Saturday, June 3, 2017

دمشق بين عاصمةٍ إقليميّة وقلب العروبة النابض


تبحث هذه الدراسة في خلفيّات تحوّل دمشق من عاصمةٍ إقليمية في العهد العثماني، استمدّت هيبَتَها من تاريخِها العريق، وأهميّتِها الدينيّة كمحطّةٍ رئيسة على طريق الحجّ الذي تمحورت حولَهُ حياتُها الاقتصاديّة، إلى مركزٍ للقوميّة العربيّة، وبالنتيجة عاصمةٍ لدولةٍ مستقلّةٍ حديثة أو في سبيلها إلى التحديث. الكاتبة الدكتورة Leila Hudson، أستاذة في قسم دراسات الشرق الأدنى للتاريخ والعلوم الإنسانيّة Anthropology في جامعة أريزونا، والكتاب من منشورات ٢٠٠٨.

تطوّر أي كيان جغرافي سياسي عمليّةٌ في غاية التعقيد، لها إيجابيّاتُها وسلبيّاتُها، وإنجازاتُها وكبواتُها. يميل الأكاديميّون الغربيّون إلى إرجاع التطوّر إلى تأثير أوروپّا البنّاء، والعثرات إلى "تخلّف الشرقييّن"؛ بينما يدّعي القوميّون أنّ الفضل يعود إلى "يقظة العرب"، واللوم والتثريب إلى تدخّل إمپرياليّة الغرب في شؤونهم. من ناحيةٍ ثانية تعطي الدراسات التقليديّة أهميّةً خاصّةً لدور النخبة elite في تطوّر المجتمعات، وكأنّ هذه النخبة تتدخّل في كافّة التفاصيل وتقرّر كافّة الأمور بفرمانٍ من الأعلى. علّ هذا عائدٌ إلى تركيز المؤرّخين والكتّاب على سيرة القادة والوجهاء دونَ سِواهُم، وتجاهل دور الناس العادييّن الذين يشكّلون الأغلبيّة الساحقة في كلّ المجتمعات.

حاولت المؤلّفة، في كِتابّها قيد الحديث، تلافي أو على الأقلّ تخفيف وطأة هذا الخلل، وإعادةَ نوعٍ من التوازن إلى منهج الدراسات التاريخيّة. لا يمكن، رغم هذه التحفّظات، تجاهل دور النخبة، الذي اختارت Hudson أن ترسِمَهُ اعتباراً من مجزرة ١٨٦٠، عندما أرسل الباب العالي فؤاد باشا مزوّداً بصلاحياتٍ استثنائيّةٍ لمعاقبة المسؤولين، وإعادة الأمن وحكم القانون. تميّزت هذه الفترة بمحاولة الدولة تعزيز السلطة المركزيّة على حساب أعيان دمشق، الذين هُمِّشَ بعضُهُم، وبرز البعض الآخر من الوجوه الجديدة الأكثر استعداداً للتعاون مع القسطنطينيّة في برامجها التنظيمي والتحديثي. تزامنت هذه التطوّرات مع تغيّراتٍ إقتصاديّة وتجاريّة (زيادة التبادل مع الغرب) وماليّة (تضّخم)، والعديد من المشاريع في عهد مدحت باشا وغيرِهِ مع تعاظم أهمية ضواحي المدينة خارج السور، الغربيّة منها خصوصاً، وتوسّع هذه الضواحي وزيادة عدد السكان.

استقرأت الأستاذة Hudson الوثائق والملفّات وسجلّات المحاكم والتركات، بغية إعطاء سائر الطبقات الاجتماعيّة بعض حقّها، وجَنَت في هذا الصدد كميّةً لا بأس بها من المعلومات عن الوضع الاقتصادي لعامّة الناس، وكيفيّة انتقال الثروة، والعوامل التي تدخل في حسابات الزواج (العائلة والمهر)، وما يمكن تسميته "علمنة الأسماء" (من الأسماء الدينيّة "محمد" وعبد" إلى "كمال" و"أديب" إلخ)، ثم النواحي الثقافية. اقتناء الكتب كان وقفاً على قلّةٍ من الناس، أغلبُهُم من علماء الدين، أمّا عن أكثرها تداولاً فهو القرآن بطبيعة الحال، بيد أنّ المؤلِّفة زعمت (ص ٨٨) أنّ كتاب "مقامات الحريري" ضاهاهُ انتشاراً! هناك أيضاً مؤلّفات الصوفييّن، منهم عبد الغني النابلسي، وعبد القادر الجزائري، وخالد النقشبندي.

نتجت التغيّرات والتطوّرات التي طرأت على دمشق في الخمسين عاماً السابقة للحرب العالميّة الأولى عن الكثير من العوامل، منها إراديّةٌ، ومنها تراكميّة، ومنها خارجيّةٌ وداخليّة، مع تفاوت حجم وسرعة هذه التغيّرات. لا يمكن إهمال أثر العوامل المحليّة والبيئيّة والعائليّة (تغيّر مكان الإقامة والطبقات والمؤسّسات والمواصلات والثقافة) البالغة الأهميّة على المدى البعيد، والنتيجة النهائيّة ما هي إلّا ترجمة لجميع هذه العوامل.

ظهور وجوه جديدة و"نُخَب" جديدة أمرٌ طبيعي ومتوقّع في أي مجتمع حركي dynamic. ختمت الأستاذة Hudson بالتوكيد، استناداً إلى آخر الأبحاث، على اعتماد القيم المدنيّة والتعليميّة والوطنيّة كأمضى سلاح لتحسين وضع الإنسان الاجتماعي social mobility في القرن العشرين.

Friday, June 2, 2017

أوابد دمشق التاريخيّة



جان سوڤاجيه غني عن التعريف لأي باحث في تاريخ سوريّا والشرق الأدنى. الكتاب أو بالأحرى الكتيّب قيد الحديث، الصادر عن المطبعة الكاثوليكية في بيروت عام ١٩٣٢ بعنوان Les Monuments Historiques de Damas، والذي "تشرّف باشتراك قسم الآثار لإدارة المندوب السامي"، هو أحد المساهمات العديدة لهذا المستشرق الفرنسي في التاريخ والحضارة والفنون السوريّة على مدى ثلاثين عاماً، انتهت مع نهاية حياته القصيرة في الخامس من آذار عام ١٩٥٠. النصّ متوافرٌ بالمجّان على موقع المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، وهناك أيضاً تعريب وتعليق أكرم حسن العلبي الصادر عام ١٩٩١ بعنوان "الآثار التاريخيّة في دمشق".

هدفُ الدراسة، كما حدّده المؤلّف، تقديم لائحة بمعالم دمشق حسب تسلسلها الزمني، مع شرح وجيز + الخرائط والرسوم الإيضاحيّة حسب الحاجة. لا يحتوي الكتاب على أي صور ضوئيّة مع الأسف، بيد أنّ حجْمَهُ لا يسمح بهذا الترف. شجّع سوڤاجيه الراغبين بالتوسّع بمراجعة كتاب Watzinger و Wulzinger عن دمشق، بشقّيه عن المدينة القديمة والمدينة الإسلاميّة، على الرغم من تحفّظاتِهِ الكثيرة على هذه الدراسة .

عدد صفحات الكتاب حوالي ١٣٠ من القطع الصغير، منها ١١ صفحة لدمشق قبل الإسلام والباقي للمدينة الإسلاميّة. المعالم القديمة المذكورة خمسة: الباب الشرقي، هيكل المشتري (أهمّها)، القنوات الرومانيّة، الباب الصغير أو باب الشاغور (روماني أُعيدَ بناؤهُ في عهد الأتابك نور الدين)، وكنيسة حنانيا.

احتلّ الجامع الأموي مركز الصدارة في دمشق الإسلامية، وخصّص له المؤلف ٢٧ صفحة (حوالي ربع الكتاب إذا أضفنا ٥ صفحات عن هيكل المشتري). وَصَفَ الكاتبُ الجامعَ ومكوّناتِهِ وتطرّق لتاريخِهِ والنظريات المختلفة عن بنائِهِ والكوارث التي أصابته (آخرها حريق ١٨٩٣)، وترميمِهِ على مرّ العصور.

انتقل سوڤاجيه بعدها إلى تحصينات دمشق، أي سور المدينة وأبراجها (برج نور الدين وبرج الصالح أيوب)، وأبوابها، وقلعتها. المحطّة التالية معالم المدينة - حسب تسلسلها الزمني - بدايةً من ضريح فاطمة في مقبرة الباب الصغير (من الآثار الشديدة الندرة المتبقّية من العهد الفاطمي)، إلى تربة صفوة الملك (سلجوقيّة)، فالمعالم العديدة من العهود الأتابكيّة (النوريّة)، فالأيوبيّة، فالمملوكيّة، فالعثمانيّة، من تُرَب وجوامع ومدارس وحمّامات وبيمارستانات وهلمّجرّا. تفاوتَ الإسهاب بتفاوت أهميّة الصرح، وكمّ المعلومات المتوافرة عنه، والتقييم الشخصي للمؤلف. خصّص سوڤاجيه - على سبيل المثال - ثلاث صفحاتٍ للتكيّة السليمانيّة وسبعاً لقصر العظم.

كرّس المؤلّف آخر ١٣ صفحة إلى حيّ الصالحيّة، مثوى الشيخ المتصوّف محي الدين ابن عربي، ومعقل الآثار الأيّوبيّة في دمشق. أحد أهمّ هذه الآثار جامع الحنابلة (مطلع القرن الثالث عشر) الذي اعتبره البعض نسخةً مصغّرةً للجامع الأموي. هناك أيضاً المدرسة الركنيّة، وبقايا المدرسة الماردانيّة (الجسر الأبيض)، وكثير غيرها.




Wednesday, May 31, 2017

تاريخ دمشق


لا يزال كتاب المؤرّخ وعالم الآثار والديپلوماسي الأسترالي Ross Burns (مواليد ١٩٤٣) الصادر عام ٢٠٠٥، إلى اليوم، أفضل ملخّص بالإنجليزّية لتاريخ مدينة دمشق، بل علّهُ أفضل ملخصّات هذا التاريخ في أي لغة على الإطلاق، إذا أخذنا بعين الاعتبار كثافةَ معلوماتِهِ، ودقّتِها، والفترة الزمنية التي غطّتها منذ العصر الحجري الحديث، وحتّى عام ١٩١٨ ونهاية الحرب العالميّة الأولى.

الإخراج أقلّ بذخاً بكثير منه في كتاب Degeorge الذي تزامنَ معه، بصورهِ الملوّنة البديعة الكبيرة الحجم والعالية الدقّة، ونوعيّة وَرَقِهِ وتجليدِهِ، بيد أنّه يمتاز عن السِفْر الفرنسي بعرضٍ أكثر وضوحاً بفضل العشرات من الخرائط والمخطّطات، مع شرحٍ وافٍ للمصطلحات العربيّة واللاتينيّة واليونانيّة في موضعٍ واحد يسهُلُ الرجوعُ إليه. أسند Burns معلوماتِهِ بالعديد من المراجع القديمة والحديثة بمختلف اللغات، شأنهُ في ذلك شأن Degeorge. عددُ صفحات الكتاب حوالي ٤٠٠ وحجمُهُ صغيرٌ نسبيّاً (٢٣ في ١٦ من عشيرات المتر)، وهو بالتالي خفيف الحمل، على الرغم من غناه بالمادّة. أضف إلى ذلك سلاسةَ وبساطةَ أسلوبِهِ، ممّا يجعَلَهُ في متناول كلّ من لديه إلمام معقول بالإنجليزيّة من الهواة.

خصّص الكاتب حوالي ٤٠٪ من صفحات الكتاب للعهود قبل الإسلام، والباقي للعصور الإسلاميّة، معتمداً كغيرِهِ على دراسات Watzinger و Wulzinger و Jean Sauvaget وغيرِهِم من الروّاد. اختار Burns إنهاءَ سَرْدِهِ عام ١٩١٨، مع نهاية الحرب العظمى والعهد العثماني، أي قبل قرنٍ من الزمن. لهذا الخيار ميزتان: الأولى زيادة الموضوعيّة بزيادة الفترة الزمنيّة المنصرِمَة على الأحداث، والثانية التقليل من التركيز على الأحداث السياسيّة التي عصفت بالشرق الأدنى منذ مطلع القرن العشرين، والتي لا تخرجُ عن كونِها هنيهاتٌ عابرة في تاريخ المدينة المديد. هناك أوجُهُ شَبَهٍ بين فترة "السفر برلك"، وما رافقها من المجاعات والوباء والتهجير والتدمير من جهة، والأحداث الأليمة الأخيرة التي تنازعت فيها قوىً إقليميّةٌ وعالميّة على مناطق نفوذ في سوريّا، على حساب السورييّن ودماء السورييّن من جهةٍ ثانية. سوريّو اليوم يعيدون النظرَ في هويّتِهِم التي بَحَثَ عنها أجدادّهم قبلَ مائة عام، واعتقد البعضُ من أبائِهِم أنّهم وجدوها.

خَتَمَ المؤلّف (ص ٢٧٢) بعدم وجود مبالغة في القول أنّه لولا دمشق، لما أخذت الديانتان الإسلاميّة والمسيحيّة شكلَهُما كما نعرفه اليوم، كدياناتٍ عالمية، وأنّ المدينةَ لعبت خلال الثلاثة آلاف عام الأخيرة دوراً حيوياً في الشرق الأدنى لا تضارعها فيه أي مدينة ثانية، وأنّ هذا الدور لا يمكن تفسيرُهُ بمزايا استراتيجيّة كالتي تتمتّع بها القاهرة على رأس دلتا النيل، أو بغداد على دجلة قرب الفرات. تختزِلُ دمشق تاريخَ الشرق الأدنى أكثر من أي مدينة في هذه البلاد القديمة قِدَم التاريخ.


Tuesday, May 30, 2017

حيّ الميدان



صَدَرَ عن المعهد الفرنسي بدمشق عام ١٩٩٧ دراستان عن حيّ الميدان. الأولى للباحِثَيْن Yves Roujon و Luc Vilan، تختُمُهُ لمحةٌ تاريخيّة كَتَبَها صديقي العزيز الدكتور عبد الرزّاق معاذ. ركّز هذا العمل على وصف الحيّ والتطوّرات التي طرأت عليه بين ١٩٣٠ و ١٩٩٤، ودعا إلى إنقاذ، ليس فقط أهمّ معالِمِهِ، وإنّما أيضاً النسيج العمراني الذي حَضَنَ هذه المعالم. بَلَغَ عدد صفحات الكتاب ١٤٠، وتضمّنَ بعض الصور من منتصف القرن العشرين للعالم الكبير والفنّان خالد معاذ، مع صورٍ من أواخر القرن، والكثير من الخرائط والمرسّمات والإسقاطات. يمكن اعتبار هذا الكتاب مقدّمةً لعملٍ آخر أوسع وأكمل بإشراف نفس الأستاذين عن جميع أرباض دمشق التاريخيّة (الصالحيّة والعمارة وسوق ساروجا والقنوات والشاغور ضمناً)، نُشِرَ عام ٢٠١٠ بعنوان Les Faubourgs de Damas، ونُقِلَ إلى العربيّة تحت عنوان "أحياء دمشق خارج السور".

الموقع جنوب غرب المدينة خارج السور، أمّا عن التسمية فتُنْسَبُ إلى ميدان للفروسيّة، أو ميدان الحصى الذي شَغَلَ قسماً منه على الأقلّ منذ عهد المماليك (١). تشكّلت إلى الجنوب من ميدان الحصى قريةٌ عُرِفَت باسم القبيبات، نسبةً لمباني ذات قباب صغيرة قَطَنَت فيها جماعاتٌ من التركمان اعتباراً من القرن الثالث عشر للميلاد. بُني بالنتيجة عددٌ من الزوايا والجوامع والمتاجر في أماكن متفرّقة، شكّلت نويّاتٍ تمركَزَ حولَها العمران. اتّصلت هذه المناطق مع بعضِها بالتدريج لتعطي الحيّ الشكلَ الذي نعرفُهُ حاليّاً، على الأقلّ إلى أن غيّرت العوامل الديموغرافيّة وشقّ المحلّق الجنوبي معالِمَهُ، إن لم نقل شوّهتها.

يمكن، بهدف التبسيط، تقسيم الحي من الشمال إلى الجنوب، إلى باب مصلّى ثمّ الميدان فالقبيبات؛ ولاحقاً الميدان التحتاني والوسطاني والفوقاني. توزّعت المنازل والمتاجر ودور العبادة إلى آخِرِهِ حول شارع الميدان، المتوجّه من الشمال والشرق إلى الجنوب والغرب، والمبتور حاليّاً شمال منتصفه بقليل بواسطة المحلّق الجنوبي، الذي أضاف إلى الأذّيات التي ألحقتها المباني الجديدة القبيحة بالنسيج العمراني التقليدي.

_________________________________________________________________

الكتاب الثاني أكبر حجماً (٤٣٠ صفحة ضمناً ٣٠ صورة بالأبيض والأسود و ٢١ خريطة و ٥٤ جدولاً إحصائياً)، لأخصّائيّة التاريخ العثماني Brigitte Marino. ركّزَ هذا العمل على الميدان في العهد العثماني، خصوصاً القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، استناداً إلى وثائق محاكم دمشق وعقود البيع والشراء وإيصالات الديون علاوةً على المصادر التاريخيّة التقليديّة. تجاوز هدفُ المؤلِّفة دراسةَ الحيّ بحدِّ ذاتِهِ، إلى وضْعِهِ في إطارٍ أوسع، ومقارنتِهِ مع مدينة دمشق ككلّ، داخل وخارج السور. استخلص هذا البحث المستفيض عدداً من النتائج المثيرة للاهتمام.

على الرغم من سمعة الحي كموطنٍ للقلاقل والفتن الناجمة عن كونِهِ معقلاً للعسكر (٢)، ومع أنَّهُ كان ساحةً للصراع على السلطة بين زعمائِهِ من جهة، وولاة دمشق من جهةٍ ثانية (٣)، كان الميدانُ موسراً نسبيّاً ولأكثر من سبب: مرّت قافلةُ المحمل عَبْرَهُ مع كل ما ترتّب على ذلك من المنافع الاقتصاديّة، وكان مركزاً هامّاً لتجارة الحبوب (٤) بدلالة البوايك العديدة التي تخلّلتهُ، والتي لا يزال البعض منها موجوداً وإن تبدّل استعمالُهُ.

___________________________________________________________________

الكتابان منجم ذهب عن تاريخ الحيّ وتطوّرِهِ، ومبانيهِ، وشوارعِهِ وأزقّتِهِ، واقتصادِه، ودورِهِ، وطوائِفِهِ الدينيّة والإثنيّة، وأبرز عائلاتِهِ.

يمكن قراءة الكتاب الأوّل بالمجّان على موقع المعهد الفرنسي لدراسات الشرق الأدنى. تعريب الكتاب الثاني متوافر للقراءة والتحميل.

___________________________________________________________________

(١) الميدان الأكبر والأهمّ شأناً هو المعروف باسم الميدان الأخضر، غرب المدينة.
(٢) الإنكشاريّة المحليّة أو اليرليّة.
(٣) المثال الأشهر هو المجابهة بين فتحي الدفتردار وأسعد باشا العظم في القرن الثامن عشر.
(٤) مع حوران والبقاع خصوصاً.

Monday, May 29, 2017

أجمل كُتُب دمشق



أجمل ولا أقول أفضل. 


هذا الكتاب الصادر عام ٢٠٠٥ للمؤرّخ والمهندس الفرنسي Gérard Degeorge، أجملُ ما نُشِرَ بالفرنسيّة بخصوص دمشق حتّى اليوم؛ بل علّهُ أجمل ما صَدَرَ عنها في أي لغة على الإطلاق، باستثناء ترجَمَتِهِ إلى الإنجليزيّة. المقصود بالطبع إخراج الكتاب الباذخ: مجلّدٌ ضخم، عددُ صفحاتِهِ من القطع الكبير ٣٢٠، ورقٌ صقيل، مئاتٌ من الصور العالية الدقّة معظمهُا لقطاتٌ للكاتب وبعضها رسوم وصور تاريخيّة من عدّة مصادر. العملُ موجّهٌ بالدرجة الأولى للهواة، والراغبين في استعراضٍ سريعٍ وممتع لحضارةٍ دامت آلاف السنوات.


جَمَعَ Degeorge ولخّص في "دمشق لؤلؤة وملكة المشرق" المعلومات التي نَشَرَها بين ١٩٩٤ و ٢٠٠١ في ثلاثة كتب: من الأصول إلى المماليك Des origines aux Mamluks ومن العثمانييّن إلى أيّامِنا Des Ottomans à nos jours وأخيراً أطلس دليل الصور Répertoire iconographique، وزيّنَهُ بالعديد من الصور الملونّة الكبيرة التي سبق له عَرْضَها بالأبيض والأسود وبحجمٍ أصغر في مؤّلفاتِهِ السابقة. النتيجةُ مسرّةٌ للعين وبهجةٌ للناظرين من عشّاق دمشق، وهواة التاريخ والعمارة والفنّ.

Sunday, May 28, 2017

دمشق من العثمانييّن إلى أيّامنا



غطّى المؤرّخ والمهندس المعماري الفرنسي Gérard Degeorge، في هذا الكتاب الصادر عام ١٩٩٤، خمسمائة عامٍ من تاريخ سوريّا في ٣٠٠ صفحة، يُضافُ إليها ٣٢ صورة بالأبيض والأسود خارج النصّ، معظمُها لقطاتٌ للمؤلِّف من ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. امتزجت السياسة مع التاريخ في هذا العمل من البداية إلى النهاية، ولرّبما كان هذا أحد المآخذ على الكتاب. فصل الموضوعين تماماً غير وارد بالطبع، بيد أنّ التاريخ أكثر بكثير من السياسة: علاوة على التاريخ السياسي والعسكري، هناك الديني والفنّي والأدبي والعمراني والعلمي وهلمّجرّا). مأخذٌ آخر على هذا العمل القيّم: لهجة الكاتب في أكثر من موضع أقرب إلى العاطفيّة منها إلى الأكاديميّة.

Degeorge معجبٌ بالحضارة العربيّة السوريّة، خصوصاً الإسلاميّة. أدانَ العهد الحميدي والاستعمار الأوروپّي، والطريقة التي "حنث" فيها البريطانيّون "بوعودهم" للعرب، والانتداب الفرنسي. شجب المؤلِّف أيضاً حكم حزب البعث والأسد الذي وَصَفَهُ بالماكياڤلّي، ونعت أساليب وممارسات حكومَتِهِ بالكلبيّة cynicism، واستنكر الطريقة التي قمع فيها مع شقيقِهِ رفعت تمرّد الإسلامييّن في أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن العشرين (ص ١٩٢-١٩٣). دوجورج في نفس الوقت عدوّ للصهيونيّة وإسرائيل. لكل إنسان الحقّ في وجهة نظره ما في ذلك من شكّ، مع التحفّظ على التوسّع والاستطراد في مواضيعٍ أكثر تعلقاً بتاريخ سوريّا السياسي منها بتاريخ دمشق، وإن كانت دمشق عاصمة البلاد.

هذا لا يعني أنّ الكاتب أهملَ تاريخ دمشق أو غمطَهُ حقّهُ. الكتابُ مرجعٌ قيّمٌ اعتمد في إسنادِهِ على الكثير من المصادر الأصليّة في أكثر من لغة. للمؤلِّف كتابٌ آخر عن تاريخ دمشق حتّى المماليك Damas des Origines aux Mamluks (١٩٩٧)، ولسببٍ ما نُشِرَ الكتاب عن الفترة الأقدم أو "الجزء الأوّل من تاريخ دمشق"بعد ثلاثة سنوات من "الجزء الثاني" قيد الحديث.

___________________________________________________________________

دخل سليم الأوّل إلى الشام بعد انتصاره على المماليك في مرج دابق (١٥١٦ للميلاد). لم يكن العهد الجديد في بداياتِهِ سيّئاً، إذ شهد القرن السادس عشر فترةَ استقرارٍ نسبي، اتّسعت خلالها المساحةُ العمرانيّةُ في المدينة وبُنِيَت عدّة أوابد كجوامع الشيخ محي الدين ابن عربي ومراد باشا ودرويش باشا وسنان باشا، والتكيّة السليمانية. مع ذلك أتت دمشق من بين المدن السوريّة، بتجارتها وعدد سكّانها، في المرتبة الثانية بعد حلب.

خفّت وتيرة العمران في دمشق القرن السابع عشر، رغم توسّع المدينة باتّجاه الغرب (القنوات) والجنوب (الميدان وطريق الحجّ). أدى اتّساع الإمبراطورية وبعد المدينة عن الحدود إلى تقلّص التهديد الخارجي، وبالتالي إهمال تحصيناتِها. رُدِمَت الخنادقُ بالتدريج وغزت البيوت السكنية سورَ دمشق. تغيّرت الأمور في القرن الثامن عشر الذي شَهِدَ ولاةً أقوياء (آل العظم) تركوا لنا خاناتٍ فسيحة وعدداً من المعالم علّ قصر العظم أشهرُها.

حَفَلَ القرن التاسع عشر بالتطوّرات في أعقاب حملة بوناپارت، وعهد إبراهيم باشا ابن محمد علي، ومن ثمّ فترة التنظيمات وزيادة التغلغل الأوروپّي، ومذبحة ١٨٦٠، وبوادر الحركة الصهيونيّة. تواترت في هذا القرن تقارير ومؤلّفات الرحّالة والدپلوماسييّن والمستشرقين الأوروپييّن عن دمشق، التي شَهِدَت تنظيم سوقيّ مدحت باشا والحميديّة وساحة المرجة (مركز المدينة الجديد في الغرب) والأبنية المحيطة بها. أصبحت الصالحيّة قبلة الأثرياء والدپلوماسييّن الغربييّن، وتوسّع حيّ الأكراد، وبدأ العمران فيما عُرِفَ لاحقاً بالمهاجرين.

بشّرت بداية القرن العشرين بمستقبلٍ ميمون: زُوِّدَت المدينة للمرّة الأولى بالكهرباء والترام، وشُقَّ الخطّ الحديدي الحجازي. أجهضت الحرب العالميّة الأولى مع الأسف كثيراً من الآمال، وتلتها فترة الانتداب الفرنسي. لا داعي، في هذه العُجالة، للتفصيل في أحداث "الثورة السوريّة الكبرى" عام ١٩٢٥، وحسبنا هنا الإشارة إلى آثارِها على تخطيط وتوسّع المدينة، عندما شقّت سلطات الانتداب خلال وبعد التمرّد، شوارعاً عريضةً هدفُها الُمْعَلن تجميل المدينة وتسهيل المواصلات فيها، و الحقيقي عزل دمشق عن غوطِتها - معقل الثوّار - وتسهيل تنقّل الآليات العسكريّة (ص ١٦٦-١٦٧). حصلت عمليّةٌ مشابهة في مطلع الثمانينات عندما تسارعَ تطبيق خطّة Écochard. ما هي هذه الخطّة؟

طرحَ السيّدان R. Danger و M. Écochard عام ١٩٣٦ مخطّطاً بهدف إنقاذ غوطة دمشق، الحدّ من توسّع السكن العشوائي، وشقّ طرق مُحلِّقة حول المدينة للتقليل من ازدحام السير فيها. عنيَ هذا المخطّط بكشف أهمّ آثار المدينة، بدايةً بالقلعة وضريح صلاح الدين، ولو على حساب النسيج العمراني المحيط بها. بدأ التنفيذ على قدمٍ وساق وواكَبَهُ بناء المتحف الوطني غرب التكيّة السليمانيّة. دفع تزايد السكان في العقود التالية بلدّيةَ دمشق أن تستنجد مجدّداً بخبرة Écochard، وقام هذا الأخير بالاشتراك مع السيّد Banshoya عام ١٩٦٨، بتقديم مخطّط معدّل لتطوير المدينة ركّز على دعم بنيتِها التحتيّة، وأوصى بالتوسّع غرباً باتّجاه المزّة، وشرقاً نحو برزة، بهدف إنقاذ الغوطة. نَصَحَ هذا المخطّط - كسابقِهِ - بكشف أهمّ المعالم ومنها الأموي وعدد من المدارس التاريخية، عن طريق هدم المحيط الحاضن لها. الكلام هنا عن أرباض المدينة التاريخيّة في القنوات وساروجا والميدان وغيرها.

طبّقت الجهات المعنيّة، مع الأسف الشديد، أسوأ توصيات المخطّط، وأهملت أكثرَها فائدةً، وكانت النتيجة دمار الغوطة وتشويه النسيج العمراني العريق. للإنصاف كان هذا إلى حدٍّ كبير نتيجةً مُتوقّعَةً، وإن لم تكن بالضرورة حتميّةً، لزيادة عدد السكّان من ٣٠٠٬٠٠٠ عام ١٩٤٥ إلى ١٬٧٠٠٬٠٠٠ عام ١٩٨٨، مع كلّ ما رافق هذه الزيادة من التلوّث وتداعي البنية التحتيّة في بلدٍ كثير الأعداء ومحدود الموارد. من البدهي أن ما انطبق على دمشق، انطبق بدرجاتٍ متفاوتة على كافّة المدن السوريّة.

صدر عام ١٩٧٢ مرسومٌ بمنع الهدم داخل السور، وأُدْرِجَت المدينة القديمة عام ١٩٧٥ على لائحة اليونسكو للتراث العالمي، وتشكلت لجنةٌ دوليّةٌ لحماية دمشق عام ١٩٧٧. تبقى هذه التدابير رمزيّةً وإن كانت خطواتٍ في الاتّجاه الصحيح.

Saturday, May 27, 2017

دمشق حتّى نهاية عهد المماليك



الكاتب Gérard Degeorge فرنسي، مؤرّخ ومصوّر ومهندس عمارة، والكتاب (منشورات ١٩٩٧) أربعمائة صفحة مع ٣٢ لوحة بالأبيض والأسود خارج النصّ لمختَلَف معالم المدينة. التُقِطَت جميع الصور بعدسة المؤلّف ولا شكّ أنّ عددَها قليلٌ نسبةً لنصٍٍّ على هذه الدرجة من الشمول. يمكن لتلافي هذا النقص، الرجوع إلى أطلس لنفس المؤلِف صَدَرَ عام ٢٠٠١ بعنوان DAMAS - Répertoire Iconographique، وصوَرِهِ التي تتجاوز المائتين. طَرَح Degeorge آرائَهَ السياسيّة دون مواربة في مقدّمة الكتاب، ومنها يتبيّن أنّه أبعد ما يكون عن مناصرة الصهيونيّة، بدلالة تخصيص ١٤ صفحة بعنوان النكبة Catastrophe، للقضيّة الفلسطينيّة التي لا يمكن إنكار أهميّتِها في تاريخ سوريّا الحديث، وإن خرجت عن الفترة قيد الدراسة.

مَتْنُ الكتاب موزّعٌ بين ثلاثةِ فصول يتساوى عددُ صفحاتِها أو يكاد: يغطّي الفصل الأوّل آلافَ السنين وينتهي بنهاية العهد الأموي. يقتصر الفصل الثاني على خمسمائة سنة تكافئ العهد العبّاسي بما فيه الفترات الفاطميّة والسلجوقيّة والأتابكيّة والأيوبيّة. الفصل الثالث مخصّصٌ لعهد المماليك البحريّة ثم البرجيّة، أي حوالي ٢٥٠ سنة تنتهي بمعركة مرج دابق عام ١٥١٦ للميلاد وبداية القرون العثمانيّة. قد يبدو هذا التوزيع بعيداً عن الإنصاف، بيد أنّ المعلومات المتوافرة تتضائل مع تقادم العهد، خاصّةً فيما يتعلق بالمعالم الأثريّة في مدينةٍ مأهولةٍ باستمرار لآلاف السنوات، تقعُ بقاياها الآراميّة عدّة أمتار تحت مستوى الأرض الحالي.

يُعْتَقَد أنّ أول ذكر لدمشق كان في لويحات إبلا، التي هيمنت على شمال سوريّا في الألف الثالث قبل الميلاد. مع الأسف لم تُنْشَر هذه المعلومات إلى اليوم، ومنه اضطرارُنا إلى القفز إلى منتصف الألف الثاني، عندما هزم الفرعون تحتمس الثالث ائتلافاً سوريّاً بقيادة أمير قادش في معركة مجدو Megiddo عام ١٤٥٧ قبل الميلاد، وأسر زعماء وملوك ١٩ مدينة منها دمشق. يمكن اعتبار هذه الواقعة الظهور الأوّل للمدينة على مسرح التاريخ، بانتظار المزيد من الأبحاث. هناك ذكرٌ آخر لها في عهد أمنحتب الثالث في معبد قرب طيبة، وثالث في عهد أخناتون (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) في لويحات تلّ العمارنة.

ظَهَرَ الآراميوّن بدورِهِم للمرّة الأولى في النصوص الآشوريّة، وحوليّات تغلات فلاصر الأول (١١١٦-١٠٧٦ قبل الميلاد)، الذي هَزَمَهم ونهبَ ممتلكاتِهِم ونقَلَها إلى عاصِمَتِهِ آشور. عدا ذلك لا يوجد إلى اليوم مصدر يغطّي سوريّا الوسطى والجنوبيّة في هذه الفترة باستثناء كتاب العهد القديم، الذي يخبرنا أنّ داود (١٠٠٤-٩٦٥ ق.م. ؟؟)، هَزَمَ الآرامييّن واستولى على دمشق وسَلَبَها وترك حاميةً فيها. قصّة تقسيم "إمبراطوريّة" داود وسليمان بعد موتِ هذا الأخير معروفة، ويُفْتَرَض أنّ دمشق استفادت من ضعف إسرائيل وحاولت التوسّع على حسابِها، إلى أن اضطرّت المملكتان لتوحيدِ جهودِهِما لمواجهة الخطر الآشوري في معركة قرقر عام ٨٥٣. حاول شلمنصر الثالث (٨٥٨-٨٢٤) في الفترة التالية الاستيلاء على دمشق وفشل، وصبّ جام غَضَبِهِ على غوطَتِها التي قطع أشجارَها وأضرَمَ فيها النار.

انحسر الخطر الآشوري مؤقّتاً في العقود التالية، التي شَهِدَت بين الفينة والفينة نزاعاً بين دمشق وإسرائيل. من المحتمل أنّ جالية دمشق اليهوديّة تكوّنت خلالَ هذه الفترة (مطلع القرن الثامن قبل الميلاد)، على إثر اتفاقيّةٍ بين يوآش ملك يهوذا من جهة، وبن هدد أو بار حدد الثالث ملك آرام دمشق من جهةٍ ثانية. سقطت دمشق بيد الآشوريين وتغلات فلاصر الثالث عام ٧٣٢ ق.م.، ولم يبق من هذا العهد سوى نحت بازلتي لأبي هول مجنّح من القرن التاسع ق.م.، اكتُشِفَ عام ١٩٤٨ للميلاد في أسس الجدار الشمالي للجامع الأموي ونُقِلَ إلى متحف دمشق الوطني؛ هناك أيضاً مجموعةٌ من اللوحات العاجيّة من شمال سورّيا (أرسلان طاش) تحمل إحداها اسم حزائيل، أحد ملوك دمشق الآرامييّن.

المعلومات عن الفترة الأخمينيّة معدومةٌ أو تكاد، لم يبق من آثارِها إلّا تاجيّ عمودين لربّما كانا من بقايا قصر الحاكم، اكتشفهما الألمانيّان Watzinger و Wulzinger خلال تنقيبٍ أجري في سنوات الحرب العالميّة الأولى. اقتصَرَ ذكرُ المدينة في العهد الفارسي على إشارةٍ مختصرة في Strabo (جغرافي يوناني ٦٣ ق.م. - ٢٤ م) الذي وصفها كأهمّ مدينة "في هذا القسم من آسيا".

كَتَبَ المؤرّخون أنّ داريوس الثالث - آخر ملوك الأخمينييّن - ترك حريمَهُ وكنوزَهُ في دمشق قبل مواجهة الإسكندر الأكبر، وأنّ هذا الأخير، بعد انتصارِهِ في معركة Issus عام ٣٣٣ قبل الميلاد، أرسلَ عامِلَهُ Parmenion إلى المدينة للاستيلاء على هذه الغنائم. أقام الفاتح إثر ذلك فترةً معيّنةً في دمشق قبل استئنافِ حملاتِهِ في المشرق.

بدأ العهد الهلنستي بعد موت الإسكندر، وكانت أنطاكيا عاصمة سوريّا خلال معظم هذه الفترة، بيد أنّ أنطيوخوس التاسع (١١٦ - ٩٦ ق.م.)، جعلَ دمشق عاصِمَتَهُ لفترةٍ قصيرة، تزامنت مع انحطاط ونهايات العهد السلوقي. غيّر ديميتريوس الثالث ( ٩٧ - ٨٧ ق.م.) اسم دمشق إلى ديميتريا Demetrias. طلب الدمشقيّون، في نهايةِ هذا العهد الذي تميّز بالفوضى والحروب، حمايةَ ملك الأنباط الحارثة الثالث، الذي تربّعَ على عرش المدينة عام ٨٥. كانت هذه بداية حيّ الأنباط في دمشق، شرق المدينة وتحديداً شرق شارع باب توما. انتهى العصر الهلنستي عام ٦٤ ق.م على يد پومپي، وبدأ العهد الروماني الذي - عكس العهود السابقة - لا تزالُ بصماتُهُ موجودةٌ في المدينة القديمة إلى اليوم.

لا يمكن إعطاء الكتاب حقّهُ في هذه الأسطر القليلة التي اقتصرتُ فيها على الجزء المتعلّق بالتاريخ القديم، على اعتبار أنّ المؤلّفات التي تغطّيه قليلةٌ، وأقلّ منها ما يشفي الغليل. الكتاب بكامِلِهِ أكثر من جدير بالقراءة، قريب المنال وسهل اللغة. علّهُ موجّهٌ بالدرجة الأولى إلى الهواة وإن توجّب التنويه بحرص المؤلّف على إسناد المتن بكثيرٍ من المراجع والهوامش لمن يريد التوسّع، أخصائيّاً كان أم من عشاقّ دمشق والتاريخ.