لا يتعدّى ما بقي من العهدِ السلجوقي في دمشق بعضَ مكوّناتِ قلعتِها الأيّوبيّة. اندَثَرَ بيمارستان دقاق منذ مئات السنين، وهُدِمَت أطلالُ تربة صفوة الملك (١) في ثلاثينات القرن العشرين وحلّت محلَّها أبنيةٌ حديثةٌ لا طعم لها ولا لون غرب شارع بور سعيد.
لربّما كان الأثر الوحيد الذي لا زال كما هو من ذلك العهد (٢) ما أسماه Herzfeld بالمقصورة؛ وهي كنايةٌ عن حاجزٍ من خشبِ الحور، نُحِتَ بعنايةٍ فائقة، أبعادُهُ ٢٬٤٦ x ٢٫٩٠ متر. نُقِلَت هذه المقصورة من جامع باب مصلّى (٣) إلى متحف دمشق الوطني (٤). اسْتُعْمِلَ هذا النمط من "المقاصير" في تصوينِ الأضرحة، أمّا عن تاريخِ صنعِهِ فهو مذكورٌ في الكتابة الكوفيّة على حافّتِهِ العلويّة:
"أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي صفي أمير المؤمنين تقبّل الله منه وذلك في شهور سنة سبع وتسعين وأربعمائة"
يوافق التاريخ أعلاه عام ١١٠٣-١١٠٤ للميلاد. المَعْني محمّد بن الحسن بن علي نظام الملك؛ ومن المعروفِ أنّ هذا الأخير كان وزير ألپ أرسلان وملكشاه وساعدهما الأيمن، والحاكم الفعلي للإمبراطوريّة السلجوقيّة المترامية الأطراف بَعْدَ اغتيالِ مؤسِّسِها (٥). توحي صياغةُ الكتابة أنّها أقربُ إلى الهبة أو الوقف، منها إلى المراثي التي تُنْقَشُ على شواهدِ القبور. لا يوجد ما يدعوا إلى الاعتقاد أنّ "المقصورة" أتت من مدفن الفقيد.
تتناوبُ العناصِرُ الزخرفيّةُ المتكرّرة في هذه القِطْعة بين براعم اللوتس والأزهار، وتشكِّلُ فراغاتٍ عموديّةٍ أشْبَه بالكؤوس، على غرار نماذج القرن الثالث للهجرة. آمل العودةَ إلى وَصْفِها بمزيدٍ من التفصيل، مع سائرِ كتاباتِها، في سياق الحديث عن مقتنيات متحف دمشق الإسلاميّة.
____________
١. أمّ دقاق وقرينة تتش أخو ملكشاه ثمّ الأتابك طغتكين؛ زَعَمَ ابن خلكان (وفيّات الأعيان الجزء الأوّل صفحة ٢٩٦) أنّها سمَّمَت ابنَها.
٢. العقد الأوّل من القرن الثاني عشر الميلادي تحديداً.
٣. مصلّى العيدين قديماً.
٤. تواجد المتحف الوطني آنذاك في المدرسة العادليّة.
٥. إليه تُنْسَبُ المدارس النظاميّة.
____________
Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture II. Ars Islamica X 1943 (p. 13-70).

No comments:
Post a Comment