des Chevaliers.   

____________

يبدأ الدليل بتحديد موقع القلعة، ثمّ ينتقل إلى لمحةٍ تاريخيّة فيخبرنا أنّها عُرِفَت في القرن الحادي عشر للميلاد تحت اسم حصن الأكراد. سقطت القلعة بيدِ الصليبييّن عام ١١١٠، وقام هؤلاء بتوسيعِها وترميمِها وإعادةِ بناءِ بعض مكوّناتِها خلال عشراتٍ من السنوات. حاول نور الدين زنكي الاستيلاء عليها وفشل، ولم يكن صلاح الدين أكثر منه نجاحاً. قدّر للصليبييّن الاحتفاظُ بهذا الحرز المنيع حتّى عام ١٢٧١ عندما نجح الظاهر بيبرس، الباني الفعلي لإمبراطوريّة المماليك، باقتحامها. عاملَ بيبرس الإفرنح بعد استسلامهم بمنتهى الكرم حسب الريحاوي، وإن ذكرت مصادرٌ ثانية أنّهُ أمَرَ بضربِ أعناق جميع فرسان القديّس يوحنّا الجرحى منهم والأصحّاء (٣). أُصيبت القلعةُ بأضرارٍ خلال حصار بيبرس، ورُمِّمت لاحقاً في عهده، ومن ثمّ تحت السلطان المنصور قلاوون.  

بالنسبةِ لتاريخ القلعة الحديث، تحوّل الحصنُ إلى قرية سكنيّة (٤)  إلى أن قامت سلطات الانتداب الفرنسي بإخلائها في ثلاثينات القرن العشرين، عندما أزيلَت المساكن المُسْتَحْدَثة مع التعويض على سكّانها. رُمِّمَت القلعة بهدفِ استثمارِها تراثيّاً وسياحيّاً (٥)

____________

القلعةُ واسعةُ المساحة، تأخذ  شَكْلَ شبه منحرف أبعادُهُ ٢٠٠ متر x ١٤٠متر (٦) يشغل مساحة ٣ هكتار. ليست زيارة هذا التيه المعقّد بشكلٍ مُمَنْهج بالأمر اليسير، وهنا يأتي دور الريحاوي الذي يقودُ السائحَ في ثلاثِ جولات: الأولى حول الأسوار الخارجيّة، والثانية داخل هذه الأسوار، والثالثة ضمن الأسوار الداخليّة. متابعةُ الأبراجِ والجدرانِ والأبهاء ممكنةٌ بواسِطَةِ الأسهم على الخريطة الملحقة، ويساعدنا في هذه المهمّةِ ترقيمُ الأمكنةِ المختلفة ومقارنة هذا الترقيم مع النصّ. القلعةُ مدينةٌ كاملة، صُمِّمَت لحاميةٍ من ٤٠٠٠ جندي، وزُوِّدَت بخزّاناتِ مياهٍ وعنابر ومطبخ ومطاهر وخنادق وحرز ومصلّى (٧)، علاوةً على أبراجِها وأسوارِها الداخليّة منها والخارجيّة. أهميّةُ القلعةِ الاستراتيجيّة غنيّةٌ عن التعريف، إذ هيمنَت على "فجوة حمص" بين الداخل والساحل، وبين جبال العلوييّن شمالاً وسلاسل جبال لبنان جنوباً.

____________

خَتَمَ الريحاوي الدليلَ بذكرٍ سريع (٨) لدير مار جرجس الأثري الواقع على مسافة قصيرة غرب القلعة. من المُحْتَمَل أنّ هذا الدير يعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي، وإن كان بشكْلِهِ الحالي أحدث من ذلك بكثير.  

____________

١. طبعات الأعوام ١٩٦٥، ١٩٧٥، ١٩٨٢، ١٩٩٦ بالفرنسيّة و ١٩٦٣، ١٩٩٦ بالإنجليزيّة ومن شبه المؤكّد أنّ هناك غيرها. الصورتان أدناه للطبعات الفرنسيّة (باستثناء ١٩٨٢) والطبعتين الإنجليزيّتين. 



٢. كتاب Deschamps متوافرٌ رقميّاً على موقع المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة
٣. الرواية الثانية على الأرجح أقرب إلى الصواب والسببُ بسيط: لا ريب في دهاء بيبرس السياسي وحنكتِهِ العسكريّة وعلّهُ كان شديد التديّن، بيد أنّ الحلم والرحمةَ والرأفة لم تكن من خصالِهِ، بدلالة قَتْلِهِ سيّده المظفّر قطز غدراً وخيانة وتدميره أنطاكيا التي ذَبَحَ واستعبَدَ سكّانَها.
٤. كما حَصَلَ في قلعة المضيق وهيكل بل في تدمر على سبيل المثال.  
٥. أجرة الدخول ليرة سوريّة واحدة عام ١٩٦٣. 
٦. للمقارنة أبعاد قلعة دمشق ٢٢٠ x ١٥٠ متر.  
٧. تحوّلَ المُصلّى إلى مسجد بعد أن أخذ المسلمون القلعة. 
٨. صفحتين ونيّف. 




No comments:

Post a Comment