اختفت البدنة الغربيّة لقلعة دمشق، بما فيها المدخل، زهاءَ ثمانين عاماً وراء سوق الخجا الدارس. بإمكانِنا مع ذلك أن نلمحَ الحصن في بعض اللقطات التاريخيّة عَبْرَ مدخل السوق الشمالي تحت آرمة فندق أو "لوكندة سنترال" لصيق مدخل سوق السروجيّة من جهة الجنوب، كما في الصورة الملحقة من أرشيف الصديق العزيز الأستاذ أسامة مهدي الحفّار.
لبّ القصيد هنا ليس البدنة الغربيّة، بل بالأحرى باب السرّ الذي تواجدَ فيها. هناك بحثٌ مفصّل في محاولةٍ لتقصّي آثارِهِ في عدد مجلّة الدراسات الشرقيّة الصادر عام ٢٠١٢، وأقتصرُ اليوم على نقلَ ما كَتَبَهُ Sauvaget بخصوصِهِ عام١٩٣٠، مع بعض الإضافات من المجلّة المذكورة والاقتباسات من المصادر التاريخيّة. كافّة المراجع متوافرة على الشبكة بالمجّان.
كَتّبَ أبو البقاء البدري (١) في الصفحة ٢٧ من "نزهة الأنام في محاسن الشام" في سياقِ تعدادِهِ لأبواب دمشق: "من الغرب باب السرّ سمّي كذلك لكونِهِ يفتح إلى القلعة أيضاً وكانت الأتراك ينزلون منه سرّاً ويطلعون منه ويجوز الخارج منه على جسرٍ من خشب من تحتِهِ الخندق الدائر يالقلعة ينيفُ عمقُهُ على مائة ذراع بالعملة به يتخزّن الماء وينبت البوص" (٢). ذَكّر البدري أيضاً "واصطُلِحَ في آخر دولة ابن قلاوون أنّ من يولى نيابة دمشق أن يصلّي عند هذا الباب ركعتين مستقبل القبلة بحيث يبقى الباب على يسارِهِ ويقفُ أجنادُ القلعة وأربابُ الوظائفِ والأتراك في منازِلِهِم على حسب العادة متحمّلين السلاح إلى أن يفرغ من صلاتِهِ ودعائِهِ فإن أريدَ بِهِ شرٌّ قُبِضَ عليهِ ودخلوا بهِ من ذلك الباب ويقفلون الجسر بينَهم وبين أعوانِهِ فإنّ الجسر بلوالب يحيل بينهم، وإن أريدً بِهِ خيرٌ رَكِبَ في عزِّهِ ووجوه الدولة في خدمتِهِ إلى أن ينزل بدار العدل". يترتّب على كلام البدري أنّ باب السرّ تواجدَ على البدنة الغربيّة للقلعة وهناك ما يدعو للاعتقاد أنّهُ يوافق باب القلعة الحالي (٣).
يُفْتَرَض أنّ باب السرّ الغربي (٤) توسّط جدار القلعة المطلّ على المرج أو حكر السمّاق (٥)، بيدَ أنّ معرفتنا به تقتصرُ على الكتابات التاريخيّة حصراً. هذا الباب يعود إلى العهد الأيّوبي إن لم يكن أقدم من ذلك، بيد أنّ آثارَهُ اختفت بعد الترميمات المملوكيّة، وزلزال ١٧٥٩ المدمّر، ومن ثمّ فتح باب في البدنة الغربيّة في أواخر العهد العثماني (٦). جدار القلعة الغربي معرّضٌ أكثر من غيرِهِ لهجمات الأعداء، ومنهم المغول عام ١٢٦٠. رمّم المماليك هذه القطعة من سور القلعة في مطلع عهد المماليك كما ذكر ابن شدّاد في الصفحة ٤٠ من "الأعلاق الخطيرة": "فلمّا ملك مولانا الملك الظاهر قلعة دمشق، جدَّدَها، وشيّدَها، ورمّ ما كان التتر المخذولون هدموه منها، وبنى على برج الزاوية المطلّ على الميدان مُسْتَشْرَفاً عالياً، مُتْقَن البناء، وبنى بها قاعةً إلى جوار البحرة لولدِهِ الملك السعيد ... ولهذه القلعة في زمانِنا أربعةُ أبواب: باب الحديد، وباب من جهة المدينة، وباب يُخْرَجُ منه إلى باب النصر، وإلى دار السعادة، وباب من جهة الغرب يُخْرَجُ منه إلى حكر السمّاق، ومنه يركب السلطان؛ ولها ثلاثة أبواب سرّ في الخنادق".
____________
١. وفيّات ١٤٨٩.
٢. يقصد البدري بالأتراك المماليك.
٣. أصبح الباب الغربي مدخلَ القلعةِ الرئيس في أواخر العهد العثماني، عندما انتقلت السرايا وسرايا العسكر إلى غرب سور المدينة. يمكن لمزيد من التفاصيل الرجوع لمقال الريحاوي عن قصور الحكّام في دمشق (الحوليّات الأثريّة العربيّة السوريّة، المجلّد الثاني والعشرين ١٩٧٢). بقي مدخل القلعة الرئيس في الشرق حتّى القرن الثامن عشر.
٤. هناك على الأقلّ باب سرّ إضافي في سور القلعة الجنوبي (الريحاوي في المرجع السابق الذكر صفحة ٥٨).
٥. درب المرج هو حكر السمّاق أو شارع جمال باشا لاحقاً وشارع النصر حاليّاً.
٦. لا يتميّز الباب الغربي العثماني بالمناعة ولا فائدة تُرْجى منهُ في عمليّة الدفاع عن القلعة. يعود هذا الباب إلى منتصف القرن التاسع عشر وأصبح معروفاً منذ ذلك القرن كمدخل الحصن الرئيس.
____________
..%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9..%D9%84%D9%88%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7%20%D8%B3%D9%86%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84(%D8%A3%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%84)..%201927.jpg)

No comments:
Post a Comment