يختزل الجامع الأموي في العهد الإسلامي، ومن قبله الكنيسة البيزنطيّة وهيكل المشتري ومعبد حدد، تاريخَ دمشق الذي يتجاوز ثلاثة آلاف عام. ليس هذا الجامع أهمّ معالم دمشق الدينيّة منها والدنيويّة قاطبةً فحسب، ولكنّه أيضاً أحد أقدم وأكبر وأبهى الجوامع التاريخيّة في العالم، ونموذجٌ احتذى به الكثيرون من بناة دور العبادة الإسلاميّة اللاحقة؛ أضف إلى هذا وذاك أنّ تاثيرَه المعماري والفنّي عبر تاريخِهِ الطويل لا يقتصر على الإسلام.
المؤلّف الدكتور Finbarr Barry Flood من جامعة Edinburgh، وعنوان الكتاب الصادر عام ٢٠٠٠ "دراسات في صناعة ثقافة أمويّة بصريّة". البحث أكاديمي وليس عجالةً لمن يبحث عن المختصر المفيد. لا يغطّي الكتاب (١) الجامع ككلّ، ولا يهدف لذلك أصلاً (٢).
تناوَلَ Flood البحثَ من منظورٍ مختلف، مركّزاً على عناصرٍ معيّنة في زخرفة الفسيفساء والكرمة على جدار الحرم (٣)، والساعة على الجدار الجنوبي (٤)، والنقوش الكتابيّة المندثرة في حرم الصلاة، وعلاقة الجامع مع النسيج العمراني الحاضن؛ قارن المؤلّف كلّ هذا مع المواصفات التي وصلتنا عن كنيسة دمشق البيزنطيّة وآيا صوفيا في القسطنطينيّة وما سبقها، وارتأى أنّ الجامع بُنِيَ في إطار برنامج عمراني غير مسبوق واسع المدى وهائل الحجم نفّذه الوليد بن عبد الملك ليس في دمشق فحسب، وإنّما أيضاً في المدينة المنوّرة ومكّة وجامع ودار إمارة الفسطاط في مصر وجامع صنعاء الكبير. لم يستثن هذا البرامج من الإمبراطوريّة الأمويّة عمليّاً إلّا العراق لأسبابٍ سياسيّةٍ واضحة.
لهذا البرنامج أبعادٌ دينيّة وأُخرى سياسيّة. تطلّبَ التسارعُ في زيادةِ عددِ المسلمين دورَ عبادةٍ لتلبية حاجاتِهم الروحيّة، بيدَ أنَ هذه الحاجات لا تستدعي بالضرورة هذا المستوى من البذخ وهنا يبرز البعد السياسي: أراد الوليد توجيهَ رسالةٍ واضحة، ليس فقط إلى الأمّة الإسلاميّة (٥)، وإنّما أيضاً إلى العالم الخارجي عموماً وبيزنطة خصوصاً؛ مفادُ هذه الرسالةِ أنّ الإسلامَ مستقرٌّ وراسخٌ، وأنّ الوليد وأسرتَهُ المالكة باقون، وأنّه وأنّهم على أقلِّ تقدير أندادٌ للقسطنطينيّة التي حاول الأمويّون عبثاً أخذها بالقوّة عدّة مرّات.
ادّعى بعضُ المستشرقين أنّ مأثرةَ الوليد اقتصرت على نسخِِ البيزنطييّن في عمائرهم التي استحوذ ومن سبقه من الفاتحين العرب عليها بحدّ السيف؛ الموضوع في نظر Flood أعقد من ذلك بكثير: قامَ الوليد ومهندسوه "بترجمة" مختاراتٍ من التراث الفنّي السابق كي يصبح موائماً لحاجات الدولة الفتيّة، مع المحافظة على درجةٍ كافية من الاستمراريّة لضمان ولاء بلاد الشام، عمود الإمبراطوريّة الفقري ومركز ثقلها، التي كانت أغلبيّتُها الساحقة آنذاك مسيحيّةً.
للحديث بقيّة.
____________
١. عدد الصفحات ٣٣٠ مع ٩٠ صورة ملحقة.
٢. دراسة طلال العقيلي هي الأفضل من النواحي المعماريّة وهناك كتاب Degeorge لمن تستهوه الصور الكبيرة الملوّنة الرائعة العالية الدقّة مع سرد ممتعٍ للغاية لتاريخ الجامع . أخيراً بإمكان من لا يملك الوقت أو الرغبة لقراءة سِفْرٍ كاملٍ الرجوع إلى الحيّز الذي خصّصه Burns للجامع في كتابِهِ القيّم عن تاريخ دمشق.
٣. اندثرت الكرمة بعد حريق ١٨٩٣ كما سنرى.
٤. غير ساعة باب جيرون كما سيأتي ذكرُهُ.
٥. مفهوم الأمّة في القرون الوسطى مختلفٌ جذريّاً عمّا آل إليه اعتباراًَ من القرن التاسع عشر تحت تأثير الغرب.

No comments:
Post a Comment