Saturday, May 2, 2026

قالت لي السمراء

 

الصورةُ الملحقة للطبعة الأولى من ديوان نزار قبّاني الأوّل "قالت لي السمراء" الصادر في أيلول سپتمبر عام ١٩٤٤. أثارت قصائدُ هذا الديوان الكثيرَ من المشاعر، منها الإيجابيّة التي رحّبت بالأسلوب الجديد المتحرّر كما فعل منير العجلاني الذي قَدَّمَ الكتاب، ومنها السلبيّة التي أدانت دون تردّدٍ أو تحفّظ، ليس فقط انتهاك الشاعر للمحرّمات، وإنّما أيضاً رداءةَ الشِعْرِ وركاكتَهُ، كما فعل الشيخ علي الطنطاوي في الأسطر الآتية:

"طُبع في دمشق كتابٌ صغير زاهي الغلاف ناعمُه، ملفوف بالورق الشَّفاف الذي تُلَفُّ به علب (الشوكولاتة) في الأعراس، معقود عليه شريطٌ أحمرُ؛ كالذي أوجب الفَرنسيُّون - أوَّلَ العهد باحتلالهم الشام - وضْعَه في خصور بعضهنَّ ليُعرَفنَ به، فيه كلام مطبوع على صفة الشِّعر، فيه أشطار طولها واحد إذا قِستَها بالسنتيمترات! يشتمل على وصفِ ما يكون بين الفاسق والقارح والبَغيِّ المتمرِّسة الوقحة وصفًا واقعيًّا، لا خيال فيه؛ لأن صاحبه ليس بالأديب الواسعِ الخيال، بل هو مُدلَّل غني، عزيز على أبويه، وهو طالب في مدرسة، وقد قرأ كتابَه الطلابُ في مدارسهم والطالبات.

وفي الكتاب - مع ذلك - تجديدٌ في بحور العَروض؛ يختلط فيه البحرُ البسيط، والبحر الأبيض المتوسِّط! وتجديدٌ في قواعد النَّحو؛ لأنَّ الناس قد مَلُّوا رفع الفاعل ونصْبَ المفعول، ومضى عليهم ثلاثةُ آلاف سنة وهم يُقيمون عليه، فلم يكن بدٌّ من هذا التجديد!

ومع ذلك فقد قرَأنا في الجرائد من نحوِ شهر أنَّ صاحب هذا الكتاب قد دُعي إلى محطة الإذاعة في القاهرة ليُذيع منها شِعره؛ رغبةً منهم بنشر الأدب السُّوري، وتوثيقًا ڵتعاون الثقافي بين الأقطار العربية!

وإذا نزلتَ بهذا الأسلوب درَكة أخرى، وجعلتَ الموضوع كله في وصف بَنات "المحل العمومي" وما يكونُ منهن وصفًا سافرًا مُفصَّلًا، جاء معك ديوان "قالت لي السمراء" لنزار قباني الذي صدَر في دمشق منذ سنتين.


أبدأ باعتراض الطنطاوي الثاني على ديوان الشاعر الشابّ: خروج نزار عن بحور الشعر، ضحالة خيالِهِ الشِعْري، وتفاهة شِعْرِهِ. الجمال كما يُقال في عين الناظر وللطنطاوي كامل الحقّ في قبول الأدَب الجديد أو رَفْضِهِ جملةً وتفصيلاً. أعتقد مع ذلك أنّ الصوابَ جانَبَ الشيخ علي عندما سَخِرَ من عدم التزام نزار ببحور الشعر. ما الضرر في التجديد؟ وعلام اعتبار مقاييس الجاهليّة أو مَطْلِع عهد الإسلام القول الفصل؟ هل "خَرَطَها الخرّاط ثمّ طبّ ومات"؟ 


الاعتراض الأوّل، ومن الواضح أنّهُ الأهمّ بالنسبة للشيخ علي، متعلّقُ بفسقِ الشِعْر النزاري وفجورِهِ. هنا لا بدّ من الإقرار أنّ تصوير نزار لجَسَدِ المرأة، عَبْرَ "الرسم بالكلمات" إذا جاز التعبير، جريءٌ في عُرْفِ مدينةٍ محافظة تنظر للبِدَع بعين الشكِّ والريبة؛ ومع ذلك من حَقِّنا التساؤل: هل كان نزار رائداً في هذا المِضمار؟ الجواب في زعمي كلّا وألف كلّا؛ ولا شكّ لديّ أنّ الطنطاوي عَرِفَ هذه الحقيقة تمام المعرفة كما يتبيّن من استقراء بعض الأمثلة:


- ألف ليلة وليلة كتابٌ إباحيٌّ بكلّ ما في الكلمةِ من معنى وأستشهد بمثالٍ واحد من الليلة السادسة والأربعين بعد التسعمائة:

قَالَتْ وَقَدْ لَعِبَ الْغَرَامُ بِعِطْفِهَا فِي جُنْحِ لَيْلٍ سَابِلِ الْأَحْلَاكِ

لا داعي للاسترسال ففي هذه القصيدةِ الصغيرة من الكلام الفاضح ما يتجاوز دواوين نزار من الألِف إلى الياء. 


- قد يعترضُ البعض أنّ ألف ليلة وليلة ليس بالأدب الرفيع. حسناً، فلنرَ ماذا قال امرؤ القيس في قصيدَتِهِ المُعلّقة: 

تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعاً عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ

فَقُلْتُ لَهَا:سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَه ولاَ تُبْعدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ

البذاءة التالية لهذين البيتين مثيرةٌ للقَرَفِ والتقزّز ولا داعي لتكرارِها. يحسُنُ مع ذلك التذكير أنّ قصيدة "فقا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزِلِ" كانت ولربّما لا زالت تُدَرَس في المناهج السوريّة. 


- لا تحتاج الخمريّات إلى تعريف ومن المعروف عن أبي نواس شَغَفِهِ بالغلمان، بيد أنّ هذا الهوس لم يقتصِر على هذا الشاعر الماجن بدلالة شِعْر قاضي القضاة ابن خلّكان الذي هامَ بفتىً كَتَبَ فيهِ: 

لكن خشيت بأن تقول عواذلي قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي


ما هذه الأمثلة إلّا غيضٌ من فيض، وبالرجوعِ إليها وإلى مثيلاتِها، وما أكثرهنّ، نتحقّق أنّ شاعر دمشق الكبير نزار كانَ أمثولةً في الفضيلةِ والعفّةِ وغضِّ البصر. 




No comments:

Post a Comment