Thursday, May 31, 2018

معاوية والخضراء


موقعُ قصر حاكم دمشق قبل الإسلام مجهولُ، وإن اعتقد البعض، ومنهم Sauvaget، أنّه تواجَدَ في العصر الهلنستي حوالي ٣٠٠ متر جنوب شرق الهيكل، على الطرف القبلي من الشارع المستقيم كما نرى في الخارطة المُلْحَقَة. 

لربّما كان قصر الخضراء أقرب بكثير إلى حرم المعبد ومسجد الصحابة، أمّا عن تسميتِهِ فهي نسبةً إلى لونِ قبّتِهِ، وعلّها رمزت للقبّة السماويّة. دُعِيَ الحيُّ غرب قصر معاوية بحارة القباب، نظراً لتواجدِ عددٍ من القصور الأمويّة فيه؛ ضَمَّت هذه المنطقة أيضاً داراً للخيل الملكيّة جنوب باب الزيادة، وسجناً، وداراً لسكّ النقد، وديواناً، أو هكذا على الأقلّ ذَكَرَ ابن عساكر (١). بغضّ النظر عن المسافة بين دار العبادة وقصر الإمارة، هناك ما يدعوا للاعتقاد أنّ هذا القصر كان دوماّ جنوب الجدار القبلي للهيكل، من العصر الهلنستي مروراً بالروماني والبيزنطي ووصولاً إلى الإسلامي. لا يقتَصِرُ هذا النموذج على دمشق، بل كان شائعاً في العمائر الأمويّة كما وصفها المؤرّخون. 


عُرِفَ عن معاوية بدعةُ بناء مقصورة إلى جانب محراب الصحابة، ودخولُهُ إليها عَبْرَ بابٍ في الجدار القبلي للمسجد دعاه المقدسي باب الخضراء، وكان بمثابةِ بابٍ خاصّ للخليفةِ وحده، يدخل منه من قصره إلى المسجد الواقع في القسم الشرقي للمعبد القديم مروراً برواق وَصَلَ بينهما من الجنوب إلى الشمال. يتّضِحُ من المخطّطِ الثاني وجودُ مدخلَيْن في الجدار القبلي للهيكل، الأوّل شرقي وخاصّ هو باب الخضراء، والثاني غربي وهو باب الزيادة أو باب الساعات الأوّل، وهذا الأخير عامّ وإت استعملَهُ الخليفةُ في المناسباتِ، عندما وَفَدَ الحرمَ مع مواكبيهِ بصورةٍ رسميّةِ مهيبة، مُقْتفياً طريقاً بدأ من قصر الخضراء متّجهاً إلى الغرب حتّى النصب الرباعي الوجوه tetrapylon، ثمّ مُنعَطِفاً إلى الشمال ٩٠ درجة قبل الدخول من باب الزيادة - الساعات. يعود الفضل في وصف بقايا هذا الطريق - الرواق المعمّد إلى المبشّر الإيرلندي Porter، ويمكن هنا التساؤل عمّا إذا أعاد الوليد بناء الخضراء أو أجرى تعديلاتٍ عليه، بيدَ أنّنا لا نملك جواباً شافياً في هذا الصدد. 


المقارنةُ بين علاقة قصر الخضراء مع الجامع من جهة، والقصر الإمبراطوري في القسطنطينيّة مع كاتدرائيّة آيا صوفيا من جهةٍ ثانية مثيرةٌ للاهنمام؛ كلا القصرين تواجد جنوب المعبد، وكلاهما اتّصلَ مع ممرٍّ شرقي خاصّ بالحاكم اتّجهَ شمالاً ليصل بين القصر والمعبد، وآخر غربي عامّ اتّجهَ من القصر إلى الغرب ثمّ انعطف شمالاً ليدخل المعبد عن طريق باب الزيادة - الساعات في النموذج الإسلامي، وما يسمّى Horologion نسبةً للساعةِ في النموذج البيزنطي. من المعقول، والحالُ كذلك، أن نستنتج أنّ الأمويّين اقتبسوا عن الروم، ليس عناصراً معيّنةً من الزخارف والبناء فحسب، وأنّما أيضاً التخطيط العامّ لمركز المدينة، وتوجّه أهمّ أوابدها الزمنيّة والدينيّة، وعلاقة هذه الأوابد بعضها بالبعض الآخر، اللهمّ إلّا إذا اعتقدنا بوجودِ ضَرْبٍ من تواردِ الخواطر. يمكن تفسير هذا النسخ بإعجاب الأموييّن بالحضارة البيزنطيّة واحترامهم لإنجازاتِها رغم العداوةِ بين الطرفين، أو بمحاولتِهِم التفّوق على بيزنطة ثقافيّاً وجماليّاً وفنيّاً كما هزموها عسكريّاً في أكثر من مناسبة (٢ أو بطموحِهِم إلى فتح القسطنطينيّة التي جذبتهم كالمغناطيس كما جذبت الأوروپييّن (٣) بَعْدَهم

يتبع. 

____________

١. على سبيل المثال صفحة ٢٥ و ١٣٨ من تحقيق صلاح الدين المنجّد. 
الجامع الأموي مع صحنه أكبر بكثير من كاتدرائيّة آيا صوفيا. 
٢.  الجامع الأموي مع صحنه أكبر بكثير من كاتدرائيّة آيا صوفيا. 
٣. أخذَ الصليبيّون القسطنطينيّة في مَطْلِع القرن الثالث عشر، وفَتَحَها العثمانيّون في منتصف القرن الخامس عشر، واستَهدَفَها الروس دون نجاح اعتباراً من القرن الثامن عشر. 
____________

Jean SauvagetLe plan antique de Damas. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1949 (26-3-4)  pp. 314-358. 

Wednesday, May 30, 2018

من هيكل آرام دمشق إلى جامع بني أميّة


تعرَّضَ الدكتور Flood كما رأينا إلى فسيفساء وكرمة وساعات الجامع الأموي. قَبْلَ متابعةِ استنتاجات المؤلِّف عن محيط الجامع، وعلاقَتِهِ بقصر معاوية، ومقارنتِهِ مع كاتدرائيّة آيا صوفيا في القسطنطينيّة، يحسنُ أن نستَعْرِضَ تاريخَ الجامع باختصار. 

لم يبق من العهد الآرامي الشيء الكثير، ويمكن تعميمُ ذلك على العهدين الفارسي والهلنستي. لدينا بالمقابل معلوماتٌ لا بأس بها عن هيكل المشتري الروماني الذي يمكن للتبسيط أن نقسمه إلى فضاءٍ مسوّرٍ خارجي مساحته حوالي ١١٧٠٠٠ متر مربّع، ومعبد داخلي غطّى قرابةَ ١٦٠٠٠ متر مربّع، أي مساحة الجامع الأموي حاليّاً على وجهِ التقريب. ارتَفَعَ المعبد الداخلي حوالي خمسة أمتار عن محيطِهِ، وتواجَدَ مَدْخَلُهُ الرئيس في الشرق: باب جيرون والرواق المعمّد المؤدّي إليه.  

تحوّل المعبد الداخلي إلى كنيسةٍ ملكيّةٍ نحو نهاية القرن الرابع للميلاد تحت الإمبراطور ثيودوسيوس، وانتهى الأمرُ بالفضاء بين سورَيّ المعبد إلى فقدانِ وظيفتِهِ الدينيّة وتغلُّب الطابع التجاري إذ غَزَتْهُ الأسواقُ والمباني. بإمكاننا مع ذلك إلى اليوم رؤية بقايا البوّابة الخارجيّة وأعمدتها الشامخة غرب باب البريد. لربّما كان مدخلُ الكنيسةِ الرئيس في الجنوب. 

نأتي الآن إلى قصّةِ اقتسام الكنيسة بين المسلمين والمسيحييّن بعد الفتح الإسلامي. ارتأى Creswell أنّ ما تمّ اقتسامه فعلاً لم يكن الكنيسة التي شَغَلَت حيّزاً في القسم الغربي للمعبد الداخلي فحسب وليس كامل المعبد، وأنّ ما حصل أنّ المسلمين بنوا مسجد الصحابة في القسم الشرقي للهيكل الروماني دون المساس بالكنيسة، إلى أن قام الوليد بن عبد الملك بِهَدمْهِا في مطلع القرن الثامن الميلادي ليبني الجامع الأموي كما نعرفه حاليّاً. حافظ الجامعُ على هيئتِهِ بشَكْلٍ أو بآخر رغم الكوارث العديدة التي انتابته عبر القرون.

اعتقد بعض الرحّالة الأوروبييّن أنّ الوليد لم يبن شيئاً سيتحقّ الذكر، وأنّ مأثِرَتَهُ اقتصرت على تحويل الكنيسة كما هي إلى جامع، ذهب Barsky مثلاً إلى حدِّ رسم الجامع مع صلبانٍ توّجت قبّة النسر والمآذن. ليس هذا بالمستغرب في زمن كان دخول الجامع فيه محرّماً على غير المسلمين، وظلّ هذا الوضع سائداً حتّى حرب القرم في مطلع النصف الثاني للقرن التاسع عشر. 

الرسم التخيّلي ومسقط الكنيسة وخريطة الجامع عن Creswell. اقتَبَسَ Flood المقطع الشمالي الجنوبي لحرم الصلاة عن Spears. 

يتبع. 



Richard Phené SpiersArchctecture East and West. B. T. Batsford, London 1905. 
René DussaudLe temple de Jupiter Damascénien et ses transformations aux époques chrétienne et musulmane. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1922  (3-3)  pp. 219-250. 
K.A.C Creswell. A Short Account of Early Muslim Architecture 1958 (p. 43-81). 
Ross Burns. Damascus, a History. Routledge 2005.

Tuesday, May 29, 2018

ساعات جامع دمشق الأموي‎


المخطّط الملحق للجامع الأموي ومحيطِهِ عام ١٨٥٥ مُقْتَبَسٌ عن المبشّر الإيرلندي Porter، وهو بالإجماع أدقّ الخرائط لهذِهِ المنطقة حتّى ذلك الحين. نرى شمال الجامع من الشرق إلى الغرب المدرسة أو الخانقاه السميساطيّة، القنصليّة الإنجليزيّة (١ تربة صلاح الدين، وأخيراً المدرسة الظاهريّة. سوق الكتب في الغرب هو المسكيّة طبعاً، وإلى الجنوب منه سوق العبيد (٢). ما يهمّنا في سياقِ حديثِ اليوم بالدرجة الأولى هو جدار الجامع القبلي وباب الزيادة قرب نهايته الغربيّة، حيث شاهد Porter بقايا رواق معمّد يتّجه من باب الزيادة متعامداً عليه إلى الجنوب، لينعطف إلى الشرق لدى نصب رباعي الوجوه Tetrapylon، ويتابع مسيرَهُ موازياً لسور الجامع الجنوبي. كان هذا الرواق لا يزال موجوداً عام ١٨٧٦ استناداً إلى دليل Baedeker واندثر قبل نهاية القرن التاسع عشر. 


لنا عودةٌ إلى باب الزيادة، وبانتظار ذلك، لنحاول البحث في أمر ساعة باب جيرون الشهيرة التي بناها محمّد بن علي بن رستم الخراساني الساعاتي في عهد نور الدين، على الأغلب بين ١١٥٤ و ١١٦٧ للميلاد. وصف ابن جبير الأندلسي هذه الساعة وصفاً دقيقاً، ودون الدخول في التفاصيل يكفي القول أنّ المرئي منها تشكّلَ من غرفةٍ ذات اثني عشر باباً، يُقاسُ الوقتُ فيها نهاراً بواسطةِ أوزانٍ تسقطُ من منقارِ طيرٍ في وعاءٍ في الأسفل لدى انصرامِ ساعةٍ من الزمن مُحْدِثَةً صوتاً، أمّا ليلاً فالقياسُ عن طريقِ أضواءٍ يُسْتَعاضُ بها عن الأصوات في قرصٍ كبيرٍ فوقَ الأبواب كما نري في الرسم. نستدلّ من وصف ابن جبير (٣) أنّ هذه الساعةِ آليّةٌ، بيد أنّ ابن بطوطة (٤) وصفها باليدويّة، ومن المُحْتَمَل بالتالي أنّ خللاً ما أصابَها بين أواخرِ القرن الثاني عشر ومطلع الرابع عشر. ساعةٌ معقّدةٌ كهذهِ مكلفةٌ للغاية في عصرٍ توافرت بدائلٌ أرخص لقياس الوقت، كالساعة الشمسيّة التي ابتكَرَها ابن الشاطر لمئذنة العروس، ممّا يدلُّ أنّ الهدفَ من ساعةِ باب جيرون كان نفسيّاً وجماليّاً، لإبهار الزائر والأهالي على حدٍّ سواء، بتقدّمِ وغنى دمشق. أعطت هذه الساعة لباب جيرون اسم باب الساعات، أمّا عن قبّة الساعات في شرق صحن الجامع فقد استمدّت اسمَها من استعمالِها في الماضي لتخزين قطع هذه الساعات. دُمِّرَت ساعةُ باب جيرون على الأرجح خلال حريق شبَّ عام ١٣٩٢ إذ لا ذكر لها في المصادر اللاحقة لهذا التاريخ، باستثناءِ ما نَقَلَ منها عن السَلَف.  


هناك الكثير من الالتباس في المصادر التاريخيّة بين ساعة باب جيرون والباب الذي أعطته اسمَها من جهة، وبين الساعة الأصليّة التي اندثرت قبل تدوين الغالبيّة العظمى من المصادر التي وصلتنا عن تاريخ ووصف الجامع وباب الساعات الأصلي كما ذكر المقدسي في القرن العاشر وأشار لاحقاً ابن عساكر (٥) وابن شدّاد (٦) والنعيمي والعلموي (٧) من جهةٍ ثانية؛ لا شكَّ أنّ كلام هؤلاء متعلّقٌ بجدارِ الجامع القبلي وليس جدارِهِ الشرقي؛ أمّا عن كيفيّةِ عَمَلِ الساعة الأصليّة فهي غناء عصافير وظهور ثعبان ونعيب غراب وسقوط حصوة في إناءٍ صغير بعد انصرامِ ساعة. نستنتج ممّا سبق أنّ باب الساعات الأصلي هو ما يُعْرَفُ حاليّاً باسم باب الزيادة، الذي تشيرُ الأدلّةُ أنّه بُنْيَ بين مطلع القرن الثامن، أي لدى بناء الجامع، وأوائل القرن العاشر للميلاد. مال الدكتور Flood  إلى التاريخ الأبكر عندما أمَرَ الوليد بسدِّ البوّابةِ الثلاثيّةِ الباذخة في جدار المعبد الجنوبي كما نرى في الرسم عن Spiers (٨). 


ترتّبَ على سدّ البوّابة الجنوبيّة ضرورةُ استحداثِ مدخلٍ يحلّ محلَّها، ومن هنا باب الزيادة الذي "زيدَ" أي أضيف إلى أبواب الجامع الثلاث الباقية قي الشرق والغرب والشمال التي وصفها ابن جبير. أزيحَ بابُ الزيادة فيما بعد قليلاً إلى الشرق، بدلالة خريطة Porter التي تُظْهِرُ بوضوح بقايا الرواق المعمّد الجنوبي على مسافةٍ قصيرةٍ إلى الغرب من باب الزيادة الحالي. سُدَّ باب الأصلي عام ١٣٢٨، بيد أنّ تحديدَ مكانِهِ ليس بالعسير كما في الصورة الملوّنة الملحقة عن Degeorge. 

الخلاصة يعودُ باب الساعات الأصلي أو الأوّل المنسوب إلى الساعةِ الأولى على الأغلب إلى عهد الوليد بن عبد الملك، ويقع في الجدار القبلي للجامع ونعرفُهُ اليوم، بعد إزاحتِهِ قليلاً إلى الشرق، تحت اسم باب الزيادة، بينما يطابِقُ باب الساعات الثاتي باب جيرون في جدار الجامع الشرقي، ويعود إلى عهد الأتابك نور الدين.  اندثرت الساعتان الأولى والساعة الثانية منذ مئات السنين. 

للحديث بقيّة.  

____________

١. شَغَلَت القنصليّة الإنجليزيّة آنذاك بيت سعيد القوّتلي.
٢. سوق العبيد = خان الجوار أو خان الحرمين.
٣. زار ابن جبير دمشق عام ١١٨٤ للميلاد. 
٤. زار ابن بطوطة دمشق عام ١٣٢٦ للميلاد (انظر صفحة ١٠٨ من "الرحلة"). 
٥. صفحة ٤٧ من تحقيق صلاح الدين المنجّد. 
٦. صفحة ٧٣ من تحقيق سامي الدهّان. 
٧. تَرْجَمَهُ Sauvaire إلى الفرنسيّة (صفحة ٢٠٦). 
٨. احتلَّ المحرابُ الرئيس لاحقاً الفتحةَ الغربيّةَ لهذهِ البوّابة. 

____________


Richard Phené Spiers. Archctecture East and West. B. T. Batsford, London 1905. 
Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Monday, May 28, 2018

كرمة الجامع الأموي



ركّز رواةُ القرونِ الوسطى على عنصرينِ من عناصرِ زخرفة الجامع الأموي: الأوّل هو الفسيفساء والثاني الكرمة (١). هناك عدد لا بأس به من الدراسات التي تصفُ تفاصيلَ الفسيفساء وتفسّرُ معانيها، بيد أنّ نصيبَ الكرمةِ من الاهتمام أقلّ بكثير والسبب بسيط: لا زلنا نملك كمّاً كبيراً من الفسيفساء رغم نوائب الدهر وجهل الإنسان، أمّا الكرمة فقد اندثرت في أعقاب حريق عام ١٨٩٣ إلى غير رجعة؛ مع ذلك الأدلّة الكتابيّة والصوريّة على وجودِها قاطعةٌ لا تقبل الدحض، وتعطي فكرةً معقولةً عن شكلِها وأبعادِها ومكانِ تواجدِها، مكّنت الدكتور Flood أن يعطيها مشكوراً بعضَ حقِّها. 

استعمال الكرمة والفسيفساء كعناصرٍ زخرفيّة سابقٌ للإسلام والمسيحيّة، وكلاهما يحملُ معانٍ دينيّةً (٢) وزمنيّة (٣) وجماليّة. استُخْدِمّت الكرمة في زخرفةِ كنيسةِ آيا صوفيا في القسطنطينيّة، وبعض المعابد الوثنيّة (٤) التي ارتبطَ فيها اسم الإله اليوناني Dionysus (٥) بالخمرِ والكروم. هناك فرق بين موضع الكرمة في المعابد الوثنيّة حيث تؤطّر الأبواب وتعلوا سواكِفَها، ومكانها في الجامع الأموي داخل حرم الصلاة. 

لربّما كانت لوحة الفنّان Frederic Leighton ١٨٧٣ - ١٨٧٥ أفضل وصف بصري للكرمة المذهّبة كما بدت في جدار قاعة الصلاة القبلي بشكل شريط بين الوزرة (٦) والفسيفساء في الأعلى. لا يوجد طريقة مضمونة اليوم لتحديد عرض الشريط بدقّة إذ قدّره Creswell بحوالي ٦٠ عشير المتر بينما ارتأى Flood أنّ ٤٥ من عشيرات المتر أقرب إلى الصواب. في كلّ الأحوال يمكن الاستدلال من الصور الفوتوغرافيّة الملتقطة قبل حريق ١٨٩٣ (٧) أنّ هذا الشريط دارَ على جدران حرم الصلاة الأربعة على ارتفاع تراوحَ بين ٣ - ٤ أمتار عن أرضيّة الجامع، وأنّ تقنيّته تلخّصت في تطبيقِ عجينةٍ داكنة اللون للخلفيّة، مع تذهيب النحت البارز، وأنّه تمَّمَ نقوشاً كتابيّة زيّنت الجدار القبلي لحرم الصلاة. 

أجْهَزَ حريقُ ١٣١١ للهجرة (٨) على الكثير، بما في ذلك الكرمة؛ مع ذلك هناك صورٌ ضوئيّةٌ لأجزاءٍ كبيرةٍ منها بعد الحريق عندما جُمِعَت بقايا إفريز الكرمة (٩) المذهّب التي وفّرتها ألسنة اللهب، وسهرَ المسؤولون على تخزينِها بهدف إعادة استعمالها في الترميم، وإن لم يقدّر لها بالنتيجة أن تعود إلى مكانها الأصلي. لم يكن الشريط  الزخرفي "كرمةً" ١٠٠٪، وبالأحرى تناوب معها فيهِ العنبُ والرمّان فيه كما نرى في الصورة والرسم أدناه.



 للحديث بقيّة.

____________

١. أقدم ذكر للكرمة في اين عساكر (صفحة ٣٥ من تحقيق صلاح الدين المنجّد).
٢. الجنّة التي وَعَدَ اللهُ بها المؤمنين، وهناك أيضاً ربطٌ بين الكرمة التي تظلّل العرش الإلهي وتمثيلَها في هيكل سليمان حسب الرواة، الذي نقل عنه المسلمون رمزيّاً في كرمة قبّة الصخرة.
٣. كما في استعمالها من قِبَل ملوك إيران الأخمينيّين. 
٤. كما في عددٍ من الآثار النبطيّة جنوب سوريّا.
٥. الروماني Bacchus. 
٦.  الوزرة = dado أي الجزء السفلي المزخرف من الجدار. 
٧. الصورة لصيق لوحة Leighton منشورة في كتاب Oppeheim عام ١٨٩٩، وتعكس الوضع قبل الحريق. هناك أيضاً صورة مُلْتَقَطة لحرم الصلاة من الغرب إلى الشرق قبل الحريق نرى في خلفيّها شريطَ الكرمةِ بوضوح وإن تعذّرَ تمييز التفاصيل.


٨. الموافق 
١٨٩٣ للميلاد. 
٩. الصورة التالية للكرمة على قطع زخارف رخاميّة من الجامع:
 


____________


Sunday, May 27, 2018

ترجمة فسيفساء الجامع الأموي


من المؤكّد أنّ فسيفساء جامع دمشق الأموي الحاليّة تقلّ عن نظيرتها في عهد الوليد بن عبد الملك كمّاً ولربّما أيضاً نوعاً. ليس هذا بمستغربٍ في جامعٍ يتجاوز عمره ١٣٠٠ سنة، مرّ عليهِ خلالها أكثر من الكفاية من الكوارث، منها الطبيعيّة ومنها نتيجة إهمال البشر وتخريبهم. قصّةُ الفسيفساء التي غُطّيَت بالكلس قبل أن يكشفها de Lorey في عهد الانتداب الفرنسي معروفةٌ، وكذلك الدمار في أعقابِ حريقِ ١٨٩٣.

يرى الكثيرون أنّ فسيفساء الأموي بقصوِرها وأنهارِها وأشجارِها ترمز إلى جنّتين، إحداهما سماويّة وَعَدَ اللهُ بها المؤمنين، والثانية أرضيّة تمثِّلُ دمشق وغوطتها ومبانيها ونهرها. ليس الهدفُ من دراسة الدكتور Flood تغطية فسيفساء الجامع بالتفصيل، وإنّما بالأحرى التركّيز على عنصر محدّد فيها: "اللآلىء المعلّقة" التي نراها بوضوح في الصورة أعلاه عن Degeorge. استعمالُ اللؤلؤة المعلّقة في الزخارف والفسيفساء سابقٌ للإسلام، بدلالةِ نماذجٍ في الشرق المسيحي لدى الأقباط والبيزنطييّن، ويرمز إلى صفاء وإشعاع المسيح ناهيك عن الاعتبارات الجماليّة. تمثِّلُ الدرّةُ أيضاً المصباح، والنجوم في القبّة السماويّة، ومنازل المؤمنين في الجنّة، كما فصّل عبد الملك ابن حبيب الأندلسي (١) في كتاب وصف الفردوس :

"وحدّثني بعضُهم أنّ في كلِّ خيمةٍ من خيامِ الجنّةِ التي هي من لؤلؤةٍ مجوّفة طولُها أربع فراسخ في أربع فراسخ، وفي الارتفاع مثل ذلك سرد عليها من الدرِّ، والياقوتِ، وعلى كلِّ سريرٍ فرشٌ منضودةٌ ملوّنةٌ بعضها فوق بعض، وأمام كلِّ سريرٍ طنفسةٌ قد طبقت الخيمة منسوجة بالدرّ والياقوت والزبرجد في قضبان الذهب، والفضّة، وعلى كلِّ سريرٍ زوجةٌ من الحورِ العين يطفىء نورُها نورَ الشمسِ مع كلِّ زوجةٍ سبعون جارية وسبعون غلاماً كما قالَ الله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ".

روى إبن عساكر أنّ الوليد طالب مساعدة "طاغية" الروم (٢) في بناء الجامع الأموي في دمشق تحت طائلة غزو أراضي الروم وتدمير الكنائس المسيحيّة تحت حكم الأموييّن، بما فيها كنيسة بيت المقدس، إذا امتنع الإمبراطور عن التلبية. لا ريب أنّ نصَّ هذه الرسالة المزعومة خَضَعَ إلى الكثير من "التبهير" بين موت الوليد في مطلع القرن الثامن وإبن عساكر في القرن الثاني عشر، ولكن من الملفت للنظر أنّه يعزو للوليد طلبَ مساعدة الروم في بناء جامع دمشق وإعادة بناء جامع المدينة (٣)، وليس هناك ذكر مماثل لمساهمةٍ بيزنطيّة،  طوعيّةً كانت أم قسريّة، في الجامع الأقصى وقبّة الصخرة، وكلاهما خالٍ من الدرر المعلّقة؛ بناءً على ذلك من المحتمل أنّ هذه اللآلىء نموذجٌ ترجَمَهُ الأمويّون عن مصادرٍ سابقة عن طريقِ القسطنطينيّة.

اللوحة المائيّة لحَرَم الجامع عن Phené Spiers

للحديث بقيّة. 

____________

١. وفيّات ٨٥٣ للميلاد. 
٢. صفحة ٢٦ من تحقيق صلاح الدين المنجّد
٣. هناك أيضاً رواياتٌ مفادُها أنّ أمويّي الأندلس التمسوا مساعدة بيزنطة في بناء جامع قرطبة.

Finbarr Barry Flood. The Great Mosque of Damascus : Studies on the Makings of an Ummayyad Visual Culture. Brill 2001. 
Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Saturday, May 26, 2018

جامع بني أميّة الكبير



يختزل الجامع الأموي في العهد الإسلامي، ومن قبله الكنيسة البيزنطيّة وهيكل المشتري ومعبد حدد، تاريخَ دمشق الذي يتجاوز ثلاثة آلاف عام. ليس هذا الجامع أهمّ معالم دمشق الدينيّة منها والدنيويّة قاطبةً فحسب، ولكنّه أيضاً أحد أقدم وأكبر وأبهى الجوامع التاريخيّة في العالم، ونموذجٌ احتذى به الكثيرون من بناة دور العبادة الإسلاميّة اللاحقة؛ أضف إلى هذا وذاك أنّ تاثيرَه المعماري والفنّي عبر تاريخِهِ الطويل لا يقتصر على الإسلام.  

المؤلّف الدكتور Finbarr Barry Flood من جامعة Edinburgh، وعنوان الكتاب الصادر عام ٢٠٠٠  "دراسات في صناعة ثقافة أمويّة بصريّة". البحث أكاديمي وليس عجالةً لمن يبحث عن المختصر المفيد. لا يغطّي الكتاب (١) الجامع ككلّ، ولا يهدف لذلك أصلاً (٢).

تناوَلَ Flood البحثَ من منظورٍ مختلف، مركّزاً على عناصرٍ معيّنة في زخرفة الفسيفساء والكرمة على جدار الحرم (٣)، والساعة على الجدار الجنوبي (٤)، والنقوش الكتابيّة المندثرة في حرم الصلاة، وعلاقة الجامع مع النسيج العمراني الحاضن؛ قارن المؤلّف كلّ هذا مع المواصفات التي وصلتنا عن كنيسة دمشق البيزنطيّة وآيا صوفيا في القسطنطينيّة وما سبقها، وارتأى أنّ الجامع بُنِيَ في إطار برنامج عمراني غير مسبوق واسع المدى وهائل الحجم نفّذه الوليد بن عبد الملك ليس في دمشق فحسب، وإنّما أيضاً في المدينة المنوّرة ومكّة وجامع ودار إمارة الفسطاط في مصر وجامع صنعاء الكبير. لم يستثن هذا البرامج من الإمبراطوريّة الأمويّة عمليّاً إلّا العراق لأسبابٍ سياسيّةٍ واضحة. 

لهذا البرنامج أبعادٌ دينيّة وأُخرى سياسيّة. تطلّبَ التسارعُ في زيادةِ عددِ المسلمين دورَ عبادةٍ لتلبية حاجاتِهم الروحيّة، بيدَ أنَ هذه الحاجات لا تستدعي بالضرورة هذا المستوى من البذخ وهنا يبرز البعد السياسي: أراد الوليد توجيهَ رسالةٍ واضحة، ليس فقط إلى الأمّة الإسلاميّة (٥)، وإنّما أيضاً إلى العالم الخارجي عموماً وبيزنطة خصوصاً؛ مفادُ هذه الرسالةِ أنّ الإسلامَ مستقرٌّ وراسخٌ، وأنّ الوليد وأسرتَهُ المالكة باقون، وأنّه وأنّهم على أقلِّ تقدير أندادٌ للقسطنطينيّة التي حاول الأمويّون عبثاً أخذها بالقوّة عدّة مرّات. 

ادّعى بعضُ المستشرقين أنّ مأثرةَ الوليد اقتصرت على نسخِِ البيزنطييّن في عمائرهم التي استحوذ ومن سبقه من الفاتحين العرب عليها بحدّ السيف؛ الموضوع في نظر Flood أعقد من ذلك بكثير: قامَ الوليد ومهندسوه "بترجمة" مختاراتٍ من التراث الفنّي السابق كي يصبح موائماً لحاجات الدولة الفتيّة، مع المحافظة على درجةٍ كافية من الاستمراريّة لضمان ولاء بلاد الشام، عمود الإمبراطوريّة الفقري ومركز ثقلها، التي كانت أغلبيّتُها الساحقة آنذاك مسيحيّةً.

للحديث بقيّة. 

____________

١. عدد الصفحات ٣٣٠ مع ٩٠ صورة ملحقة. 
٢. دراسة طلال العقيلي هي الأفضل من النواحي المعماريّة وهناك كتاب Degeorge لمن تستهوه الصور الكبيرة الملوّنة الرائعة العالية الدقّة مع سرد ممتعٍ للغاية لتاريخ الجامع . أخيراً بإمكان من لا يملك الوقت أو الرغبة لقراءة سِفْرٍ كاملٍ الرجوع إلى الحيّز الذي خصّصه  Burns للجامع في كتابِهِ القيّم عن تاريخ دمشق. 
٣. اندثرت الكرمة بعد حريق ١٨٩٣ كما سنرى. 
٤. غير ساعة باب جيرون كما سيأتي ذكرُهُ. 
٥. مفهوم الأمّة في القرون الوسطى مختلفٌ جذريّاً عمّا آل إليه اعتباراًَ من القرن التاسع عشر تحت تأثير الغرب. 


Friday, May 25, 2018

السوريّون الأمريكيّون قبل مائة عام



عنى الدكتور فيليپ حتّي بالسورييّن سكّان سوريا بحدودِها الحاليّة مع اسكندرون ولبنان وفلسطين، أي بلاد الشام قبل الحرب العالميّة الأولى التي امتدّت من جبال طوروس والفرات شمالاً إلى سيناء جنوباً ومن بادية الشام شرقاً إلى البحر المتوسّط غرباً. لا غرابة في ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الكتاب من منشورات عام ١٩٢٤، قبل اتّضاح ديمومة الكيانات الجغرافيّة - السياسيّة التي خلقتها بريطانيا العظمى وفرنسا في الشرق الأدنى. استهدفت دراسة حتّي المهاجرين السورييّن إلى أمريكا وليس الوطن الأمّ، انطلاقاً من تعريفٍ مختصر بالبلاد الأصليّة وقاطنيها، ثمّ دوافع الهجرة، وأخيراً وضع السورييّن في وطنهم الجديد من النواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والتعليميّة والدينيّة والثقافيّة. خَتَمَ المؤلّفُ ببعضِ المقترحات لتسهيل "هضم" المهاجرين في البلاد التي تبنّتهم.   

لم يكن مفهوم المواطنة والقوميّة متطوّراً في بلاد الشام وقتها. السوريّون عشائريّون في الوطن والمهجر، يتبعون نظام الملّة، أي الدين أو الطائفة، المتوارَث من العهد العثماني وما سَبَقَهُ، كما في حال بطرك الموارنة الذي مثّل مشاعرَ مسيحييّ لبنان "السياسيّة" وطموحاتِهِم "القوميّة" في مؤتمر السلام في پاريس عام ١٩١٩. يميّزُ السورييّن أمران: الأوّل لغتهم العربيّة التي جَمَعَتهُم، والثاني دياناتهم التي فرّقتهم إلى طوائفٍ وإن وحّدَت أفرادَ الطائفةِ تحت قيادةِ زعاماتِها الدينيّة.

الغالبيّةُ العظمى من المهاجرين إلى أمريكا مسيحيّةموارنة (٩٠٠٠٠)، روم أورثوذوكس (٨٥٠٠٠)، وهناك عدد أقلّ من الروم الكاثوليك Greek Catholics (١)، وأقليّة صغيرة من الإنجيلييّن أو الپروتستانت. لا يزيد عددُ المسلمين عن ٨٠٠٠، وأوّل مساجدهم كان في Detroit عام ١٩٢١، وهناك مسجد آخر في Gary في Indiana. لا توجد إحصاءات عن اليهود السورييّن على اعتبار أنّهم احتُسِبو مع سائر اليهود المهاجرين إلى الولايات المتّحدة وليس كسورييّن. للمقارنة قُدّر إجمالي عدد سكّان الولايات المتّحدة عام ١٩٢٠ بحوالي ١٠٦ مليون. 

أوّل سوري وطأ أمريكا هو اللبناني أنطونيوس البشعلاني وكان ذلك في Boston عام ١٨٥٤، أمّا أوّل دمشقي فهو يوسف العربيلي عام ١٨٧٨ (٢). المهاجرون الأوائل عموماً من الذكور الشباب الفقراء (٣)، والمسيحيّون أميل لاصطحاب نسائهم من المسلمين والدروز. أغلب أسباب الهجرة بالطبع اقتصاديّة، أضِف إليها التهرّب من الخدمة العسكريّة في الجيش العثماني بعد فَرْضِها على المسيحييّن عام ١٩٠٩. هناك أيضاَ عوامل دينيّة وسياسيّة وغيرها. 

خَدَمَ السوريّون أمريكا بإخلاص بحبِّهِم للعمل وتكاتفِ عائلاتِهم، وندر من استجدى منهم. السوريّون عموماً محافِظون ينأون عن السكر والعربدة، وإناثُهُم بالذات عفيفات. انخَرَطَ السوري في الجيش الأمريكي وحاربَ تحت رايته قبل إلزام الشباب بالخدمة عندما لم يعد عدد المتطوّعين كافياً مع احتدام وطيس الحرب العظمى (٤).

أنهى حتّي كتابَهُ بمجموعةٍ من التوصيات هَدَفَت إلى "أمركة" المهاجرين السورييّن، وأهمّها بالنسبة إليه تعزيز دور الكنيسة: كلّما ازداد عدد المهاجرين الداخلين في حياة أمريكا الدينيّة، كلّما تسارعت وتحسّنت عمليّةُ صَهْرِهِم في بوتقة الوطن الجديد.    

____________

١. يخلط الكثيرون الروم Greek أو الملكييّن الكاثوليك في المشرق مع Roman Catholics في الغرب الذين يُسمّون في سوريا لاتين.
٢. أدين بصحيح نقل الإسمين من اللاتينيّة إلى العربيّة إلى الصديق الضليع الدكتور فايز زكّور الذي نوّه أنّ العربيلي أحد الناجين من مجزرة ١٨٦٠.
٣. هاجر الأيسر حالاً إلى مصر. 
٤دخلت الولايات المتّحدة الحرب العالميّة الأولى أو العظمى عام ١٩١٧.

Friday, May 18, 2018

دليلُ زائرِ دمشق في القرن الحادي والعشرين



نُشِرَ هذا الدليل الورقي لمدينة دمشق عام ٢٠١٠. المحرّرتان اللبنانيّة Carole Corm كارول قرم والحلبيّة الأصل ميّ معمرباشي والمساهمون كثيرون. للكتاب إيجابيّاته وهي كثيرة، وعليهِ بعض المآخذ التي أبدأ بها وأهمّها على الإطلاق ضَعْفه من النواحي التاريخيّة والتوثيقيّة، سواءً تعلّقَ الأمرُ بالتاريخ الموغل في القدم أو الحديث والمعاصر. الأخطاء كمّاً ونوعاً تزيد إلى حدّ بعيد عمّا يمكن اعتباره مقبولاً وأكتفي هنا ببعض الأمثلة:

١. صفحة ١٧ قسطنطين الكبير يعلن المسيحيّة ديانةً رسميّة ويحرّم الديانات الوثنيّة عام ٣٩٢ للميلاد. الصواب بالطبع ثيودوسيوس.
٢. صفحة ١٩ قوّات Vichy تقصف دمشق عام ١٩٤٥ (انتهى وجود القوّات المواليّة لحكومة Vichy في سوريا عام ١٩٤١).  
٣. ثالثة الأثافي (صفحة ٣٥) هزليّة: "جامع أنور السادات" في دمشق. المقصود طبعاً جامع الأقصاب أو جامع السادات الزينبيّة. 

ليست هذه الأمثلة الثلاثة سوى غيض من فيض، ويترتّبُ على ذلك أنّ هذا الدليل الذي تجاوز عددُ صفحاتِهِ المئتين ليس مرجعاً موثوقاً عن تاريخ المدينة لا من ناحية التسلسل الزمني ولا الحقائق ولا الطبوغرافيا.

حسنات الكتاب: 

الدليل صغير الحجم، خفيف الحمل، جيّد الورق، أنيق الطباعة، سهل الأسلوب، تتخلّلُهُ عدّةُ صورٍ رقميّةٍ ملوّنة عالية الجودة مع العديد من الخرائط البسيطة الجذّابة. لغة الكتاب انجليزيّة ممّا يجعله في متناول أكبر عدد ممكن من زوّار المدينة؛ يحسن هنا التذكير أنّ اهتمام معظم السيّاح في كافّة بلاد العالم يتجاوز المعالم الأثريّة مهما بَلَغَ جمالُها وعراقَتُها ومهابتُها. السائح يريد فندقاً يبيت فيه، ومطاعماً يرتادها، وأسواقاً يشتري منها ما يروق له من المُنْتَجات المحليّة، وأماكناً للّهو والتسلية. ما يهمّ السائح في أي دليل المعلومات عن المواصلات، وأكلاف الإقامة والأكل، والتحف الشرقيّة، وعلب الليل، ودور السينما والمسارح، والمصارف، والهواتف المفيدة، والطبابة إذا استدعى الأمر، وكيفيّة الحصول على تأشيرة دخول وهلمّجرّا. كلُّ هذه المعلومات وأكثر موجودةٌ في هذا الكتاب الذي يعطي أيضاً عناوين المواقع الإلكترونيّة في حالِ توافُرِها. 

كافّةُ الفنادق المذكورة غالية بمقاييس سوريّا، تجاوزت أسعارُها آنذاك ١٠٠ دولار بالليلة، وبعضها تجاوز ٢٠٠؛ فندق سميراميس غير مذكور ومن المحتمل أنّ المؤلِّفَتَيْن اعتبرتاه دون المقام. يقعُ كثير من هذه الفنادق في دمشق داخل السور، وكانت بالأصل بيوتاً شاميّةً جُدِّدَت وحُوِّلَت إلى أوتيلات باذخة. خلافاً للفنادق، هناك خياراتٌ تناسب جميع الميزانيّات فيما يتعلّق بالمطاعم من الباهظة الكلفة، شرقيّةَ الطراز كانت أم غربيّة، إلى الشعبيّة كشاورما الصدّيق، وفول بوز الجدي. خصّصت المؤلِّفتان حيّزاً لا بأس به خصّص للحلويّات الدمشقيّة، وأشهر المحلّات التي تقدّمها، من بكداش في سوق الحميديّة، إلى غراوي وسميراميس والزنبركجي، مع التذكير بأنّ عاصمة المأكولات الشهيّة في سوريا حلب وليست الشام. حظيت حمّاماتُ دمشق أيضاً بذكرٍ خاصّ، ومنها التيروزي وأمّونة والملك الظاهر والبكري، وهناك تغطية لدار الأوپرا، والأوركسترا السوريّة، والمهرجانات السينمائيّة، والمعارض الفنيّة، وصالات الرياضة، والمقاهي، وغيرها.

تناول القسمُ الأخير من الكتاب مواضيعاً مختلفةً عَبْرَ مقالاتٍ قصيرة تتراوح بين ٢ - ٥ صفحات لعدّة كتّاب، منهم Brigid Keenan و "Damascus: Hidden Treasures of the Old City". غطّى مقالُها البيوت أو بالأحرى القصور الدمشقيّة العريقة؛ و Christa Salamandra أخصّائيّة الأنثروبولوجيا ومؤلّفة "A New Old Damascus" عن خلفيّات عودة النخبة إلى المدينة القديمة بداية من التسعينات، ليس بهدف سكن البيوت التي أخلاها آباؤهم وأجدادُهم، وإنّما بهدف استثماها كمطاعم وفنادق، أو الاستمتاع بجوّ "تقليدي" حديث. تعرّضت الكاتبة، في جملةِ ما تعرّضت إليه، إلى أثر المسلسلات التلڤزيونيّة وخصوصاّ "باب الحارة" في نشر اسم دمشق وثقافتها وفولكلورها عبر العالم العربي وما وراء البحار. مسك الختام مقال قصير للمؤرّخ السوري عبد الكريم رافق عمّا أسماه "المنافسة بين حلب ودمشق" في العهد العثماني من الناحيتين الاقتصاديّة والتجاريّة. 

كتاب ممتع وجهد مشكور للسيّدتين قرم ومعمرباشي وعسى أن تتلافى الطبعات المُقْبِلَة الهفوات المذكورة أعلاه. 



Saturday, May 12, 2018

استيطانُ فلسطين قبل تصريح بلفور



تردّدتُ بين مصطلح "استيطان" و "استعمار" كعنوانٍ لهذا المقال، بيد أنّ الفرقً في نهايةِ المطاف طفيفٌ، وكلاهما يمكن استعمالُهُ بمدلول إيجابيّ أو سلبي. عنوانُ الكتاب مصدر المعلومات أدناه "أرض الأنبياء"، وتاريخُ النشر ١٩١٦، أي أنّه سَبَقَ تصريح بلفور ودخول الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الحرب العظمى التي عُرِفَت لاحقاً بالعالميّة الأولى عام ١٩١٧. المؤلّف Albert Heusser (١٨٨٦ - ١٩٢٩) أمريكي، شغل منصب مُحاضِر في قسم التعليم في مدينة نيويورك، وكان عضواً في الجمعيّة الوطنيّة الجغرافيّة وكَتَبَ عدّة مؤلّفات. زارَ Heusser الشرق الأدنى في مطلع الحرب (١) بدايةً من بور سعيد في مصر، ومنها إلى بيروت فدمشق ففلسطين، واستعمل في رِحْلَتِهِ وسائل المواصلات الحديثة كالسفن والقطارات، والقديمة كالعربات التي تجرّها الحيوانات وأحياناً صهوة الدوابّ حسب الضرورة والوسائل المتاحة. تمخّضت  الرحلةُ عن كتابٍ تجاوزَ الثلاثمائة صفحة، يحتوي معظمُها على صورٍ تاريخيّةٍ بالأبيض والأسود. الكاتب مسيحي وعلى الأغلب پروتستانتي، بدلالةِ حبِّهِ واحترامِهِ للشعب اليهودي، وإيمانِهِ الصهيونيّ بوجوبِ عودتِهِم إلى أرضِ الميعاد.  

ليست هذه القناعة بالمستغربة من إنجيلي ملتزم، استهواه كتابُ العهد القديم، وآمن ككثيرين غيرِهِ بكلّ تفاصيله كحقائقٍ تاريخيّةٍ لا تقبل الجدل بَلْهَ الدحض. هناك أوجه تشابهٍ بين استيطان الأوروپيّين أمريكا من المحيط الأطلسي إلى الهادي، الذي نُعِتَ "بالقدر المتجلّي" من جهة، وبين استيطان فلسطين - أيضاً على يد الأوروپييّن - على حساب سكّان البلاد الأصلييّن من جهةٍ ثانية، ومن العدل أن يقال أنّ مصير الفلسطينييّن من غير اليهود كان أفضل من عدّةِ أوجه من مصير من أطلَقَ عليهم الأوروپيّون ومن نَقَلَ عنهم تسمية "الهنود الحمر"، ووصفهم Winston Churchill "بالمتوحّشين"؛ لم ير هذا الأخير غضاضَةً في قيام "عرقٍ أقوى وأرفع درجةً وأدرى بأمور العالم"، بإزاحتهم والحلولِ محلِّهِم.  

عنصريّة Heusser إذاً عاديّة ومتفشّية (٢)، وحتّى متنوّرة إلى حدٍّ ما على الأقلّ بمقاييس عَصْرِهِ، فعلى الرغم من أنّه وصف العرق التركي بأنّه أدنى من العربي (صفحة ١٧٣)، والدمشقييّن - على كثرةِ حمّاماتِهِم التي لم تفته الإشارة إليها - بالوساخة رغم اهتمامِهم بأيديهم وأقدامهم "إلى درجة الوسوسة" (٣)، والخوارنة في كنيسة القيامة بالقذارة والأميّة (صفحة ١٧٧)، والعرب  "بسماكة المخّ"، وأهل القدس  من غير اليهود بالكسل والغباء (صفحة ٢١٥)، ورغم ازدرائه للمدارس الإسلاميّة وتعليمِها الذي لاقيمةَ له (صفحة ١١٠) ورغم ورغم ورغم .... وصلَ المؤلِّفُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ الله لن يستأثر بعطفِهِ المؤمنين بالمسيح ويستثني المسلمين البسطاء الورعين (صفحة ١٨٨)، ونادى بتقديم المساعدات الاجتماعيّة والطبيّة لهم، بغضّ النظر عن نجاح التبشير المسيحي بينهم. 

لا حدود لإعجاب المؤلّف باليهود وتقريظِهِ لخصالِهِم. العالمُ بأسره "مدينٌ لهم" وبادلوا إسائتِهِ بإحسانٍ (صفحة ٨٨ - ٨٩) عبر التاريخ؛ أمّا عن هجرتهم - وغيرهم من الأوروپييّن - إلى فلسطين، فالأرض المقدّسة أحوج ما تكون "لدماءٍ فتيّةٍ" من الغرب، واليهود أحقّ من المسلمين بالحرم الشريف (صفحة ١٥٥) . تجدرُ الإشارةُ هنا إلى هجراتٍ غبر يهوديّة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، سواء كانت بشكل مستوطنات ألمانيّة پروتستانتيّة تنتظر المجيء الثاني للمسيح (صفحة ٣٠٣)، أو بعثات دينيّة روسيّة على اعتبار أنّ روسيا حامية المسيحييّن الأورثوذوكس في العالم عموماً والشرق الأدنى والديار المقدّسة خصوصاً.  هذه الهجرات عدديّاً أقلّ بكثير من نظيرتِها اليهوديّة. 

ازدادت الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين بعد تصاعد الاضطّهاد ضدّهم في روسيا ورومانيا عام ١٨٨١، وموّل هذه الهجرة كبار أثرياء اليهود في فرنسا (البارون Edmond de Rothschild) وإنجلترا (Sir Moses Montefiore) وغيرهم. لم يقتصر الدعم على رعاية الهجرة إلى فلسطين، فالألماني Baron Maurice de Hirsch مثلاً ترك ٣٠ مليون دولار (صفحة ٢٩٠) لجمعيّة الاستعمار اليهودي، وهو مبلغ خرافي في ذلك الوقت، مع التحفّظ أنّ هذا الأخير حبّذ الهجرة إلى الأرجنتين وليس فلسطين.  

لا غرابة في ازدهارِ المستوطناتِ اليهوديّة بعد هذه الاستثمارات الهائلة من بعض أغنى أغنياء العالم. زار المؤلّف عدداً من هذه المستوطنات، وأثنى على رقيّ أهلِها وحسنِ ضيافتِهِم وطموحهم وورعهم وكدحهم وإنسانيّتهم (٤) وكفاحهم ضدّ البرداء والرَمَد من الأمراضِ التي عاثت في البلاد فساداً، وأرجَعَ الفضلَ إلى اليهود (صفحة ٣٠٩) في جلب ثمار البرتقال والليمون إلى فلسطين بعد عَودَتِهِم من السبي البابلي، وخصّ مستوطنة تلّ أبيب الروسيّة (صفحة ٢٩٥)  في ضاحية يافا بأسمى آيات الثناء (٥). ما كان للكاتب أن يغفِلَ المقارنةَ بين قرى أهل البلاد الأصلييّن البائسة والمستوطنات الأوروپيّة الرحبة الأنيقة التي استعمل المهاجرون فيها أحدث التقنيّات لجرّ الماء والزراعة وتربية الحيوانات والتشجير. 

خَتَمَ Heusser (صفحة ٢١٦) بالجزم أنّ فلسطين المستقبل لليهودي الذي سيقطنها وبعمّرها ويغنيها، وتنبّأ (صفحة ٣٠٠) أنّ النفوذ الأوروپي سيتعاظم في فلسطين بغضّ النظر عن المنتصر في الحرب العالميّة الأولى، وانتهى  بالاستشهاد بكتاب العهد القديم والآيتان ١٤-١٥ من الأصحاح التاسع لسفر عاموس:

وَأَرُدُّ سَبْيَ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ فَيَبْنُونَ مُدُنًا خَرِبَةً وَيَسْكُنُونَ، وَيَغْرِسُونَ كُرُومًا وَيَشْرَبُونَ خَمْرَهَا، وَيَصْنَعُونَ جَنَّاتٍ وَيَأْكُلُونَ أَثْمَارَهَا.

وَأَغْرِسُهُمْ فِي أَرْضِهِمْ، وَلَنْ يُقْلَعُوا بَعْدُ مِنْ أَرْضِهِمِ الَّتِي أَعْطَيْتُهُمْ، قَالَ الرَّبُّ إِلَهُكَ.

____________

١. مقدّمة الكتاب مؤرّخة عام ١٩١٣، بيد أنّ النصّ يحتوي على كثير من الإشارات إلى الحرب. 
٢. ليس سكّانُ الشرقِ الأدنى أنفسهم، على ضعفهِم وتخلّفِهم، بغرباءٍ عن العنصريّة التي تزخرُ فيها أدبيّاتُهم ككتاب ألف ليلة وليلة مثلاً. 
٣. صفحة ٦٢ والإشارة للوضوء. 
٤. صفحة ٣١٠ الطبيب Kahan قَدَّمَ العنايةَ الصحيّة عن طيبةِ خاطرٍ لليهود والعرب. 
٥. تواجدت معظم المستوطنات وقتها بين يافا والقدس.