من المؤكّد أنّ فسيفساء جامع دمشق الأموي الحاليّة تقلّ عن نظيرتها في عهد الوليد بن عبد الملك كمّاً ولربّما أيضاً نوعاً. ليس هذا بمستغربٍ في جامعٍ يتجاوز عمره ١٣٠٠ سنة، مرّ عليهِ خلالها أكثر من الكفاية من الكوارث، منها الطبيعيّة ومنها نتيجة إهمال البشر وتخريبهم. قصّةُ الفسيفساء التي غُطّيَت بالكلس قبل أن يكشفها de Lorey في عهد الانتداب الفرنسي معروفةٌ، وكذلك الدمار في أعقابِ حريقِ ١٨٩٣.
يرى الكثيرون أنّ فسيفساء الأموي بقصوِرها وأنهارِها وأشجارِها ترمز إلى جنّتين، إحداهما سماويّة وَعَدَ اللهُ بها المؤمنين، والثانية أرضيّة تمثِّلُ دمشق وغوطتها ومبانيها ونهرها. ليس الهدفُ من دراسة الدكتور Flood تغطية فسيفساء الجامع بالتفصيل، وإنّما بالأحرى التركّيز على عنصر محدّد فيها: "اللآلىء المعلّقة" التي نراها بوضوح في الصورة أعلاه عن Degeorge. استعمالُ اللؤلؤة المعلّقة في الزخارف والفسيفساء سابقٌ للإسلام، بدلالةِ نماذجٍ في الشرق المسيحي لدى الأقباط والبيزنطييّن، ويرمز إلى صفاء وإشعاع المسيح ناهيك عن الاعتبارات الجماليّة. تمثِّلُ الدرّةُ أيضاً المصباح، والنجوم في القبّة السماويّة، ومنازل المؤمنين في الجنّة، كما فصّل عبد الملك ابن حبيب الأندلسي (١) في كتاب وصف الفردوس :
"وحدّثني بعضُهم أنّ في كلِّ خيمةٍ من خيامِ الجنّةِ التي هي من لؤلؤةٍ مجوّفة طولُها أربع فراسخ في أربع فراسخ، وفي الارتفاع مثل ذلك سرد عليها من الدرِّ، والياقوتِ، وعلى كلِّ سريرٍ فرشٌ منضودةٌ ملوّنةٌ بعضها فوق بعض، وأمام كلِّ سريرٍ طنفسةٌ قد طبقت الخيمة منسوجة بالدرّ والياقوت والزبرجد في قضبان الذهب، والفضّة، وعلى كلِّ سريرٍ زوجةٌ من الحورِ العين يطفىء نورُها نورَ الشمسِ مع كلِّ زوجةٍ سبعون جارية وسبعون غلاماً كما قالَ الله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ".
روى إبن عساكر أنّ الوليد طالب مساعدة "طاغية" الروم (٢) في بناء الجامع الأموي في دمشق تحت طائلة غزو أراضي الروم وتدمير الكنائس المسيحيّة تحت حكم الأموييّن، بما فيها كنيسة بيت المقدس، إذا امتنع الإمبراطور عن التلبية. لا ريب أنّ نصَّ هذه الرسالة المزعومة خَضَعَ إلى الكثير من "التبهير" بين موت الوليد في مطلع القرن الثامن وإبن عساكر في القرن الثاني عشر، ولكن من الملفت للنظر أنّه يعزو للوليد طلبَ مساعدة الروم في بناء جامع دمشق وإعادة بناء جامع المدينة (٣)، وليس هناك ذكر مماثل لمساهمةٍ بيزنطيّة، طوعيّةً كانت أم قسريّة، في الجامع الأقصى وقبّة الصخرة، وكلاهما خالٍ من الدرر المعلّقة؛ بناءً على ذلك من المحتمل أنّ هذه اللآلىء نموذجٌ ترجَمَهُ الأمويّون عن مصادرٍ سابقة عن طريقِ القسطنطينيّة.
اللوحة المائيّة لحَرَم الجامع عن Phené Spiers.
للحديث بقيّة.
____________
١. وفيّات ٨٥٣ للميلاد.
٣. هناك أيضاً رواياتٌ مفادُها أنّ أمويّي الأندلس التمسوا مساعدة بيزنطة في بناء جامع قرطبة.
Finbarr Barry Flood. The Great Mosque of Damascus : Studies on the Makings of an Ummayyad Visual Culture. Brill 2001.
Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas. Actes Sud, 2010.

No comments:
Post a Comment