Friday, May 18, 2018

دليلُ زائرِ دمشق في القرن الحادي والعشرين



نُشِرَ هذا الدليل الورقي لمدينة دمشق عام ٢٠١٠. المحرّرتان اللبنانيّة Carole Corm كارول قرم والحلبيّة الأصل ميّ معمرباشي والمساهمون كثيرون. للكتاب إيجابيّاته وهي كثيرة، وعليهِ بعض المآخذ التي أبدأ بها وأهمّها على الإطلاق ضَعْفه من النواحي التاريخيّة والتوثيقيّة، سواءً تعلّقَ الأمرُ بالتاريخ الموغل في القدم أو الحديث والمعاصر. الأخطاء كمّاً ونوعاً تزيد إلى حدّ بعيد عمّا يمكن اعتباره مقبولاً وأكتفي هنا ببعض الأمثلة:

١. صفحة ١٧ قسطنطين الكبير يعلن المسيحيّة ديانةً رسميّة ويحرّم الديانات الوثنيّة عام ٣٩٢ للميلاد. الصواب بالطبع ثيودوسيوس.
٢. صفحة ١٩ قوّات Vichy تقصف دمشق عام ١٩٤٥ (انتهى وجود القوّات المواليّة لحكومة Vichy في سوريا عام ١٩٤١).  
٣. ثالثة الأثافي (صفحة ٣٥) هزليّة: "جامع أنور السادات" في دمشق. المقصود طبعاً جامع الأقصاب أو جامع السادات الزينبيّة. 

ليست هذه الأمثلة الثلاثة سوى غيض من فيض، ويترتّبُ على ذلك أنّ هذا الدليل الذي تجاوز عددُ صفحاتِهِ المئتين ليس مرجعاً موثوقاً عن تاريخ المدينة لا من ناحية التسلسل الزمني ولا الحقائق ولا الطبوغرافيا.

حسنات الكتاب: 

الدليل صغير الحجم، خفيف الحمل، جيّد الورق، أنيق الطباعة، سهل الأسلوب، تتخلّلُهُ عدّةُ صورٍ رقميّةٍ ملوّنة عالية الجودة مع العديد من الخرائط البسيطة الجذّابة. لغة الكتاب انجليزيّة ممّا يجعله في متناول أكبر عدد ممكن من زوّار المدينة؛ يحسن هنا التذكير أنّ اهتمام معظم السيّاح في كافّة بلاد العالم يتجاوز المعالم الأثريّة مهما بَلَغَ جمالُها وعراقَتُها ومهابتُها. السائح يريد فندقاً يبيت فيه، ومطاعماً يرتادها، وأسواقاً يشتري منها ما يروق له من المُنْتَجات المحليّة، وأماكناً للّهو والتسلية. ما يهمّ السائح في أي دليل المعلومات عن المواصلات، وأكلاف الإقامة والأكل، والتحف الشرقيّة، وعلب الليل، ودور السينما والمسارح، والمصارف، والهواتف المفيدة، والطبابة إذا استدعى الأمر، وكيفيّة الحصول على تأشيرة دخول وهلمّجرّا. كلُّ هذه المعلومات وأكثر موجودةٌ في هذا الكتاب الذي يعطي أيضاً عناوين المواقع الإلكترونيّة في حالِ توافُرِها. 

كافّةُ الفنادق المذكورة غالية بمقاييس سوريّا، تجاوزت أسعارُها آنذاك ١٠٠ دولار بالليلة، وبعضها تجاوز ٢٠٠؛ فندق سميراميس غير مذكور ومن المحتمل أنّ المؤلِّفَتَيْن اعتبرتاه دون المقام. يقعُ كثير من هذه الفنادق في دمشق داخل السور، وكانت بالأصل بيوتاً شاميّةً جُدِّدَت وحُوِّلَت إلى أوتيلات باذخة. خلافاً للفنادق، هناك خياراتٌ تناسب جميع الميزانيّات فيما يتعلّق بالمطاعم من الباهظة الكلفة، شرقيّةَ الطراز كانت أم غربيّة، إلى الشعبيّة كشاورما الصدّيق، وفول بوز الجدي. خصّصت المؤلِّفتان حيّزاً لا بأس به خصّص للحلويّات الدمشقيّة، وأشهر المحلّات التي تقدّمها، من بكداش في سوق الحميديّة، إلى غراوي وسميراميس والزنبركجي، مع التذكير بأنّ عاصمة المأكولات الشهيّة في سوريا حلب وليست الشام. حظيت حمّاماتُ دمشق أيضاً بذكرٍ خاصّ، ومنها التيروزي وأمّونة والملك الظاهر والبكري، وهناك تغطية لدار الأوپرا، والأوركسترا السوريّة، والمهرجانات السينمائيّة، والمعارض الفنيّة، وصالات الرياضة، والمقاهي، وغيرها.

تناول القسمُ الأخير من الكتاب مواضيعاً مختلفةً عَبْرَ مقالاتٍ قصيرة تتراوح بين ٢ - ٥ صفحات لعدّة كتّاب، منهم Brigid Keenan و "Damascus: Hidden Treasures of the Old City". غطّى مقالُها البيوت أو بالأحرى القصور الدمشقيّة العريقة؛ و Christa Salamandra أخصّائيّة الأنثروبولوجيا ومؤلّفة "A New Old Damascus" عن خلفيّات عودة النخبة إلى المدينة القديمة بداية من التسعينات، ليس بهدف سكن البيوت التي أخلاها آباؤهم وأجدادُهم، وإنّما بهدف استثماها كمطاعم وفنادق، أو الاستمتاع بجوّ "تقليدي" حديث. تعرّضت الكاتبة، في جملةِ ما تعرّضت إليه، إلى أثر المسلسلات التلڤزيونيّة وخصوصاّ "باب الحارة" في نشر اسم دمشق وثقافتها وفولكلورها عبر العالم العربي وما وراء البحار. مسك الختام مقال قصير للمؤرّخ السوري عبد الكريم رافق عمّا أسماه "المنافسة بين حلب ودمشق" في العهد العثماني من الناحيتين الاقتصاديّة والتجاريّة. 

كتاب ممتع وجهد مشكور للسيّدتين قرم ومعمرباشي وعسى أن تتلافى الطبعات المُقْبِلَة الهفوات المذكورة أعلاه. 



No comments:

Post a Comment