تردّدتُ بين مصطلح "استيطان" و "استعمار" كعنوانٍ لهذا المقال، بيد أنّ الفرقً في نهايةِ المطاف طفيفٌ، وكلاهما يمكن استعمالُهُ بمدلول إيجابيّ أو سلبي. عنوانُ الكتاب مصدر المعلومات أدناه "أرض الأنبياء"، وتاريخُ النشر ١٩١٦، أي أنّه سَبَقَ تصريح بلفور ودخول الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الحرب العظمى التي عُرِفَت لاحقاً بالعالميّة الأولى عام ١٩١٧. المؤلّف Albert Heusser (١٨٨٦ - ١٩٢٩) أمريكي، شغل منصب مُحاضِر في قسم التعليم في مدينة نيويورك، وكان عضواً في الجمعيّة الوطنيّة الجغرافيّة وكَتَبَ عدّة مؤلّفات. زارَ Heusser الشرق الأدنى في مطلع الحرب (١) بدايةً من بور سعيد في مصر، ومنها إلى بيروت فدمشق ففلسطين، واستعمل في رِحْلَتِهِ وسائل المواصلات الحديثة كالسفن والقطارات، والقديمة كالعربات التي تجرّها الحيوانات وأحياناً صهوة الدوابّ حسب الضرورة والوسائل المتاحة. تمخّضت الرحلةُ عن كتابٍ تجاوزَ الثلاثمائة صفحة، يحتوي معظمُها على صورٍ تاريخيّةٍ بالأبيض والأسود. الكاتب مسيحي وعلى الأغلب پروتستانتي، بدلالةِ حبِّهِ واحترامِهِ للشعب اليهودي، وإيمانِهِ الصهيونيّ بوجوبِ عودتِهِم إلى أرضِ الميعاد.
ليست هذه القناعة بالمستغربة من إنجيلي ملتزم، استهواه كتابُ العهد القديم، وآمن ككثيرين غيرِهِ بكلّ تفاصيله كحقائقٍ تاريخيّةٍ لا تقبل الجدل بَلْهَ الدحض. هناك أوجه تشابهٍ بين استيطان الأوروپيّين أمريكا من المحيط الأطلسي إلى الهادي، الذي نُعِتَ "بالقدر المتجلّي" من جهة، وبين استيطان فلسطين - أيضاً على يد الأوروپييّن - على حساب سكّان البلاد الأصلييّن من جهةٍ ثانية، ومن العدل أن يقال أنّ مصير الفلسطينييّن من غير اليهود كان أفضل من عدّةِ أوجه من مصير من أطلَقَ عليهم الأوروپيّون ومن نَقَلَ عنهم تسمية "الهنود الحمر"، ووصفهم Winston Churchill "بالمتوحّشين"؛ لم ير هذا الأخير غضاضَةً في قيام "عرقٍ أقوى وأرفع درجةً وأدرى بأمور العالم"، بإزاحتهم والحلولِ محلِّهِم.
عنصريّة Heusser إذاً عاديّة ومتفشّية (٢)، وحتّى متنوّرة إلى حدٍّ ما على الأقلّ بمقاييس عَصْرِهِ، فعلى الرغم من أنّه وصف العرق التركي بأنّه أدنى من العربي (صفحة ١٧٣)، والدمشقييّن - على كثرةِ حمّاماتِهِم التي لم تفته الإشارة إليها - بالوساخة رغم اهتمامِهم بأيديهم وأقدامهم "إلى درجة الوسوسة" (٣)، والخوارنة في كنيسة القيامة بالقذارة والأميّة (صفحة ١٧٧)، والعرب "بسماكة المخّ"، وأهل القدس من غير اليهود بالكسل والغباء (صفحة ٢١٥)، ورغم ازدرائه للمدارس الإسلاميّة وتعليمِها الذي لاقيمةَ له (صفحة ١١٠) ورغم ورغم ورغم .... وصلَ المؤلِّفُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ الله لن يستأثر بعطفِهِ المؤمنين بالمسيح ويستثني المسلمين البسطاء الورعين (صفحة ١٨٨)، ونادى بتقديم المساعدات الاجتماعيّة والطبيّة لهم، بغضّ النظر عن نجاح التبشير المسيحي بينهم.
لا حدود لإعجاب المؤلّف باليهود وتقريظِهِ لخصالِهِم. العالمُ بأسره "مدينٌ لهم" وبادلوا إسائتِهِ بإحسانٍ (صفحة ٨٨ - ٨٩) عبر التاريخ؛ أمّا عن هجرتهم - وغيرهم من الأوروپييّن - إلى فلسطين، فالأرض المقدّسة أحوج ما تكون "لدماءٍ فتيّةٍ" من الغرب، واليهود أحقّ من المسلمين بالحرم الشريف (صفحة ١٥٥) . تجدرُ الإشارةُ هنا إلى هجراتٍ غبر يهوديّة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، سواء كانت بشكل مستوطنات ألمانيّة پروتستانتيّة تنتظر المجيء الثاني للمسيح (صفحة ٣٠٣)، أو بعثات دينيّة روسيّة على اعتبار أنّ روسيا حامية المسيحييّن الأورثوذوكس في العالم عموماً والشرق الأدنى والديار المقدّسة خصوصاً. هذه الهجرات عدديّاً أقلّ بكثير من نظيرتِها اليهوديّة.
ازدادت الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين بعد تصاعد الاضطّهاد ضدّهم في روسيا ورومانيا عام ١٨٨١، وموّل هذه الهجرة كبار أثرياء اليهود في فرنسا (البارون Edmond de Rothschild) وإنجلترا (Sir Moses Montefiore) وغيرهم. لم يقتصر الدعم على رعاية الهجرة إلى فلسطين، فالألماني Baron Maurice de Hirsch مثلاً ترك ٣٠ مليون دولار (صفحة ٢٩٠) لجمعيّة الاستعمار اليهودي، وهو مبلغ خرافي في ذلك الوقت، مع التحفّظ أنّ هذا الأخير حبّذ الهجرة إلى الأرجنتين وليس فلسطين.
لا غرابة في ازدهارِ المستوطناتِ اليهوديّة بعد هذه الاستثمارات الهائلة من بعض أغنى أغنياء العالم. زار المؤلّف عدداً من هذه المستوطنات، وأثنى على رقيّ أهلِها وحسنِ ضيافتِهِم وطموحهم وورعهم وكدحهم وإنسانيّتهم (٤) وكفاحهم ضدّ البرداء والرَمَد من الأمراضِ التي عاثت في البلاد فساداً، وأرجَعَ الفضلَ إلى اليهود (صفحة ٣٠٩) في جلب ثمار البرتقال والليمون إلى فلسطين بعد عَودَتِهِم من السبي البابلي، وخصّ مستوطنة تلّ أبيب الروسيّة (صفحة ٢٩٥) في ضاحية يافا بأسمى آيات الثناء (٥). ما كان للكاتب أن يغفِلَ المقارنةَ بين قرى أهل البلاد الأصلييّن البائسة والمستوطنات الأوروپيّة الرحبة الأنيقة التي استعمل المهاجرون فيها أحدث التقنيّات لجرّ الماء والزراعة وتربية الحيوانات والتشجير.
خَتَمَ Heusser (صفحة ٢١٦) بالجزم أنّ فلسطين المستقبل لليهودي الذي سيقطنها وبعمّرها ويغنيها، وتنبّأ (صفحة ٣٠٠) أنّ النفوذ الأوروپي سيتعاظم في فلسطين بغضّ النظر عن المنتصر في الحرب العالميّة الأولى، وانتهى بالاستشهاد بكتاب العهد القديم والآيتان ١٤-١٥ من الأصحاح التاسع لسفر عاموس:
وَأَرُدُّ سَبْيَ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ فَيَبْنُونَ مُدُنًا خَرِبَةً وَيَسْكُنُونَ، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَشْرَبُونَ خَمْرَهَا، وَيَصْنَعُونَ جَنَّاتٍ وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا.
وَأَغْرِسُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَلَنْ يُقْلَعُوا بَعْدُ مِنْ أَرْضِهِمِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ، قَالَ الرَّبُّ إِلَهُكَ.
____________
١. مقدّمة الكتاب مؤرّخة عام ١٩١٣، بيد أنّ النصّ يحتوي على كثير من الإشارات إلى الحرب.
٢. ليس سكّانُ الشرقِ الأدنى أنفسهم، على ضعفهِم وتخلّفِهم، بغرباءٍ عن العنصريّة التي تزخرُ فيها أدبيّاتُهم ككتاب ألف ليلة وليلة مثلاً.
٣. صفحة ٦٢ والإشارة للوضوء.
٤. صفحة ٣١٠ الطبيب Kahan قَدَّمَ العنايةَ الصحيّة عن طيبةِ خاطرٍ لليهود والعرب.
٥. تواجدت معظم المستوطنات وقتها بين يافا والقدس.

No comments:
Post a Comment