استقيتُ المعلومات أدناه من مقالٍ للمستشرق الألماني Herzfeld نَشَرَتْهُ مجلّة الفنون الإسلاميّة بالإنجليزيّة عام ١٩٤٢. التحقيق في الحواشي.
عرَّفَ Sauvaget هذا البيمارستان باختصار في "أوابد دمشق التاريخيّة" تحت رقم ١٩، وزوّدنا بمخطّطٍ له. هذا البناء، إلى جانب الجامع الأموي والقلعة، أحدُ أهمِّ آثار دمشق، ومع ذلك فقلائلٌ من يعرِفونَه.
كلمة بيمارستان إيرانيّة الأصل ويقابلها بالعربيّة "دار الشفاء"، وفي العراق مصطلح "الخستخانة" الإيراني. دخل البيمارستان بلاد الشام قبل الخانقاه والمدرسة، ولكنّه، من ناحية التخطيط، اشتقاقٌ أو حالة خاصّة من المدرسة التي تشغلُ فيها قاعةُ صلاةٍ أحدَ الأواوين الأربعة. يمكن العثور على هذا التوزيع المُتَصالب الشكل cruciform في المنشأت الرومانيّة التي تتمركزُ قيها أجنحة alae، حَوْلَ الغرفةِ المركزيّة atrium. نستطيعُ في كلِّ الأحوال القول أنّ الإيرانييّن تبنّوا الشكلَ الصليبي المتناظر، أي صحن مركزي محاط بأربعِ أواوين، في كلّ أبنيتهم العامّة عمليّاً، وبإمكاننا تقصّي هذا النموذج حتّى العهد الپارثي.
نَسَبَ المقريزي (١) بناء البيمارستان الأوّل في دمشق إلى العصر الأموي والوليد ابن عبد الملك عام ٨٨ للهجرة (٧٠٦ للميلاد)؛ وذَكّرَ الرحّالة الأندلسي ابن جبير الذي زار دمشق عام ١١٨٤ وجودَ بيمارستانين في المدينة، أَحَدُهُما البيمارستان الجديد أو النوري نسبةً إلى نور الدين زنكي (٢)، والثاني قديم يقع غرب الجامع الأموي (٣):
وبهذه البلدة نحو عشرين مدرسة، وبها مارستانان قديمٌ وحديث، والحديث أحفلهُما وأكبرهُما.
أضافَ ابن جبير أنّ دمشق وقتها تمتّعت، مع أرباضِها، بمائةِ حمّام وأربعين دار للوضوء جَرَى الماءُ في جمِيعِها (٤).
بنى نور الدين، حسب ابن الأثير (٥)، "أسوار مدن الشام جميعها، وقلاعها، .... وبنى المدارس الكثيرة للحنفيّة والشافعيّة، ... وبنى البيمارستانات والخانات في الطُرُق، وبنى الخانكاهات في جميع البلاد .."
يتميّز البيمارستان النوري بمُقَرْنَصَاتِهِ التي آمل العودة إليها في مستقبلٍ قريب. دراسة تطوّر المقرنصات سواء استُعْمِلَت في القبوة vault، أو القباب cupola، أكثر تعقيداً. أرْجَعَ Herzfeld بدايات هذا النموذج الفنّي إلى القوقعة conch في العهد الهلنستي، بيد أنّها دَخَلَت إلى بلاد الشام من الشرق، شأنها في ذلك شأن التصميم المُتَصالب.
يَقَعُ البيمارستان النوري في دمشق داخل سور المدينة غرب الجامع الأموي وجنوب سوق الحميديّة، أمّا عن الصورة فقد التُقِطَت بين الأعوام ١٩٠٨ و ١٩٣٠.
____________
١. المقريزي (١٣٦٤-١٤٤٢ للميلاد) من مواليد ووفيّات القاهرة، فَصَلَت بينَهُ وبين دمشق الوليد سبعمائة سنة وزهاء ألف كيلومتر.
٢. مَلَكَ نور الدين على دمشق بداية من عام ١١٥٤ وحتّى وفاته عام ١١٧٤ للميلاد.
٣. رحلة ابن جبير صفحة ٢٧٢. ارتأى Herzfeld أنّ البيمارستان "القديم" قد يكون بيمارستان الوليد. الأقرب للصواب أنّ الإشارة هنا إلى بيمارستان دقاق الدارس الذي بُنِيَ عام ١٠٩٧ للميلاد. تأثّرُ Herzfeld بالمقريزي واضحٌ ولكنّهُ مرفوض: لئن كان المقريزي حجّةً فيما يتعلّق بخطط القاهرة فلا يعني هذا مَعْرِفَتَه بدمشق، خصوصاً إذا أخذنا الفاصل الزمني بعين الاعتبار.
٤. رحلة ابن جبير صفحة ٢٧٧.
____________
Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture I. Ars islamica v. 9, University of Michigan Press, 1942.

No comments:
Post a Comment