Monday, June 4, 2018

دمشق في نهاية القرن السادس عشر: ثلاث وقفيّات عثمانيّة


احترقَ بناءُ مديريّة الأوقاف في دمشق مع نهاية الحرب العالميّة الثانية، وفُقِدَت بذلك الكثيرُ من الوثائقِ التي لا تقدّر بثمن. معلوماتُنا عن دمشق القرن السادس عشر محدودةٌ إذ نزع المؤرّخون وقتها، ومنهم ابن طولون، إلى رؤيتِها ووصفِها من خلال أوابدِها الدينيّةِ بالدرجةِ الأولى؛ بإمكاننا مع ذلك استقراء المعطيات المتوافرة ورسم صورة معقولة لدمشق، التي كانت آنذاك خامس مدن الإمبراطوريّة العثمانيّة من ناحية عدد السكّان (١). قُدّرت مساحةُ المدينة الكليّة بحوالي ٢٥٠، هكتار منها ١٣٠ هكتار داخل السور، حيث تواجدت مساحاتٌ كبيرة غبر سكنيّة، أهمّها الجامع الاموي والقلعة وبستان القطّ (٢) وكثير من المباني التجاريّة كالخاناتِ وغيرِها. الأحياءُ خارج السور شعبيّةٌ، صغيرةُ المباني، ومكتظّةٌ بالسكّان، ومعظمها مسلمة، مع تواجدٍ يهوديٍّ هامّ في جوبر وبيت لهيا (٣)، وقليلٍ من المسيحييّن جنوباً في باب مصلّى. القرن السادس عشر زاخرٌ بالإنجازات من الناحيةِ المعماريّة، بدايةً بجامع محي الدين ابن عربي في الصالحيّة، ومن ثمّ التكيّة السليمانيّة ومنشئات لالا مصطفى باشا (٤) ومراد باشا (٥) ودرويش باشا (٦). تجمّدت العمارةُ في القرن السابع عشر واستؤنِفَت في القرن الثامن عشر على يد فتحي الدفتري وآل العظم ولكن هذه القصّة خارجة عن البحث قيد الحديث.    

نَشَرَ المعهد الفرنسي في دمشق دراسةً بقلم Jean-Paul Pascual بطول ١٦٠ صفحة، وثّقَ خلالَها وقفيّات اثنين من ولاة دمشق في القرن السادس عشر: الأوّل سنان باشا الذي تولّى ١٥٨٦ - ١٥٨٧، والثاني مراد باشا الثاني الذي تولّى ١٥٩٢ - ١٥٩٤ ثمّ ١٥٩٥ - ١٥٩٦. تواجَدَت الوقفيّات وقتها في المكتبة الظاهريّة. وقفيّة سنان باشا نسخةٌ أنجزت عام ١٨٩٥ للأصل العائد لعام ١٥٩٥ - ١٥٩٦، أمّا وقفيّتي مراد باشا فإحداهما تعود لعام ١٥٩٥ والثانية ١٦٠٨ - ١٦١١. اشتركَ الإثنان بتولّي دمشق والصدارة العظمى للإمبراطوريّة خلال مسيرتِهِما المهنيّة الغنيّة، بيدَ أنّ وقفيهِما في دمشق مختلفان إلى حدٍّ كبير.   

وقف سنان باشا في القرن السادس عشر الثاني في الأهميّة في دمشق بعد وقف الجامع الأموي، رُصِدَت له الكثيرُ من البساتين والقرى والمزارع التي فصّلتها الوقفيّة مع وظائف االعاملين بالوقف والمشرفين عليه ومرتّباتهم. أُنْفِقَت أموالٌ طائلة في بناء جامع سنان باشا في محلّة باب الجابية (٧)، والسوق المسقوف المجاور له الذي ارتكَزَ على تسعة عشر عقداً، مع حمّام ومكتب أو كتّاب. لم يجشّم كتبة الوقفيّة أنفُسَهُم عناء وصف هذه المنشئات وتركوا هذه المهمّة للأجيال اللاحقة والأجانب وعلى سبيل المثال Thévenot (٨) لذي أعطانا فكرةً عن المظهر الخارجي للجامع والصحن في منتصف القرن السابع عشر. تعيّن على أوّل وصف معماري مهني مع خريطة دقيقة الانتظار حتّى العقد الثاني من القرن العشرين وأبحاث الألمانييّن Wulzinger و Watzinger (٩). الخلاصة وقف سنان باشا ديني بالدرحة الأولى ويقع خارج سور المدينة شأنه في ذلك شأن عمائر درويش باشا ومراد باشا الأوّل. 

وقف مراد باشا أكثر تواضعاً وتغْلِبُ عليهِ طبيعةٌ اقتصاديّة إذ خُصِّصَ ريعُهُ لفقراء الحرمين في مكّة والمدينة. الموقع داخل السور قرب الجامع الأموي نحو الغرب، والوقفُ مؤلَّفٌ من مجموعةٍ من الأبنية أهمُّها خان وبدستان (١٠). يوافق موقع هذا البدستان خان الجمرك حاليّاً وإن ترتّبَ على تفاصيلِ وصفِهِ في الوقفيّة أنّه اختَلَفَ في توزيعِهِ عن المبنى الحالي.  

____________

١. قُدّر عدد سكّان دمشق آنذاك بحوالي  ٥٥٠٠٠ نسمة، بعد القسطنطينيّة ثمّ القاهرة ثمّ بروصة أو بورصة (عاصمة الإمبراطوريّة الأولى) وأخيراً حلب. 
٢. جنوب المدينة الشرقي كما نرى في الخريطة. 
٣. بيت لهيا + عنّابة = القصّاع حاليّاً. 
٤. تولّى لالا مصطفى باشا دمشق ١٥٦٣ - ١٥٦٩. 
٥. مراد باشا ١٥٦٨ باني جامع النقشبندي في السويقة، ويتعيّن التمييز بينه وبين الوالي الثاني الذي يحملُ نفس الإسم. 
٦. درويش باشا ١٥٧١. 
٧. على أنقاض جامع البصل وجامع سوق الحبّالين. 
٨. انظر "الترحال في المشرق"، صفحة ١٥ من النسخة الإنجليزيّة. أطلق Thévenot على جامع سنان باشا تسمية "الجامع الأخضر" عندما زار المدينة ١٦٦٣ - ١٦٦٤. 
٩. أجرى الألمانيّان دراساتِهِما الميدانيّة ١٩١٧ - ١٩١٨، ونشرا القسم الثاني منها عن دمشق الإسلاميّة عام ١٩٢٤. 
١٠. أو بزستان: مبنى مخصّص لبيع الأقمشة الفاخرة. 

No comments:

Post a Comment