Sunday, May 6, 2018

دمشق في عيون عبد العزيز العظمة



أعطى عبد العزيز العظمة وصفاً مفصّلاً لمدينتِهِ التي أحبّها كلّ الحبّ، واعتمد الكثيرون لاحقاً على المعلومات التي وثّقها. من الملفت للانتباه أنّ الكتاب خالي تماماً من الخرائط، وهذه نقيصة لا يستهانُ بها، وفي نفس الوقت لا يمكن لومُها على المؤلّف الذي مات قبل أربعين عاماً ونيّف من نشرِ دراسَتِهِ، ويا حبّذا لو أُعيدَ طبعُ الكتاب مع الخرائط التي لا غنى عنها لتحديد التقسيمات، أو الأثمان، والشوارع، والأوابد، التي يتعذّر فهمُها دون خرائط، اللهمّ إلّا لمن يعرف دمشق مُسْبَقاّ معرفةً دقيقة. وصف ابن عساكر دمشق في القرن الثاني عشر، واستند Nikita Elisséeff على هذا الوصف ليرسم خريطةَ دمشق النوريّة. إذا كان ذلك ممكناً بعد انقضاء ٨٠٠ سنة، فبالأحرى أن نستطيع فِعْلَهُ بعد بضع عشرات من السنوات، خصوصاً وأنّ الكثير من الخرائط العالية الدقّة أصبحت متوافرة اعتباراً من القرن التاسع عشر. 

استطرد الكاتب خلال بضع صفحات (٥٥ إلى ٦١)،  في محاولةٍ لتغطية المذاهب الإسلاميّة (سنّة ومعتزلة وشيعة ومرجئة وخوارج)، مع تفرّعاتها ووصف مختصر لكّل منها، سيّان عنده إذا انقرضت أو كانت لا تزال موجودة. محاولة تغطية ما يتطلّب مجلّدات في صفيحات معدودة محكومٌ عليها بالفشل مسبقاً مع تقديري للجهد المبذول فيها. علاوة عن سطحيّة هذه التغطية، علاقتُها بدمشق مشكوكٌ بها، خاصّىة وأنّه لا يوجد استعراض مشابه للطوائف غير الإسلاميّة التي كان ولا يزال وجودُها في المدينة ملموساً، وإن ذكر المؤلّف عادات - وليس معتقدات - هذه الطوائف تحت بابٍ آخر. 

كان عبد العزيز العظمة مسلماً سنيّاً محافظاً، نَظَرَ "للبدع" عموماً بعين الشكّ والريبة، فهو مثلاً (صفحة ٧١) ضدّ "نور الكهرباء الشديد الذي ساقنا إليه حبّ التقليد والاعتياد" والذي اعتبره مضرّاً للبصر، وضدّ استعمال المواقد الكهربائيّة والصوبات أو الصوبيات للتدفئة كونها تسبّب "صداعاً في الرؤوس ونقصاً في الجيوب"، وضدّ السفور (صفحة ٧٥) والمساواة بين الجنسين، وضدّ السينما والمراقص (صفحة ٧٩) التي تحتوي على "كلّ مفسد للأخلاق". تحسّر العظمة (صفحة ١٣٩) على إضاعة "ثروة الآباء" على "السيّارات والطيّارات والدرّاجات والتليفون والراديو وغيرها من مخترعات هذه الأيّام"، ونَدَبَ (صفحة ١٤٤) التخلّي عن الدواب كوسيلةٍ للنقل، وإن استدرك (صفحة ١٤٧) فنادى بإقامة معمل للسيّارات في سوريّا يغنيها عن الإستيراد، ممّا يدلّ أنّه - على كرهه للاختراعات الحديثة - أدرك في نهاية المطاف أنّ هذه التقنيّات لا غنى عنها إذا أرادت سوريّا أن تلحق بركب العالم المتقدّم. نظر العظمة بعين الرضا والفخر إلى مدّ سكك الحديد في بلادِهِ، خصوصاً الخطّ الحديدي الحجازي، مشروع السلطان عبد الحميد خان الذي احترَمَهُ المؤلِّف إلى أقصى الحدود. خرّب الثوّار العرب بقيادة لورانس هذا الخطّ إبّان الحرب العظمى. 


خصّص المؤلّفُ حيّزاً صغيراً للبيوت الدمشقيّة وتقسيماتِها ومسمّياتِ وحداتِها ومكوّناتِها وأثاثِها. تعرّض العظمة أيضاً إلى الثياب والزينة والسهرات والسيارين والخطبة والزواج والجهاز والعرس والختان والأعياد القديمة منها والمحدثة والمآتم وأصناف الطعام  والمدارس والمناهج والنباتات والحيوانات والصنائع والتجارة وكثير غيرها من المعلومات التي لا تقدّر بثمن.

للحديث بقيّة. 



4 comments:

  1. حبذا لو أعيد طباعته .. و جميع الخرايط المهمة ااتي ذكرها الكتاب (( موجودة )) لدينا ، و أنا بصراحة قادر على رفد هذا الكتاب بالخرايط و الصور الضوئية لكل ما ورد فيه .

    ReplyDelete
    Replies

    1. ليس عندي أدنى شكّ أستاذ عماد وجهودك ومقالاتك المنشورة في العديد من المواقع الإلكترونيّة تشهد بكلّ ذلك وأكثر

      Delete
  2. و لكن ينقصي ( التفرغ التام للكتاب ) و الدعم المالي حتى يصار الى اعادة إصداره .. و سيكون من أفضل الكتب التي وثقت دمشق بالفترة المذكورة .

    ReplyDelete
    Replies
    1. وسأكون من أوائل من يقرؤونه

      Delete