يمكن القولُ أنّ النماذجَ المعماريّة للعهدِ الأتابكي في دمشق، بقبابِها المقرنصة وتخطيطِها المُتَصَالب cruciform، إيرانيّةُ المنشأ، اسْتُورِدَت إلى بلادِ الشام عن طريق بغداد، أو هكذا على الأقلّ ارتأى Herzfeld. ينطبق هذا على البيمارستان النوري والمدرسة النوريّة، ونستطيعُ تعميمَهُ مع بعض التعديلات على أوابدِ العهود اللاحقة بدايةً بالحقبةِ الأيّوبيّة.
يحسن هنا تحديد المقصود بكلة "مدرسة"، وتمييزها عن دار العلم (١) العبّاسيّة المشتقّة من الأكاديميّة اليونانيّة. المدرسةُ نتاجُ ما أسماه البعض "ردّ الفعل السنّي" (٢) الذي بدأ في خراسان مع السلاجقة والوزير نظام الملك، كمؤسّسةٍ تعليميّةٍ دينيّة ترعاها وتموّلها الدولة، لا غنى عنها لمن يطمح في الحصولِ على وظيفةٍ في الجهازين القضائي والمَدَني. هناك مَن نَعَتَ القرن العاشر الميلادي "بالشيعي" (٣)، استناداً إلى دولة الفاطمييّن في مصر، وإمارة الحمدانييّن في حلب، وهيمنة البويهييّن على الخلافةِ العبّاسيّةِ في بغداد، وما إلى ذلك. حَلَّ السلاجقة السنّة محلّ البويهييّن في بلاد ما بين النهرين وشمال الشام في القرن الحادي عشر، وأنْهى صلاح الدين الدولة الفاطميّة في القاهرة التي بَذَلَت جَهْدَها في مقاومةِ المدارس وفَشِلَت.
عودةٌ على بدء: أصلُ المدرسةِ السنيّة وعمارَتِها إيراني، ومنه اشتُقَتّ دورُ القرآن والحديثِ والرُبُط (٤) والخانات والبيمارستانات. لا مناص للمدارس وما اتَّبَع طِرازَها من أخْذِ طابعٍ محليّ، مع المحافظة على الخطوطِ العريضة المُسْتَورَدَة: صحن في المنتصف يتوسّط أربعة أواوين تحتلُّ أحَدَها قاعةُ صلاة في المدرسة. يعودُ أحدُ الفوارقِ الهامّة يين النموذج الإيراني وخَلَفِهِ الشامي إلى توافر المكان في إيران ومحدوديّته في الشام، حيث توسّعت المدن حول أحيائهِا القديمة ممّا أدّى إلى تركيز المعمارييّن السورييّن على الاعتباراتِ النفعيّة ومتانة وديمومة البناء، بينما اهتمَّ الإيرانيّون بالنواحي الجماليّة والتناظر والتكرار الذي لا مثيلَ لَهُ في تاريخِ الفنّ. وَصَفَ المؤلّفُ الفنَّ الإيراني "بالمَلَكي" ونَظِيرَهُ السوري "بالمدني".
باختصار ابتكر نظام الملك المدرسة، وأتى عهدُ نور الدين بالمدرسة الشاميّة التي استمرّت في النماذج الأيّوبيّة المتقشّفة كأحد مظاهر "ردّ الفعل السنّي" المذكور أعلاه. المدرسةُ - التربة حالةٌ خاصّة انتشرت في الشام. اعتقدَ البعضُ أنّ الأواوين خُصِّصَت أو على الأقلّ رَمَزَت إلى المذاهبِ الفقهيّةِ السنيّة الأربعة ولا أساس لذلك من الصحّة. لم تحْظَ كافّةُ المدارسِ بأبنيةٍ مستقلّة: مِنْها ما اتّخذ الجوامعَ (٥) مقرّاً ولكن لهذا حديثٌ آخر.
المخطّط المُلْحَق للمدرسةِ النوريّة الكُبْرى داخل سور دمشق في سوق الخيّاطين. بُنِيَت هذه المدرسة بين ١١٦٧-١١٧٢ للميلاد، وبالتالي فهي لاحقة للبيمارستان النوري الذي شُيِّدَ عام ١١٥٤. لنا إليها عودةٌ.
____________
١. بيت الحكمة.
٢. أو النهضة السنيّة.
٣. لا يطابق "قرن الشيعة" بالضبط القرن العاشر، وعلّ الأدّق تأريخُهُ بدايةً من عام ٩٤٥ وخلافة المستكفي بالله عندما تَسَلَّطَ "أمير الأمراء" معزّ الدولة ابن بويه على مقاليد الحكم، ونهايةً بدخول السلاجقة إلى بغداد عام ١٠٥٥.
٤. جمع رباط.
٥. الأموي خصوصاً.
____________
Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture I. Ars islamica v. 9, University of Michigan Press, 1942.

No comments:
Post a Comment