المخطّط الملحق للجامع الأموي ومحيطِهِ عام ١٨٥٥ مُقْتَبَسٌ عن المبشّر الإيرلندي Porter، وهو بالإجماع أدقّ الخرائط لهذِهِ المنطقة حتّى ذلك الحين. نرى شمال الجامع من الشرق إلى الغرب المدرسة أو الخانقاه السميساطيّة، القنصليّة الإنجليزيّة (١)، تربة صلاح الدين، وأخيراً المدرسة الظاهريّة. سوق الكتب في الغرب هو المسكيّة طبعاً، وإلى الجنوب منه سوق العبيد (٢). ما يهمّنا في سياقِ حديثِ اليوم بالدرجة الأولى هو جدار الجامع القبلي وباب الزيادة قرب نهايته الغربيّة، حيث شاهد Porter بقايا رواق معمّد يتّجه من باب الزيادة متعامداً عليه إلى الجنوب، لينعطف إلى الشرق لدى نصب رباعي الوجوه Tetrapylon، ويتابع مسيرَهُ موازياً لسور الجامع الجنوبي. كان هذا الرواق لا يزال موجوداً عام ١٨٧٦ استناداً إلى دليل Baedeker واندثر قبل نهاية القرن التاسع عشر.
لنا عودةٌ إلى باب الزيادة، وبانتظار ذلك، لنحاول البحث في أمر ساعة باب جيرون الشهيرة التي بناها محمّد بن علي بن رستم الخراساني الساعاتي في عهد نور الدين، على الأغلب بين ١١٥٤ و ١١٦٧ للميلاد. وصف ابن جبير الأندلسي هذه الساعة وصفاً دقيقاً، ودون الدخول في التفاصيل يكفي القول أنّ المرئي منها تشكّلَ من غرفةٍ ذات اثني عشر باباً، يُقاسُ الوقتُ فيها نهاراً بواسطةِ أوزانٍ تسقطُ من منقارِ طيرٍ في وعاءٍ في الأسفل لدى انصرامِ ساعةٍ من الزمن مُحْدِثَةً صوتاً، أمّا ليلاً فالقياسُ عن طريقِ أضواءٍ يُسْتَعاضُ بها عن الأصوات في قرصٍ كبيرٍ فوقَ الأبواب كما نري في الرسم. نستدلّ من وصف ابن جبير (٣) أنّ هذه الساعةِ آليّةٌ، بيد أنّ ابن بطوطة (٤) وصفها باليدويّة، ومن المُحْتَمَل بالتالي أنّ خللاً ما أصابَها بين أواخرِ القرن الثاني عشر ومطلع الرابع عشر. ساعةٌ معقّدةٌ كهذهِ مكلفةٌ للغاية في عصرٍ توافرت بدائلٌ أرخص لقياس الوقت، كالساعة الشمسيّة التي ابتكَرَها ابن الشاطر لمئذنة العروس، ممّا يدلُّ أنّ الهدفَ من ساعةِ باب جيرون كان نفسيّاً وجماليّاً، لإبهار الزائر والأهالي على حدٍّ سواء، بتقدّمِ وغنى دمشق. أعطت هذه الساعة لباب جيرون اسم باب الساعات، أمّا عن قبّة الساعات في شرق صحن الجامع فقد استمدّت اسمَها من استعمالِها في الماضي لتخزين قطع هذه الساعات. دُمِّرَت ساعةُ باب جيرون على الأرجح خلال حريق شبَّ عام ١٣٩٢ إذ لا ذكر لها في المصادر اللاحقة لهذا التاريخ، باستثناءِ ما نَقَلَ منها عن السَلَف.
هناك الكثير من الالتباس في المصادر التاريخيّة بين ساعة باب جيرون والباب الذي أعطته اسمَها من جهة، وبين الساعة الأصليّة التي اندثرت قبل تدوين الغالبيّة العظمى من المصادر التي وصلتنا عن تاريخ ووصف الجامع وباب الساعات الأصلي كما ذكر المقدسي في القرن العاشر وأشار لاحقاً ابن عساكر (٥) وابن شدّاد (٦) والنعيمي والعلموي (٧) من جهةٍ ثانية؛ لا شكَّ أنّ كلام هؤلاء متعلّقٌ بجدارِ الجامع القبلي وليس جدارِهِ الشرقي؛ أمّا عن كيفيّةِ عَمَلِ الساعة الأصليّة فهي غناء عصافير وظهور ثعبان ونعيب غراب وسقوط حصوة في إناءٍ صغير بعد انصرامِ ساعة. نستنتج ممّا سبق أنّ باب الساعات الأصلي هو ما يُعْرَفُ حاليّاً باسم باب الزيادة، الذي تشيرُ الأدلّةُ أنّه بُنْيَ بين مطلع القرن الثامن، أي لدى بناء الجامع، وأوائل القرن العاشر للميلاد. مال الدكتور Flood إلى التاريخ الأبكر عندما أمَرَ الوليد بسدِّ البوّابةِ الثلاثيّةِ الباذخة في جدار المعبد الجنوبي كما نرى في الرسم عن Spiers (٨).
ترتّبَ على سدّ البوّابة الجنوبيّة ضرورةُ استحداثِ مدخلٍ يحلّ محلَّها، ومن هنا باب الزيادة الذي "زيدَ" أي أضيف إلى أبواب الجامع الثلاث الباقية قي الشرق والغرب والشمال التي وصفها ابن جبير. أزيحَ بابُ الزيادة فيما بعد قليلاً إلى الشرق، بدلالة خريطة Porter التي تُظْهِرُ بوضوح بقايا الرواق المعمّد الجنوبي على مسافةٍ قصيرةٍ إلى الغرب من باب الزيادة الحالي. سُدَّ باب الأصلي عام ١٣٢٨، بيد أنّ تحديدَ مكانِهِ ليس بالعسير كما في الصورة الملوّنة الملحقة عن Degeorge.
الخلاصة يعودُ باب الساعات الأصلي أو الأوّل المنسوب إلى الساعةِ الأولى على الأغلب إلى عهد الوليد بن عبد الملك، ويقع في الجدار القبلي للجامع ونعرفُهُ اليوم، بعد إزاحتِهِ قليلاً إلى الشرق، تحت اسم باب الزيادة، بينما يطابِقُ باب الساعات الثاتي باب جيرون في جدار الجامع الشرقي، ويعود إلى عهد الأتابك نور الدين. اندثرت الساعتان الأولى والساعة الثانية منذ مئات السنين.
للحديث بقيّة.
____________
١. شَغَلَت القنصليّة الإنجليزيّة آنذاك بيت سعيد القوّتلي.
٢. سوق العبيد = خان الجوار أو خان الحرمين.
٣. زار ابن جبير دمشق عام ١١٨٤ للميلاد.
٤. زار ابن بطوطة دمشق عام ١٣٢٦ للميلاد (انظر صفحة ١٠٨ من "الرحلة").
٥. صفحة ٤٧ من تحقيق صلاح الدين المنجّد.
٦. صفحة ٧٣ من تحقيق سامي الدهّان.
٨. احتلَّ المحرابُ الرئيس لاحقاً الفتحةَ الغربيّةَ لهذهِ البوّابة.
____________
Finbarr Barry Flood. The Great Mosque of Damascus : Studies on the Makings of an Ummayyad Visual Culture. Brill 2001.
Richard Phené Spiers. Archctecture East and West. B. T. Batsford, London 1905.
Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas. Actes Sud, 2010.




No comments:
Post a Comment