موقعُ قصر حاكم دمشق قبل الإسلام مجهولُ، وإن اعتقد البعض، ومنهم Sauvaget، أنّه تواجَدَ في العصر الهلنستي حوالي ٣٠٠ متر جنوب شرق الهيكل، على الطرف القبلي من الشارع المستقيم كما نرى في الخارطة المُلْحَقَة.
لربّما كان قصر الخضراء أقرب بكثير إلى حرم المعبد ومسجد الصحابة، أمّا عن تسميتِهِ فهي نسبةً إلى لونِ قبّتِهِ، وعلّها رمزت للقبّة السماويّة. دُعِيَ الحيُّ غرب قصر معاوية بحارة القباب، نظراً لتواجدِ عددٍ من القصور الأمويّة فيه؛ ضَمَّت هذه المنطقة أيضاً داراً للخيل الملكيّة جنوب باب الزيادة، وسجناً، وداراً لسكّ النقد، وديواناً، أو هكذا على الأقلّ ذَكَرَ ابن عساكر (١). بغضّ النظر عن المسافة بين دار العبادة وقصر الإمارة، هناك ما يدعوا للاعتقاد أنّ هذا القصر كان دوماّ جنوب الجدار القبلي للهيكل، من العصر الهلنستي مروراً بالروماني والبيزنطي ووصولاً إلى الإسلامي. لا يقتَصِرُ هذا النموذج على دمشق، بل كان شائعاً في العمائر الأمويّة كما وصفها المؤرّخون.
عُرِفَ عن معاوية بدعةُ بناء مقصورة إلى جانب محراب الصحابة، ودخولُهُ إليها عَبْرَ بابٍ في الجدار القبلي للمسجد دعاه المقدسي باب الخضراء، وكان بمثابةِ بابٍ خاصّ للخليفةِ وحده، يدخل منه من قصره إلى المسجد الواقع في القسم الشرقي للمعبد القديم مروراً برواق وَصَلَ بينهما من الجنوب إلى الشمال. يتّضِحُ من المخطّطِ الثاني وجودُ مدخلَيْن في الجدار القبلي للهيكل، الأوّل شرقي وخاصّ هو باب الخضراء، والثاني غربي وهو باب الزيادة أو باب الساعات الأوّل، وهذا الأخير عامّ وإت استعملَهُ الخليفةُ في المناسباتِ، عندما وَفَدَ الحرمَ مع مواكبيهِ بصورةٍ رسميّةِ مهيبة، مُقْتفياً طريقاً بدأ من قصر الخضراء متّجهاً إلى الغرب حتّى النصب الرباعي الوجوه tetrapylon، ثمّ مُنعَطِفاً إلى الشمال ٩٠ درجة قبل الدخول من باب الزيادة - الساعات. يعود الفضل في وصف بقايا هذا الطريق - الرواق المعمّد إلى المبشّر الإيرلندي Porter، ويمكن هنا التساؤل عمّا إذا أعاد الوليد بناء الخضراء أو أجرى تعديلاتٍ عليه، بيدَ أنّنا لا نملك جواباً شافياً في هذا الصدد.
المقارنةُ بين علاقة قصر الخضراء مع الجامع من جهة، والقصر الإمبراطوري في القسطنطينيّة مع كاتدرائيّة آيا صوفيا من جهةٍ ثانية مثيرةٌ للاهنمام؛ كلا القصرين تواجد جنوب المعبد، وكلاهما اتّصلَ مع ممرٍّ شرقي خاصّ بالحاكم اتّجهَ شمالاً ليصل بين القصر والمعبد، وآخر غربي عامّ اتّجهَ من القصر إلى الغرب ثمّ انعطف شمالاً ليدخل المعبد عن طريق باب الزيادة - الساعات في النموذج الإسلامي، وما يسمّى Horologion نسبةً للساعةِ في النموذج البيزنطي. من المعقول، والحالُ كذلك، أن نستنتج أنّ الأمويّين اقتبسوا عن الروم، ليس عناصراً معيّنةً من الزخارف والبناء فحسب، وأنّما أيضاً التخطيط العامّ لمركز المدينة، وتوجّه أهمّ أوابدها الزمنيّة والدينيّة، وعلاقة هذه الأوابد بعضها بالبعض الآخر، اللهمّ إلّا إذا اعتقدنا بوجودِ ضَرْبٍ من تواردِ الخواطر. يمكن تفسير هذا النسخ بإعجاب الأموييّن بالحضارة البيزنطيّة واحترامهم لإنجازاتِها رغم العداوةِ بين الطرفين، أو بمحاولتِهِم التفّوق على بيزنطة ثقافيّاً وجماليّاً وفنيّاً كما هزموها عسكريّاً في أكثر من مناسبة (٢)، أو بطموحِهِم إلى فتح القسطنطينيّة التي جذبتهم كالمغناطيس كما جذبت الأوروپييّن (٣) بَعْدَهم.
يتبع.
____________
١. على سبيل المثال صفحة ٢٥ و ١٣٨ من تحقيق صلاح الدين المنجّد.
الجامع الأموي مع صحنه أكبر بكثير من كاتدرائيّة آيا صوفيا.
٢. الجامع الأموي مع صحنه أكبر بكثير من كاتدرائيّة آيا صوفيا.
٣. أخذَ الصليبيّون القسطنطينيّة في مَطْلِع القرن الثالث عشر، وفَتَحَها العثمانيّون في منتصف القرن الخامس عشر، واستَهدَفَها الروس دون نجاح اعتباراً من القرن الثامن عشر.
____________
Finbarr Barry Flood. The Great Mosque of Damascus : Studies on the Makings of an Ummayyad Visual Culture. Brill 2001.
Jean Sauvaget. Le plan antique de Damas. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1949 (26-3-4) pp. 314-358.
















