النصُّ الآتي تعريب عن Victor Guérin، اللوحةُ المُلْحَقَة من كتاب "الديار المقّدسة" الصادر عام ١٨٨٤، والعنوان من اختياري:
"للجامع الأموي ثلاث مآذن تُدْعى إحداهنَّ العروس. تعودُ هذه المئذنة إلى عهدِ الوليد، وتَشْغلُ مركزَ رواق الصحن الشمالي. بُنِيَت المئذنتان الباقيتان لاحقاً: المئذنة الغربيّة التي حلّت محلَّ مئذنةٍ سَبَقَتْها احترقت على يد تيمورلنك (١). المئذنةُ الثالثة مئذنةُ عيسى الشرقيّة، وهي أكثرهنّ ارتفاعاً على علو ٦٣ متراً. تقولُ سيرةٌ إسلاميّة أنّ يسوع سيهبِطُ على هذه المئذنة عندما يأتي لمحاسبة الخَلْق، ومنها يدخلُ الجامع ويستدعي إليه الناسَ بمُخْتَلَفِ دياناتِهِم وشعائِرِهِم. فلنتسلّق هذه المئذنة الأخيرة بمرافقة القوّاص والحارس إلى الشرفةِ العليا، حيث ينادي المؤذّنُ في ساعاتٍ معيّنة داعياً إلى الصلاة، ويتردّدُ صوتُهُ عَبْرَ الأثير كالجرس الحيّ. يعانقُ بَصَرُنا من هذه الشرفةِ دفعةً واحدةً المدينةَ بأسْرِها، مع ضواحيها الفسيحة، وقبابِها ومآذنِ جوامِعِها إذ تتلألأُ تحت أشعّةِ الشمس؛ منها نرى أيضاً أسْطِحَةَ البيوتِ، حيثُ يلجأ الأهالي عندما يأتي المساءُ وتنخفضُ الحرارةُ، لينعموا بنسيمِ المساءِ العليل. تحيطُ البساتينُ البهيجةُ المدينةَ من عدّةِ حهاتٍ كالحِزام، وتجري وتتعرّجُ خلالَها أقنيّةُ بردى في كلّ حَدَبٍ وصَوْب لتغذّي نباتَها الكثيف. تَبْرُزُ الجواسِقُ وبيوتُ الاصطيافِ والقرى مبعثرةً تائهةً في هذا المحيط الأخضر. نعاينُ وراءَ الواحةِ التلالَ الجرداءَ على منحدرات جبال لبنان الشرقيّة، وإلى الغرب كتلةَ جبل الشيخ المهيبة وقِمَمَها الثلاث التي يكسوها الثلجُ بلونِهِ الفضّي على مدارِ السنةِ أو يكاد. نرى في الشرق البحيراتِ التي يَلْفُظُ فيها بردى أنفاسَهُ إذ يتركُ المدينةَ على مَضَضٍ بعد ألف دورةٍ في البساتين المسحورة التي يَهَبْها الخصوبةَ والحياة. أخيراً يضيعُ نظرُنا في الجنوبِ، في أراضٍ قليلة السكّان وسيّئة الزراعة، شكّلت في الماضي اللجاة (٢) والجيدور (٣)."
____________
١. بُنيت مئذنة قايتباي أو المئذنة الجنوبيّة الغربيّة كما نعرفُها اليوم في النصف الثاني من القرن الخامس عشر. بالإمكان الرجوع إلى طلال العقيلي. الجامع الأموي في دمشق (ص ٢٠٢ - ٢٠٤) الطبعة الثانية ٢٠١٥، لمزيدٍ من التفاصيل.
____________
Victor Guérin. La Terre Sainte, première partie. Paris, E. Plon 1884.
Victor Guérin. La Terre Sainte, deuxième partie. Paris, E. Plon 1884.

No comments:
Post a Comment