Sunday, May 17, 2026

الهامة، دمّر، خانق الربوة، ودمشق

 

الأسطرُ التالية تعريبٌ عن Victor Guérin، واللقطةُ في اللوحةِ المُلْحَقَة مأخوذةٌ من الشمالِ والغرب إلى الجنوبِ والشرق، تظهرُ فيها التربة العادليّة البرّانيّة على يمين الناظر. التربةُ اليوم مختبئةٌ أو تكاد خَلْفَ النصف الشرقي لحديقةِ عدنان الملكي. 

"ثمَّ مَرَرْنا بالهامة، وهي قرية يبلغُ عدد سكّانها ١٥٠ مسلماً، بُنيَت بيوتُها من الصلصال. الهامة محاطةٌ بساتينٍ جميلة في الوادي الضيّق حيث يتلوّى بردى مُحْتَضَناً بسلسلتين من التلالِ الكلسيّة. هذا الجدار المزدوج ناصعُ البياضِ كالثلج، يتقاطعُ لونُهُ، عندما تنعكسُ عليه أشعّةُ الشمس، بسحرٍ خلّاب مع الظلال الخضراء اللطيفة للواحةِ التي ترافقُ مجرى النهر المتعرّج. تقع دمّر قُرْبَ الهامة إلى الجنوب والشرق. في هذه القريةِ بضعٌ من بيوت الاصطياف الجميلة المختبئة وراء ستارٍ من أشجارِ الجوز العملاقة. نرى في هذا الموقع سدوداً أُقيمت على نهر بردى، تَقْسِمُهُ إلى عدّةِ أذرعٍ تحمِلُ مياهَهُ في أقنيةٍ اصطناعيّة، حُفِرَت في خواصر التلال الجانبيّة، إلى مستوياتٍ أعلى من سريرِهِ الأصلي.    

انتهى دربُنا في هذا الوادي الضيّق بعد عبورِ صخرتين هائلتين، تنتصبان عموديّاً كالأبراج في مدخل الخانق وكأنّهما تتولّيان الدفاعَ عنه. فجأةً، تجلّت دمشق أمامَنا دفعةً واحدةً بجوامِعِها ومآذِنِها العديدة، في نهايةِ شارعٍ جميلٍ تحُفُّهُ أشجارُ الصفصافِ والحور. تهيمن مرتفعاتٌ في الشمال على المدينةِ العظيمة، بإمكان الواقفِ عليها أن يعانق بنظَرِهِ دمشقَ بأسْرِهها مع السهل الواسع الممتدّ حولَها إلى الشرق والغرب والجنوب. ترتفعُ المدينةُ على الأقلّ ٧٠٠ متر فوق سطح البحر المتوسّط، وتتمتّعُ، بفضل هذا العلوّ، بمناخٍ معتدلٍ عصيٍّ على البرد القارس أو الحرّ القائظ، رغم خطّ العرض الذي تَقَعُ عليهِ. تتمركزُ دمشق إذاً على هضبةٍ تمتدُّ في جميع الاتجاهات باستثناء الشمال. تنحدرُ هذه الهضبة انحداراً طفيفاً باتّجاهِ الشرق والجنوب الشرقي، وتتخلّلُها أنهارٌ وأقنيةٌ لا تعدُّ ولا تحصى تحملُ مَعَها الخصوبةَ حيثما اعتنى الإنسانُ بها. محيطُ دمشق مبْثوثٌ بالقرى رُغْمَ سوءِ الإدارة الذي ترزحُ تَحْتَهُ البلادُ منذ عهود، ورُغْمَ تعدّياتِ البدو المتكرّرة. يعود الفضلُ في هذه الحيويّةِ وَسَطَ الانحطاط، إن لم نقل الدمار الكامل لعديدٍ من المدن السوريّة والفلسطينيّة، إلى غزارةِ المياه المتناهيّة في كافّةِ أرجاء هذا السهل الذي حَبَتْهُ الطبيعة، وأصابت العرب عندما دَعَتْهُ جنّةَ الشرقِ الحقيقيّة. أهمّ أنهار هذا السهل بردى والأعوج."



No comments:

Post a Comment