Tuesday, August 23, 2016

مشروع مصاهرة بين صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد



لا تكفي سطورٌ قليلة لسرد مآثر صلاح الدين قاهر الصليبييّن في حطّين، وموحّد سوريّا ومصر على أنقاض الخلافة الفاطميّة وورثة الأتابك نور الدين.

قصّة السجال بين الملك الناصر وملك انجلترا ريتشارد قلب الأسد معروفةٌ ويكفي القول أنّها انتهت بالتعادل السلبي، أي فشل صلاح الدين في طرد الصليبييّّن من الساحل السوري كما فشل هؤلاء في استعادة القدس. ما العمل؟ 

تفتّق ذهن قلب الأسد على حلّ لا يخلو من الطرافة ولا تذكره على علمي كتب التاريخ العربيّة: لم لا يحاول الحصول عن طريق خاتم زواج على ما عجز عن نيلِهِ في ساحات الوغى؟ عرض ريتشارد يدَ أختِهِ جوّانا على الملك العادل، أخي  صلاح الدين، على أن يكون مهرُها مدينة القدس مفتوحةً للمسلمين والمسيحييّّن. 


ليس من المؤكّد أنّ صلاح الدين حمل هذا العرض على محمل الجدّ بيد أنّ العقبة الكأداء تمثّلت في جوّانا التي غضبت غضبةً مضريّة وتشاجرت مع أخيها الذي تجرّأ أن يساوم على زواجها من "كافر"، أي مسلم، وهالها أن تؤول إلى "حريم" الملك العادل. حاول ريتشارد تجاوز هذه المشكلة عن طريق محاولة إقناع العادل باعتناق المسيحيّة؛ بالطبع كان مصير هذا المسعى الفشل الذريع كسابِقِهِ وعاد قلب الأسد إلى أوروپا خاوي الوفاض. 

الصورة بعدسة مروان مسلماني. 




Monday, August 15, 2016

نور الدين زنكي





دخل الأتابك نور الدين زنكي دمشق عام ١١٥٤ للميلاد ووافته المنيّة فيها عام ١١٧٤. مآثر نور الدين كثيرة أطنب في تعدادها وأسهب معاصِرُهُ المؤرّخ والمترجم الدمشقي الحافظ ابن عساكر (١١٠٥-١١٧٦): تُقى نور الدين وورعه وغيرته على الدين، علمه الغزير ورعايته العلماء، اهتمامه بصحّة رعاياه الجسديّة والعقليّة، حمايته الأيتام والفقراء، زهده وتقشّفه، وجهاده ضدّ الإفرنج. ما كلّ هذا إلّا غيضٌ من فيض، على حسب تعبير ابن عساكر. 


لا يغفل الحافظ بالطبع الجهد الذي بذَلَهُ نور الدين في قمع "الرافضة" والبدع، وفرضِهِ علاماتٍ تميّز اليهود والنصارى، وكفاحِهِ لتوحيد الأسلام تحت راية السنّة في ظلِّ مذاهِبِها الفقهيّة الأربعة. 


شَهِدَ العالم الإسلامي ما اعتبره البعض عصراً شيعيّاً، اعتباراً من القرن العاشر للميلاد: تسلّط البويهييّن في إيران والعراق وعلى خلافة بغداد، صعود الحمدانييّن في حلب، الفتوحات الفاطميّة - الاسماعيليّة -  في شمال إفريقيّة من المغرب إلى مصر، وظهور الدروز. بلغ المدّ الشيعي أقصاه مع خلافة القاهرة الفاطميّة. 



أتت ردّة الفعل السنيّة على يد السلاجقة في منتصف القرن الحادي عشر عندما ألحق سلطانهم، ألب أرسلان، بالبيزنطييّن هزيمةً نكراء في معركة ملاذكرد (١٠٧١) وطردهم من معظم آسيا الصغرى. استنجد إمبراطور بيزنطة بالإفرنج واستطاع بمساعدتِهِم تلافي تهديد السلاجقة مؤقّتاً. لم ينفع هذا بيزنطة الشيء الكثير على المدى البعيد وقصّة استباحة الفسطنطينيّة عام
١٢٠٤ تتويجاً للحملة الصليبيّة الرابعة معروفة ومشهورة. 


أعاد السلاجقة السيادة الإسميّة للخلافة العبّاسيّة على العالم الإسلامي ولو إلى حين. 


تابع الأتابكة ما بدأه السلاجقة وتمكّن الأيّوبيّون، باسم نور الدين، من فتح مصر وانتهت الخلافة الفاطميّة ليتحوّل الأزهر، أقدم جامعات الإسلام، من مؤسّسة اسماعيليّة إلى سنيّة، وبقي كذلك إلى يومنا. 


الصورة بعدسة مروان مسلماني. 



Tuesday, August 9, 2016

الهاجَريّة والإسلام



طرح الفيلسوف الأمريكي Durant (١٨٨٥-١٩٨١)، في مستهلّ الصفحة ٥٥٣ من الجزء الثالث من كتاب قصّة الحضارة (قيصر والمسيح)، السؤال التالي:

هل المسيح شخصيّة حقيقيّة تاريخيّة؟

ثار جدلٌ حول هذا الموضوع دام قرنين من الزمن، بدايةً من عصر التنوير والقرن الثامن عشر، شكّك فيه البعض، ليس فقط بمعجزات المسيح ورواية العهد الجديد، وإنّما بوجود المسيح عينِهِ. أدلى Durant بدلوه وخلص، بعد استعراض أقوى الحجج ضدّ وجود المسيح، بأنّه شخصيّةٌ تاريخيّة بالفعل، وقدّم أدِلّتَهُ، إن لم نقل براهينَهُ، بأسلوبٍ منطقي لا شائبة فيه.

نأتي الآن إلى الإسلام، وكتابٍ أثارَ خلافاً حادّاً في الأوساط الأكاديميّة المعاصرة. الناشر جامعة كامبردج عام ١٩٧٧، والدراسة للدانماركيّة Patricia Crone (١٩٤٥-٢٠١٥) والبريطاني Michael Cook (١٩٤٠-). تناول البحثُ أصولَ الإسلام من وجهةِ نظرٍ مختلفة تمام الاختلاف عن الدراسات التقليديّة التي اعتمدت في تأريخ الإسلام على النصوص الإسلاميّة. أقرّ المؤلّفان في المقدّمة، ودون مواربة، بتعذّر تقبّل آرائِهما من قِبَل أي مسلم مؤمن، وأن الكتاب "كتبه كفّارٌ infidels وهو موجّه لقرّاءٍ كفّار".

تتلخّص وجهة نظر المؤّلِفين ببساطة أنّ المصادر الإسلاميّة متحيّزة أو مُغْرِِِضة أولاً، وأنّها دُوِّنَت بالشكل الذي نعرفه حاليّاً بعد أجيالٍ من الأحداث التي سَرَدْتها ثانياً. بناءً عليه لجأ الكاتبان إلى تمحيص المصادر غير العربيّة، المعاصرة للأحداث التي غيّرت تاريخ الشرق الأدنى والبشريّة في القرن السابع للميلاد. المراجع المعنيّة هي السريانيّة والعبريّة واليونانيّة واللاتينيّة والأرمنيّة وهلمّجرّا.

كلمة "الهاجريّة" مشتقّةٌ من هاجر، جارية إبراهيم وأمّ إسماعيل. أتى المؤلّفان بتفسير آخر ربط الكلمة بالهجرة، أي "خروج" العرب من شبه الجزيرة نحو الهلال الخصيب والشرق الأدنى - على غرار خروج بني إسرائيل من مصر -، وليس الهجرة من مكّة إلى المدينة، التي لا ذكر لها خارج المصادر الإسلاميّة. يترتّب على ذلك نتائجٌ من أهمِّها اقتباس محمّد لدور موسى كمخلّص قادَ شعبَهُ إلى أرض الميعاد. نستطيع، بتبنّي هذا التفسير، أن ننظر لبداية الإسلام كدمجٍ للقيم اليهوديّة مع القوّة، وهنا يشير الكاتبان أنّ مصطلحات "إسلام" و"مسلمين" ظهرت كتابيّاً للمرّة الأولى، على الأقل حسب ما نعرفه حالياً، في قبّة الصخرة عام ٦٩١ للميلاد. شهدت العقود اللاحقة تطوّر الإسلام من ديانةٍ قَبَليّة، وإله الإسلام من إلهٍ قَبَلي، على غرار اليهوديّة، إلى دينٍ ذي طموحات كونيّة، مثله في ذلك مثل المسيحية وإن اختلفت الأساليب.

رفض معظم الأكاديمييّن النتائج التي توصّل إليها المؤلّفان وبالنتيجة أعاد الكاتبان النظر في مطارحاتِهِما، ولم يُطْبَع الكتاب مجدّداً، وإن أمكن تحميلُهُ بالمجّان على الشبكة.

تجدر الإشارة هنا إلى مقالٍ هام للسيدة Crone عام ٢٠٠٨، يمكن اعتباره مسك الختام. أختصرُ أهمّ ما ورد فيه كما يلي:

١. لا شكّ بكون محمّد شخصيّة تاريخيّة، كونه مذكور في مصدرٍ يوناني خلال سنتين من التاريخ المفترض لوفاتِهِ على أبعد تقدير، كنبي دجّال ظهر بين العرب مسلّحاً بسيف ومزوّداً بعربة.

٢ . رسالة محمّد واضحة من خلال القرآن، الذي لا يخبرنا الكثير عن حياة النبي، وإن أعطانا معلوماتٍ أكثر من وافية عن فكرِهِ والعقيدة التي بشّر بها.

٣. مكانُ الدعوة بعيدٌ عن الوضوح، وليس هناك ذكر لمكّة قبل الفتوحات الإسلاميّة خارج المصادر العربية، ولربّما استطاع علماء الآثار في المستقبل أن يجدوا أدلّة في هذا الصدد، وإن كان التنقيب في الأماكن المقدّسة حاليّاً من المحرّمات.


 


Patrcia Crone and Michael Cook. Hagarism, The Making of the Islamic World. Cambridge University Press 1977. 

Patricia Crone. What Do We Know About Mohammed? 2008.





Wednesday, July 20, 2016

سوريّا الكبرى



الكتاب من منشورات جامعة أكسفورد عام ١٩٩٠، والمؤلّف دانيل پايپس، أمريكي من مواليد ١٩٤٩، وحائز على دكتوراه من جامعة هارڤارد. تعلّم پايپس العربيّة ودرس القرآن، وأصبح من الخبراء المُعْتَمَدين في قضايا الشرق الأدنى الذي كتب في خصوصِهِ عدداً من المؤلَّفات. پايپس يميني الاتّجاه وعدوّ لدود "للإسلام المحارب". أضف إلى ذلك حماسَهُ "لتحرير" العراق على يد الولايات المتّحدة عام ٢٠٠٣. عيّن الرئيس جورج بوش پايپس مديراً لمعهد الولايات المتّحدة للسلام رغم معارضة الكثيرين.

مصطلح سوريّا الكبرى سابقٌ للحزب القومي السوري الاجتماعي وأنطون سعادة، وإن لم يطابقه بالضرورة من الناحية الجغرافيّة. نوّه پايپس منذ البداية، لإزالة أيّ التباس، بأنّه لا يعتقد بوجود أمّةٍ سوريّة ولا أمّةٍ عربيّة، متّفقاً في هذا الرأي مع كثيرٍ من المستشرقين ومنهم لورانس وجرترود بل.

سوريّا كمفهوم جغرافي - وليس جيوسياسي - قديمةٌ للغاية، أمّا فكرة "الأمّة السوريّة" فهي وليدة مطلع القرن العشرين أو نهاية القرن التاسع عشر على أبعد تقدير. اتّخذ هذا المفهوم أكثر من شكل حسب الشخص أو الجهة التي تبنّته. على سبيل المثال:

- شريف مكّة الحسين بن علي، طالب بدولةٍ (بالأحرى إمبراطوريّة) عربيّة تشمل سوريّا والعراق والجزيرة العربيّة. بالنتيجة حكم ابنه فيصل سوريّا ثمّ العراق، بعد أن طرده الفرنسيّون من دمشق؛ وابنه الثاني عبد الله شرق الأردنّ. تقتضي الموضوعية الإقرار أنّ الهاشمييّن كانوا يبحثون عن مملكة أو ممالك، دون التزام فكري أو وطني، وحصلوا على هذه الممالك فعلاً بغضّ النظر عن شكوى بعضِهم ولفيف من مؤيّديهِم ليلاً نهاراً أنّ الإنجليز "خدعوهم". بالطبع كانت حصة عبدالله (الأوّل) في الأردنّ أقل بكثير ممّا حصل عليهِ فيصل في العراق؛ لربّما كان هذا أحد العوامل التي أدّت إلى مشروع "سوريا الكبرى" كما تصّوره الأمير، ثمّ الملك عبد الله.

- الأمير عبد الإله - الوصي على عرش بغداد - نادى بمشروع "الهلال الخصيب"، بمساهمةٍ من السياسي المخضرم نوري السعيد. هذا المصطلح، خلافاً لما يعتقده الكثيرون، حديثٌ نسبيّاً، اخترعه المؤرّخ الأمريكي جيمس برستد في مطلع القرن العشرين.

- سوريّا الكبرى كما عرّفها الحزب القومي السوري وسعادة.

- توصّل الكاتبُ في النهاية إلى نتيجةٍ مفادُها أنّ الرئيس الراحل حافظ الأسد، وبغضّ النظر عن المسمّيات، كان الأكثر نجاحاً في محاولة تحويل حلم سوريّا الكبرى إلى حقيقة. بنى پايپس رأيَهُ على وضع الشرق الأدنى في منتصف إلى أواخر ثمانينات القرن العشرين: النفوذ السوري في أوجه في لبنان، منظّمة التحرير الفلسطينية - أو على الأقلّ عدد من فروعها واشتقاقاتها - موالية لسوريّا. حتّى ملك الأردن الحسين حاول رأب الصدع مع دمشق، ونبذ الإخوان المسلمين عام ١٩٨٥، إذ اكتشف على حين غرّة أنّهم خدعوه واستغلّوا طيبةَ قلبِهِ وحسنِ نواياه متستّرين زوراً وبهتاناً بستار الدين (نشرت الصحافة السوريّة كلام الملك. يمكن أيضاَ العودة إلى عدد جريدة السفير الصادر في الحادي عشر من نشرين ثاني ١٩٨٥).

الكتاب طبعاً سابقٌ لغزو العراق الكويت، وسقوط الاتّحاد السوڤييتي، واتّفاقية أوسلو، ثمّ تبادل العلاقات الديپلوماسيّة بين الأردنّ وإسرائيل.

Monday, May 30, 2016

الصراع على الشرق الأوسط


دراسة "الصراع على سوريا"، وتتمّتها "الأسد"، أفضل ما كَتَبَه پاتريك سيل في حياته المهنيّة الغنيّة. تفصل بين الكتابين فترةٌ تتجاوز العشرين عاماً، تحوّلت فيها سوريّا بقيادة الأسد، من جائزةٍ تتصارع عليها القوي الإقليميّة والعالميّة، إلى طرفٍ في الصراع على الشرق الأدنى.

 المؤّلف بريطاني من مواليد ١٩٣٠ ووفيّات ٢٠١٤. تتلمذ على يد الپروفسّور ألبرت حوراني (١٩١٥-١٩٩٣)، مثله في ذلك مثل كاتب سيرة الأسد الآخر، الإسرائيلي موشيه معوز. صدر الكتابان عام ١٩٨٨ بفارق بضعة أشهر. الأسبقيّة لترجمة معوز، بيد أنّ كتاب سيل أغنى مادّةً ولا يزال بعد عشرات السنوات أكمل وأفضل سيرة للرئِيس الراحل. وعلّ ذلك يعود إلى استطاعة سيل مقابلة المسؤولين السورييّن، وعلى رأسِهم الأسد، علاوةً على ابنتِهِ بشرى ونجله باسل؛ أمرٌ متعذّر التحقيق بالنسبة إلى أكاديمي إسرائيلي.

أهدى سيل الكتاب إلى قرينَتِهِ السابقة، الأديبة رنا قبانّي، ابنة الدكتور صباح قبّاني، شقيق شاعر دمشق وسوريّا العظيم نزار قباني. الكتابُ موزّعٌ إلى قسمين: الأوّل يغطّي خلفيّة الأسد وطريقه إلى السلطة، والثاني رئاسَتَه من ١٩٧١ حتّى منتصف الثمانينات. مع الأسف لم تصدر طبعة ثانية من هذا العمل القيّم لتتابع السيرة حتّى وفاة الرئِيس السوري عام ٢٠٠٠، ومن المعروف أنّ النصف الثاني من حكم الأسد شَهِدَ أحداثاً جساماً، أهمّها على الصعيد الدولي سقوط الاتحاد السوڤييتي نهاية ١٩٩١، وحرب الولايات المتّحدة ضدّ العراق في مطلع نفس العام. من نافل القول أن سيل استمرّ في الكتابة عن العرب عموماً وسوريّا خصوصاً إلى النهاية بمهنيّةٍ وإخلاص، وعاصر الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ (كان معارضاً له من الألف إلى الياء)، كما عاصر بدايات ما سمّيَ بالربيع العربي في سوريّا. كان لا مناص من أن يتّهمه البعض بالتشبيح، ومن سخرية الأقدار أنّ السيّدة قبّاني، التي ساعدته في تنقيح مسودّة كتابِهِ عن الأسد، أيّدت الثورة - أو العصيان حسب المنظور - شأنٌها في ذلك شأن الكثيرين من المثقفّين السورييّن المغتربين.


Patrick Seale. Asad of Syria: the Struggle for the Middle East. University of California Press 1988. 











Saturday, May 28, 2016

أبو الهول دمشق


الدكتور موشيه معوز أكاديمي إسرائيلي من مواليد تلّ أبيب ١٩٣٥، خرّيج الجامعة العبريّة في القدس (ماجستير ١٩٦١)، وحائز على دكتوراة من أكسفورد في المملكة المتّحدة. درس معوز، علاوةً على العبريّة والإنجليزيّة والفرنسيّة، العربيّة والتركيّة. خدم كغيرِهِ في الجيش الإسرائيلي (١٩٥٢-١٩٥٥). أقوم في الأسطر التالية بمراجعةٍ لكتابَهِ عن سيرة الرئيس الراحل حافظ الأسد. صدرت هذه الترجمة عام ١٩٨٨، قبل أشهر معدودة من كتاب پاتريك سيل الأكثر شهرةً "الصراع على الشرق الأوسط" في نفس العام.  أهدى معوز كتابَهَ إلى أساتذه ألبرت حوراني (١٩١٥-١٩٩٣)، وهذا الأخير كما هو معروف بريطاني من أصول لبنانيّة. كان معوز مستشاراً للحكومة الإسرائيليّة قبل تقاعُدِهِ، ويعتبر خبيراً في الشؤون العربيّة والإسلاميّة عموماً والسوريّة خصوصاً.

تستعرض المقدّمة أصول العلوييّن وعشائرهم والاضطّهاد الذي عانوه في الماضي، ومن ثمّ عائلة الأسد، حزب البعث، ودخول الشابّ حافظ إلى الكليّة الحربية (١٩٥٢-١٩٥٥) ليتخرج منها كضابط طيّار. أعطى المؤلّف أيضاً لمحةً عن اللجنة العسكريّة لحزب البعث إلى آخره. كلّ هذا معروف ومطروق وهناك مصادر أغنى بالتفاصيل.

قدّم معوز بعد ذلك شخصيّة الأسد "الرجل والقائد"، وكتب (صفحة ٤١) أنّه حتّى الذين يكرهونه ويخشونه، لا يملكون إلّا الإعجاب بِهِ؛ استشهد المؤلّف في هذا الصدد بأمثال حسنين هيكل وهنري كيسنجر وكريم بقرادوني (من الكتائب اللبنانيّة). الرئيس السوري لا يدخّن ولا يتعاطى المشروبات الروحيّة، ويمارس المطالعة والسباحة والتنس، ويستمع للموسيقى الغربيّة الكلاسيكيّة. الأسد شديد الذكاء، ذو أعصاب حديديّة، يتكلّم بهدوء ولكن بحزم، ولا يسرف في العبارات. الرَجُل ملتزمٌ فكريّاً بالوحدة العربيّة، أو بالأحرى سورّيا الكبرى والصراع ضدّ إسرائيل، ويعتبر نَفْسَهُ استمراراً لصلاح الدين وعبد الناصر.

استطاع الأسد، بعد وصولهِ إلى سدّة الحكم، أن يقضي على التناحر المزمن بين الضبّاط السورييّن، ونجح ليس فقط في تعزيز الجيش السوري عدّةً وعدداً، وإنّما أيضاً في تحويلِهِ إلى قوّةٍ مقاتلة فعّالة كما أثبتت حرب تشرين ١٩٧٣. للمرّة الأولى في تاريخ سوريّا أصبح الرئيس يسيطر على الجيش وليس العكس. سياسات الأسد تميّزت بالواقعيّة، وعلى سبيل المثال قبِلَت سورّيا بتوجيهِهِ قرار مجلس الأمن ٢٤٢ الذي رفضه صلاح جديد سابقاً، وقام الأسد بالتقارب مع الدول العربيّة "الرجعيّة" بغية توحيد الصفّ في مواجهة إسرائيل، وإنهاء عزلة سوريّا. أبدى الأسد، في مقابلة له مع جريدة نيوزويك بعد حرب تشرين - تحديداً في شباط ١٩٧٥ -، استعداده للاعتراف بإسرائيل إذا تحقّقت شروطٌ معيّنة. 

قصّة خيار السادات اتّباع مسار الصلح المنفرد مع إسرائيل أطول من أن تغطّيها سطورٌ قليلة. حاول الأسد جهْدَهُ أن يخلق بديلاً "شرقيّاً" لمصر كعمق استراتيجي لسوريا ، عن طريق التقارب مع لبنان والأردنّ والعراق ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة بنجاح متفاوت: تفجّرت الحرب الأهليّة في لبنان وتحّول شهر العسل مع الأردن إلى عداءٍ علني عندما ساند الملك حسين الإخوان المسلمين. حالة العراق أكثر تعقيداً إذ تبنّت بغداد المزايدة على دمشق في السبعينات، كما زايد البعث السوري على مصر عبد الناصر في الستّينات. مع ذلك ساند العراق سوريّا في معارضتها للسلام المصري الإسرائيلي إلى أن قلب صدّام حسين للأسد ظهر المجنّ، وطرد السفير السوري، ثمّ هاجم إيران - عوضاً عن إسرائيل - عام ١٩٨٠ لحماية ما أسماه "البوّابة الشرقيّة للأمّة العربيّة". لا داعي للدخول في نتائج "قادسيّة صدّام" الكارثيّة. أخيراً اعتمد ياسر عرفات نهجاً مستقلّاً لمنظّمة التحرير، وردّ الأسد بدعم أبو موسى والفصائل المعارضة للزعيم الفلسطيني.

وصف معوز فترة ١٩٧٠-١٩٧٦ "بسنوات الخير"، بيد أنّ النصف الثاني من السبعينات شهد، علاوةّ على تأزّم الوضع الإقليمي، تدهور الوضع الداخلي وتصعيد العنف عندما باشر الإسلاميّون المتطرّفون حملةً من الاغتيالات تناولت أشخاصاً محسوبين على السلطة (١). علّ مجزرة مدرسة المدفعية في حزيران عام ١٩٧٩ كانت نقطة اللاعودة في الصراع بين الحكومة والإسلامييّن المتشدّدين. كانت المواجهة النهائيّة في حماة مطلع ١٩٨٢، عندما هاجم العصاة المراكز الحكوميّة و قتلوا ٢٥٠ إنسان، معظمهم من الموظّفين، وأعلنوا "الجهاد ضدّ نظام الأسد الملحد"(٢). ردّ الجيش العنف أضعافاً مضاعفةً وقدّر الكاتب عدد القتلى في حماة بين١٠٠٠٠-٣٠٠٠٠ (٣). 

غزت إسرائيل لبنان في حزيران ١٩٨٢، بعد مأساة حماة بأربعة أشهر، وأسقطت عشرات من الطائرات السورية، وظهر عجز الجيش السوري عن حماية بيروت. بدا وقتها أنّ الأسد وسوريّا في الحضيض بين الأزمة الداخليّة والعزلة العربيّة والدوليّة والتهديد الإسرائيلي. زاد مرض الأسد - الذي عانى من الداء السكّري - الطين بلّةً، عندما أصيب بأزمةٍ قلبية في تشرين ثاني ١٩٨٣، وحصل لديه ارتكاس أدْخَلَهُ إلى المشفى مجدّداً في مطلع ١٩٨٤. اعتقد شقيق الأسد الأصغر رفعت أنّ الأوان قد آن ليحلّ محلّ أخيه (٤)، بيد أنّ الرئيس تعافى بما يكفي لأن يستنفر الجيش السوري ويعزل رفعت عن قيادة سرايا الدفاع ويحلّ هذه القطعات الرديفة. عُيّن رفعت بعدها نائباً الرئيس جمهورية وأحيل بنفس الوقت إلى الاستيداع. 

ترافقت هذه الأحداث مع قيام الرئيس اللبناني أمين الجميّل (٥) بتوقيع اتفاقيّة مع إسرائيل في ١٧ أيّار ١٩٨٣. عارض الأسد وسوريّا هذه الاتّفاقيّة بكل الوسائل بما فيها "الإرهاب"، حسب تعبير الكاتب، إلى أن تمّ إحباطها الذي يعتبرهُ البعض أكبر إنتصار للأسد في تاريخِهِ. 

أصبح "التوازن الاستراتيجي" مع إسرائيل شغل الأسد الشاغل، بعد توقيع معاهدة السلام المصريّة - الإسرائيليّة في آذار ١٩٧٩. حاول الأسد الردّ بتشكيل ما سُمّيَ "جبهة الصمود والتصدّي" (٦)، وبتوقيع معاهدة مع الاتحاد السوڤييتي عام ١٩٨٠.

ختم الكاتب بالقول أنّ الأسد، رغم جميع إنجازاته، عجز عن بناء أمّةٍ سوريّة نظراً لاعتماده على ولاء العسكر العلوييّن، وأن سياساته الإقليميّة، كدعم الموارنة في محنة لبنان عام ١٩٧٦، وتأييد إيران في حرب الخليج، أثارت نقمة الكثيرين من العرب والسورييّن. شكّكَ معوز بأن يستطيع خليفة الأسد في الحكم (٧) أن يحافظ على مكانة سوريّا غير المسبوقة كقوّةٍ إقليميّة، والتي تحققّت على يده. 



(١) ذكر المؤلف على سبيل المثال رئيس الجامعة محمّد الفاضل، وأضيف إليه الطبيب يوسف صايغ مدرّس الغدد الصمّ في كلية الطبّ جامعة دمشق وهناك غيرهم. 
(٢) تعرّض الكاتب بالتفصيل لجهود الأسد في التركيز على الهوية الإسلاميّة للعلويين وكيف استصدر فتوى من الإمام موسى الصدر عام ١٩٧٣ في جملةِ مساعيهِ. 
(٣) لاشكّ أنّ عدد الضحايا كان كبيراً ولا شكّ أنّ الآلاف من الأبرياء ماتو. مع ذلك هناك تفاوت كبير في التقديرات وتجدر هنا الإشارة أنّ معوز ادّعى أنّ ٨٠٠٠٠٠ سوري هاجروا بعد المذبحة. هذا الرقم غير معقول إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ عدد السكّان الإجمالي آنذاك كان حوالي عشرة ملايين. 
(٤) أذكر جيّداً وقتها مشاهدة لافتات في دمشق بعنوان "رفعت الفارس في قلب كل فارس".
(٥) أصبح أمين الجميّل رئيسَ لبنان بعد اغتيال أخيه الأصغر بشير في أيلول ١٩٨٢. 
(٦)  كان موقف القيادة الأردنيّة مشيناً عندما هاجمت إسرائيل لبنان، وأقرب إلى الشماتة بالسورييّن. سخر رئيس وزراء الأردنّ حينها مضر بدران بالجبهة وأطلق على أعضائِها تسمية دول "الجحود والتردّي". كان أكرم له ولسيّده لو اكتفيا بالصمت. 
(٧) لا أعلم إذا كان باسل الأسد مرشّحاً لخلافة أبيه عام ١٩٨٨، وبالطبع لم تكن رئاسة بشّار بالحسبان. 

Tuesday, May 24, 2016

الصراع على السلطة في سوريا ١٩٦١-١٩٧٨


الدكتور نيقولاوس ڤان دام ديپلوماسي وأكاديمي هولندي معروف، يتكلّم العربيّة بطلاقة، وخبير بشؤون الشرق الأدنى. شغل ڤان دام منصب سفير بلاده إلى العراق ومصر وأندونيسيا وغيرها، وله أكثر من كتابٍ عن سوريّا أقوم اليوم بمراجعة أحدها. يغطّي كتاب "الصراع على السلطة في سوريّا: الطائفيّة والإقليميّة والقبليّة في السياسات"، أو على الأقلّ طبعَتُهُ الأولى قيد الحديث، الفترة من ١٩٦١ إلى ١٩٧٨. صدرت طبعاتٌ إضافيّةٌ (١) مزيّدة ومنقّحة منذ ذلك الحين لم يُتَحْ لي الاطّلاع عليها، وبالتالي أقتصر على مراجعة الطبعة الأصليّة، وأملي أن بحالفني التوفيق في نقل أفكار المؤلّف كما هي مع الاحتفاظ بتعليقي للحواشي. 

يسلّط الكتاب الأضواء على سياسات سوريّا الداخليّة، وأثر الولاءات العشائريّة والطائفيّة والإقليميّة في هذه السياسات. لا تتعرّض الدراسة إلى تمرّد الإخوان المسلمين في أواخر السبعينات، ولا شكّ أن السبب متعلّق بتاريخ النشر.

يعزو ڤان دام زيادة نفوذ الأقليّات في الجيش إلى عزوف أغنياء التجّار عن تشجيع أولادهم على الانخراط في صفوفِهِ لعدة أسباب، امتزجت فيها الريبة مع الازدراء. على الرغم من ذلك، جرت جميع الانقلابات العسكريّة في مطلع استقلال البلاد بقياداتٍ  سنيّة، ضمناً زياد الحريري منفّذ انقلاب الثامن من آذار ١٩٦٣. الحريري لم يكن حتّى بعثيّاً وإن نجح البعث بالنتيجة في احتكار السلطة. 

حرص البعثيّون باستمرار على التوكيد على علمانيّة الحزب، وإدانة الخطاب الطائفي بشكلٍ قاطع؛ بالطبع لم يمنع هذا بعضَهم عن محاولة استغلال النزعات الطائفيّة الكامنة أبداً تحت الرماد لتحقيق مآربهم، بيد أنّ الطائفيّة العلنيّة كانت من المحرّمات وألحقت الضرر بمن جاهر بها، وعلى سبيل المثال طُرِدَ محمّد عمران من سوريّا بتهمة محاولة خلق كتلة طائفيّة (علوّية) في الجيش. شارك في إدانة عمران أمين الحافظ (سنّي)، صلاح جديد (علوي)، وحافظ الأسد (علوي). تجدر الإشارة هنا إلى نقطةٍ في غاية الأهميّة: استغلال الطائفيّة للحصول على السلطة لا يعني أن الطائفيّة هي سبب الصراع على هذه السلطة. 

مع مرور الوقت اتّسعت شقّة الخلاف بين أمين الحافظ وصلاح جديد. اتّهم الحافظ جديد بمحاولة بناء كتلة طائفيّة (علويّة) في الجيش. أحدث هذا الاتّهام ردّة فعل عكسية، ازداد نتيجةً لها التفاف الضبّاط العلوييّن حول صلاح جديد، بينما فشل الحافظ في بناء كتلة سنيّة، وخسر أيضاً ولاء الدروز وحتّى بعض ضبّاط السنّة (مصطفى طلاس وأحمد سويداني). حاول الحافظ أن يحتوي النفوذ المتزايد لصلاح جديد باستدعاء محمّد عمران وتنصيبه وزيراً للدفاع، بهدف شقّ صفوف العلوييّن. لم ينجح مسعى الحافظ الذي وصل إلى درجة الشكّ بكلّ ما هو علوي. أُطيحَ بأمين الحافظ في انقلاب الثالث والعشرين من شباط ١٩٦٦. 

شَهِدت المرحلة التالية تصفية النفوذ الدرزي في الجيش: حمد عبيد كان يطمح بمنصب وزير الدفاع الذي نالَهُ حافظ الأسد، وبالنتيجة عُزِل عبيد وأوقف.  لعب سليم حاطوم دوراً أساسياً في إنقلاب ٢٣ شباط ضد الحافظ بيد أنّه لم يقطف ثمار تعاونِهِ ولجأ بالتالي إلى محاولة تشكيل قاعدة درزيّة. أوفدت الحكومة نور الدين الأتاسي وصلاح جديد لتقصّي الوضع في السويداء، عندما اعتقل حاطوم المبعوثين في محاولة انقلاب في الثامن من أيلول ١٩٦٦. اتّصل حاطوم هاتفياً مع حافظ الأسد محاولاً فرضَ شروطه التي رفضها الأسد جملةً وتفصيلاً. أدرك حاطوم فشلَ مقامرته، ولجأ إلى الأردنّ حيث مارس بثّ الدعاية الطائفيّة من إذاعة عمّان.

الخلاصة حاولَ ضبّاطٌ، من كافّة الطوائف، بشكلٍ أو بآخر استغلال النعرات الطائفيّة: السنّي الحافظ، العلوي عمران، والدرزي حاطوم على سبيل المثال وليس الحصر. ما ينطبق على الطوائف ينطبق على الأقاليم (مثلاً السويداني كان أحد ضبّاط حوران المتنفّذين قبلَ عزلِهِ من الأركان عام ١٩٦٨).

ارتسمت خطوطٌ جديدة للصراع على السلطة في هذه المرحلة، بين تيّاريّ صلاح جديد وحافظ الأسد. كان أنصار جديد أكثر راديكاليّةً وطالبوا بإعطاء الأولويّة "للتحويل الاشتراكي" (٢)، بينما تمثّلت أولوية الأسد في الإعداد للحرب مع إسرائيل، و إن تطلّب هذا التعاون مع "أنظمةٍ رجعيّة". 

عمل حافظ الأسد على فصل الجهاز العسكري عن القيادة المدنيّة التي سيطر عليها صلاح جديد. انتهت "ازدواجيّة السلطة" مع تشرين ثاني عام ١٩٧٠ و"الحركة التصحيحيّة". أصبح الأسد رئِيساً  لسوريّا في شباط ١٩٧١ دون منافسةٍ جديّة، اللهم إلّا من ضمن الطائفة العلويّة وبقايا أنصار صلاح جديد الذين اعُتِقلَ بعضُهُم في حزيران ١٩٧١ وكانون أول ١٩٧٢ (٣). 

حاول الأسد جهدَه إنهاء عزلة سوريّا عربيّاً ودوليّاً وشارك مصر السادات في حرب تشرين أول ١٩٧٣ ضدّ إسرائيل. اختار الزعيم المصري لاحقاً سبيل الصلح المنفرد، ممّا أدّى إلى تبادل حملاتٍ إعلاميّة شديدة اللهجة بين القاهرة ودمشق (٤). 



(١) الطبعة الثانية متوافرة إلكترونيّاً  ومعرّبة وتتابع الرواية حتّى منتصف التسعينات. 
(٢) لا زلت أذكر "الإشتراكيّة العلميّة" التي صدّعوا دماغَنَا بها في دروس التربية الوطنيّة.
(٣) اغتيل محمّد عمران في لبنان آذار ١٩٧٢. 
(٤) لم يتورّع السادات و إذاعة القاهرة عن اللجوء إلى اللغة الطائفيّة: "بعث دمشق العلوي"، "المؤامرة البعثيّة الحمراء" في لبنان. قال السادات في إحدى خطبه "النظام السوري علوي ثمّ بعثي ثمّ سوري". من سخرية الأقدار أنّ مصرع السادات عام ١٩٨١ جاء على يد نفس الإسلامييّن المتطرّفين الذين حاول "الرئِيس المؤمن" استمالتهم.