Saturday, June 16, 2018

دمشق تحت القنابل



مَنَعَت الرقابةُ الفرنسيّة توزيعَ كتاب Alice Poulleau في دويلات انتداب المشرق عندما صَدَرَ عام ١٩٢٦ والسببُ بسيط: تجاوزت المؤلّفةُ خلال ٢٥٠ صفحة جميعَ الخطوطِ الحمراء، وكذّبت الروايةَ الرسميّةَ الفرنسيّة عن ما عُرِفَ لاحقاً بالثورةِ السوريّة الكبرى على جميع الأصعدة عمليّاً، وأدانت تصرّفات المسؤولين الفرنسييّن في بلاد الشام، ووصفتها بالجهل والفوقيّة وقصر النظر، إن لم نقل الغباء، والعنف الذي لا يمكن تبريره تحت ستار "بعثة التمدين" أو Mission Civiltatrice لمساعدة البلاد المتخلّفة على اللحاقِ برَكْبِ الحضارة. 

ليس من الضروري، لتقدير إسهام الكاتبة، أن نوافق على كافّةِ مطارحاتِها سلباً أم إيجاباً؛ مع التسليم بأنّ فرنسا أرْسَلَت عدداً لا بأس به من الأجلاف، فقد أوفَدَت أيضاً الخبراءَ والباحثين ومحبّي التراثِ الشرقي أمثال de Lorey و Sauvaget و Dussaud و Shaeffer و Parrot وغيرهم، تماماً كما رافقت بعثةٌ علميّةٌ عسكر ناپوليون إلى مصر عندم فكّكَ Champollion طلاسمَ حجر رشيد. 

تعودُ أهميّةُ كتابات Poulleau إلى كونِها شاهد عيان من الطرف الآخر، كَرِهَت ممارساتِ قيادات الجيش الفرنسي، وتعاطَفَت في الوقت نفسِهِ مع الجنود الفرنسييّن الأطهار ممّن جُرِحوَ وماتوا دفاعاً عمّا وصفه الجنرال Sarrail، المندوب السامي، l'honneur de la France شرف فرنسا؛ تعرّضت المؤلِفَةُ أيضاً إلى أفعال الثوّار السورييّن، أو المتمرّدين حسب المصدر، التي يصعب الدفاع عنها، ورَسَمَت بالنتيجةِ صورةً أقرب إلى الواقعيّة منها إلى الروائيّة. يمكن لكائنٍ من كان، عَبْرَ قراءة أسفار التاريخ السوريّة، التحقّق ممّا أقول: كلُّ شيءٍ في هذه الكتب أبيض أو أسود، الثوّارُ ملائكةٌ أخيار كما في البطل فلان والشهيد فلان والمجاهد علتان، والفرنسيّون ظلمةٌ أشرار يقتلون للقتل، هدفهم الوحيد استملاك البلاد وظلم العباد ونهب الثروات الدفينة وإذلال الناس وهلمّجرّا.  

اتّبعت Poulleau أسلوب اليوميّات، بدايةً من ٧ كانون أوّل يناير عام ١٩٢٤ عندما وصلها خبر رحيل الجنرال Weygand، ثاني مندوب سامي بعد Gouraud، وتعيين Sarrail الليبرالي "المسيح المنتظر". ينتهي الكتاب في ١٧ أيّار مايو عام ١٩٢٦ على نبرةِ تفاؤلٍ بجهود المندوب السامي الرابع de Jouvenel لاحتواء الأزمة. الكتابُ في زعمي ضروريٌّ لكلِّ مهتمٍّ بعهد الانتداب في سوريّا ولا مجال لتلخيصه في صفحة أو صفحتين. أقتصرُ  في الأسطر التالية على رسمِ صورةٍ عامّة عن طريق التركيز على عدّة نقاط تكرّرت مراراً في السرد، ملتزماً قدر الإمكان بوجهة نظر المؤلّفة وتاركاً الحكمَ إلى القرّاء. بإمكان الراغب في التحقّق والتوسّع الرجوع إلى الأصل الذي أُعِيدَ نَشْرُهُ  عام ٢٠١٢. 

____________

* امتدّت الفتنةُ من جبل الدروز إلى دمشق، على الرغم من الجهود التي بَذَلَها الفرنسيّون في بناء المدارس والمتاحف وشقّ الطرقات وتزويد السويداء بالماء. تعامل الانتدابُ مع الأزمة منذ البداية بأسلوبٍ عنيفٍ وأخرق، كما في رفض Sarrail وساطة الأمير سعيد الجزائري لدى الدروز عندما عُرِضَت عليهِ. امتدّ التمرّد إلى دمشق، خصوصاً الغوطة الشرقيّة، التي قَصَفَ الفرنسيّون العديد من قراها: حرستا، القابون، برزة، جرمانا، المليحة، كفر بطنا، جسرين،  إلخ.  وَقَعَ أهلُ الغوطةِ بين مطرقةِ الفرنسييّن وسندانِ الثوّار، ونَزَحَ كثيرون من القروييّن إلى دمشق. 

* استعمل المتمرّدون الغوطةَ كما يستعمل البدو الصحراء أو القراصنةُ البحار، أي نقطة انطلاقٍ في غاراتِهِم على الفرنسييّن وأعوان الفرنسييّن في المدينة، يهاجمون منها ثمّ يتراجعون للاختفاءِ بين البساتين، ممّا دَفَعَ سلطات الانتداب إلى هدمِ جدرانِ البساتين الطينيّة وشقّ الشوارع العريضة وأشهرها شارع بغداد، لتسهيلِ عبورِ جنودِهِم وآلياتِهم. 

* اعتمد الفرنسيّون على المرتزقة في محاولةٍ منهم لحقنِ دماءِ جنودِهم. المأجورون خصوصاً من الأرمن والشركس والسنغالييّن وغيرهم من الأفارقة الذين ارتأت المؤلّفة أنّهم لطّخوا سمعة الفرنسييّن في اضطّهادِهم للأهالي وسرقتِهم وابتزازِهم للناس. لا مناص، والحالُ كذلك، من أن يهاجمهم الثوّار وأتباعُهُم ويقتلونهم كلّما أتيحت لهم الفرصة. 

* هاجم المتمرّدون قصر العظم، اعتقاداً منهم بتواجد المندوب السامي فيه، في تشرين أوّل ١٩٢٥، ونهبوه ودمّروه. هناك خلافٌ (الكلام دوماً للمؤلّفة) فيما إذا كان الجناةُ من الثوّار، أم الدهماء الذين استغلّوا الفوضى الناجمة للسرقة والتخريب. قَصَفَ الفرنسيّون سيدي عامود انتقاماً، وأحرقوا بيت البكري عن سابق تصميم. فرضت سلطاتُ الانتداب إثرَ ذلك غرامةَ مائة ألف ليرة ذهبيّة على المدينة، توجَّبَ دفعُها خلال ثلاثة أيّام تحت طائلة استئناف القصف، وإن مدّدت الجهاتُ المعنيّة لاحقاً تاريخ الاستحقاق. أرسل أعيانُ المدينةِ وفداً إلى الثوّار، أو زعماء العصابات حسب وجهة النظر، ناشَدَهم الامتناع عن دخول المدينة لتجنّبِ انتقام الفرنسييّن.  

* احتاج الثوّارُ بدَوْرِهِم إلى المال، واتّبعوا في سبيل الحصولِ عليهِ عدّةَ أساليب، منها فرض خوّة على الأهالي ومنهم الطبيب رضا سعيد، واختطاف رهائن لطلب الفدية إذا لزم الأمر. استهدف العصاةُ خصوصاً أصدقاء فرنسا و"محاسيبها" من الأقليّات، بيد أنّهم وفّروا الفقراء. 

* تفاوتت علاقات الطوائف السوريّة بعضها مع البعض الآخر، ولعبت السياسةُ الفرنسيّةُ دَوْرَها في هذا الصدد على اعتبار أنّ فرنسا "حامية الأقليّات"، خصوصاً المسيحيّة منها، في بلاد الشام. صَدَرَت على سبيلِ المثال تعليماتٌ إلى البطركيّات في دمشق لوضع شراشف بيضاء يتوسّطها صلبانٌ حمر على سطوحِها كي يتعرّف عليها الطيّارون الفرنسيّون ويتجنّبوا قَصْفَها. فَتَحَت هذه البطركيّات بالمقابل أبوابَها للنازحين المسلمين، وأرسل الأمير طاهر الجزائري أتباعَهُ لحماية المسيحييّن. هدّد بعض الثوّار مع الأسف بالجهاد ضدّ المسيحييّن، وسرقوا طحين دير صيدنايا، وحاصروا معلولا وفرضوا ضرائب "حماية" للمنطقة الواقعة بينها وبين يبرود. 

* خَرَجَت عدّةُ أحياءٍ في المدينة عن سيطرة الفرنسييّن، وتعرّض الميدان للقصف ربيع ١٩٢٦، وفُرِضَت على أهلِهِ غرامةُ ١٠٠٠ ليرة ذهبيّة مع التهديد بقطع مياه عين الفيجة في حالةٍ الامتناع عن الدفع. نَزَحَ الألوفُ من سكّان دمشق، واعتصم الفرنسيّون بطريق الصالحيّة معقل جاليتِهِم، ونَصَبوا الأسلاك الشائكة في القصّاع وباب توما بذريعة حماية المسيحييّن. 

باختصار لم توفّر Poulleau أحداً، وإن عَبَقَت سطورُها بحبِّ دمشق وغوطتِها وتراثِها وأهلِها. أدانت المؤلّفةُ الانتدابَ بلا تردّدٍ أو مواربة، ودون "ظروفٍ مخفّفة". كتابٌ أكثر من جدير بالقراءة آملُ العودة إلى محتوياتِهِ متى سَمَحت الظروف.   

No comments:

Post a Comment