Saturday, September 9, 2017

المجمع العلمي العربي في دمشق


يعطي مقال Henri Laoust وسامي الدهّان في العدد الثالث عشر من مجلّة الدراسات الشرقيّة الصادر عام ١٩٥١ نبذةً عن تاريخ المجمع العلمي العربي أو مجمع اللغة العربيّة في دمشق، ونشاطاتِهِ ومنشوراتِهِ منذ تأسيسِهِ حتّى عام ١٩٥٠.

البدايات في العهد الفيصلي عندما كان رضا باشا الركابي حاكماً عسكريّاً لدمشق؛ تأسّس قسمٌ للترجمة والنشر في خريف ١٩١٨ ليتحوّل في شباط ١٩١٩ إلى المجلس الأعلى للتعليم العامّ أو ديوان المعارف برئاسة محمّد كرد علي، الذي عهدت إليه الحكومة العربيّة في ٨ حزيران ١٩١٩ بمهمّة إنشاء وتنظيم أكاديمية عربيّة على غرار الأكاديمية الفرنسيّة، بهدف إحياء التراث العربي واللغة العربيّة بعيداً عن الجدل الديني والسياسي. كانت هذه المؤسّسة الأولى من نوعها في البلاد الناطقة بالضاد،

سمح نظام المجمع بنوعين من الأعضاء: عاملين ومراسلين. عدد الأعضاء العاملين ٢٠ ويشترط كونهم سوريّي الجنسيّة ومقيمين في دمشق، وأن يكون العمر ٣٥ سنة على الأقلّ؛ أمّا عن المراسلين فهم من كلّ أرجاء العالم. شغل منصب رئيس المجمع عام ١٩٥٠ العلّامة كرد علي، ونائب الرئيس الشيخ عبد القادر المغربي، والأمين العامّ الشاعر خليل مردم بك، مؤلّف نشيد حماة الديار. عُهِدَت إلى المجمع عام ١٩٢٧ مهمّة الإشراف على المكتبة الظاهريّة التي كانت وقتها مكتبة دمشق الوطنيّة. تأسّست هذه المكتبة عام ١٨٧٨ عندما جُمِعَت فيها المخطوطات التاريخيّة الثمينة من عشر مكتبات مختلفة، وأضافت الهبات والمشتروات إلى مقتتياتها عبر السنوات. استقرّ المجمع في المدرسة العادليّة.

أصدر المجمع نوعين من المنشورات: الأوّل مجلّة دوريّة رأى عدُدها الأوّل النور في كانون الثاني عام ١٩٢١، والثاني أبحاثاً مستقلّة أولويتها دراسة النصوص القديمة وتدقيقها. قام المجمع علاوة على ذلك بتنظيم المحاضرات والمؤتمرات بين الفينة والفينة.

يمكن الرجوع إلى المقال الذي يعطي لائحة مفصّلةً بمنشورات المجمع منذ البدايات وحتّى منتصف القرن العشرين، ويسمّي أعضائَهُ البالغ عددهم وقتها ٩٣، أذكر منهم على سبيل المثال العلماء والأدباء السادة:

الأطبّاء حسني سبح ومرشد خاطر، ورجل القانون السياسي المخضرم فارس بك الخوري، والشعراء محمّد البزم وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة وبشارة الخوري (الأخطل الصغير)، والأدباء أحمد حسن الزيّات وطه حسين باشا وعبّاس محمود العقّاد وخير الدين الزركلي، والمؤرّخ فيليپ حتّي، والمستشرق الفرنسي Dussaud، والألماني Carl Brockelmann. 




معالم العهد الأتابكي في دمشق


دامت دولة الأتابك نور الدين زنكي من عام ١١٤٦ للميلاد وحتّى وفاته عام ١١٧٤، وكان شاغله الشاغل في هذه السنوات الحرب ضدّ الصليبييّن وبشكل أو بآخر الفاطمييّن. ازدهرت سوريّا في عهده أو على الأقلّ المدن السورية، وترك وراءه الكثير من العمائر خصوصاً العسكريّة والدينيّة في حلب ودمشق وبعلبك وحماة وحمص ومكّة والمدينة والموصل وكثير غيرها. احتلّت حلب ودمشق مركز الصدارة في سوريا الأتابكيّة وسأتعرّض هنا لبعض المعالم الشهيرة في دمشق فقط. بإمكان من يرغب بكشف مفصّل للآثار النوريّة الرجوع إلى مقال Nikita Elisséeff الأصلي بالفرنسيّة المنشور في ٣٨ صفحة عام ١٩٥١ في العدد الثالث عشر من مجلّة الدراسات الشرقيّة الصادرة عن معهد دمشق الفرنسي والمطبعة الكاثوليكيّة في بيروت. 

____________

أعطى نور الدين عنايةً خاصّةً للمباني العسكريّة وأشرف على تحصين المدينة وترميم سورها وتعزيزه بالأبراج. أبوابُ دمشق قبل نور الدين سبعة: الصغير وكيسان والشرقي وتوما والجنيق والفراديس والجابية. بنى نور الدين أربعة أبواب جديدة: السلام الفرج والحديد والسرّ. 

أجرى نور الدين بعض التعديلات على الأبواب القديمة:
-  سدّ باب كيسان. علّ هذا كان بهدف منع خيانة مماثلة للتي سمحت له بدخول دمشق عندما سهّلت امرأة يهوديّة لعسكره فتح الباب الشرقي. باب كيسان (زحل في العهد الروماني) هو المكان المُفْتَرَض لفرار القدّيس بولس من دمشق مستعملاً إحدى النوافذ المجاورة عام ٣٨ للميلاد. ظلّ هذا الباب مسدوداً حتّى عام ١٣٦٤، وبالنتيجة هُدِمَ وبُنيَت مكانَهُ كنيسة القدّيس بولس في عهد الانتداب الفرنسي.
- بناء جامع صغير ومئذنة فوق الباب الشرقي والباب الصغير. 

الأبواب التي بنيت في عهد نور الدين:
١. السلام في الشمال. جُدِّدَ عام ١٢٤٣ في عهد السلطان الأيّوبي الملك الصالح.
٢. الفرج في الشمال إلى جانب القلعة من جهة الشرق.
٣. الحديد شمال القلعة، ويصله مع خارج المدينة جسرٌ فوق بردى. الباب مشمولٌ ببرج القلعة التي أعاد بنائها الملك العادل لاحقاً.
٤. السرّ في جدار القلعة الغربي قرب القصر (أقام نور الدين في القلعة).

____________

أهمّ المباني المدنيّة:

أوّلاً. البيمارستان النوري. رمّم عدّة مرّات عبر العصور. حوّله السلطان عبد الحميد عام ١٨٩٩ إلى ميتم للبنات وأصبح مدرسة تجاريّة تابعة للحكومة السوريّة عام ١٩٣٧.
ثانياً. دار العدل في حيّ الأروام (مدخل سوق الحميديّة لاحقاً). كانت بالدرجة الأولى لمحاسبة المتنفّذين (مثل أسد الدين شيركوه) الذين لا يتجرّأ القضاة العاديّون على المساسِ بهم. تحوّلت إلى دار السعادة في عهد صلاح الدين واندثرت لاحقاً.
ثالثاً. المدرسة النوريّة الكبرى. أكبر مدارس دمشق الحنفيّة في دمشق وفيها تربة نور الدين.
رابعاً. دار الحديث النوريّة في العصرونيّة. الأولى من نوعها في الشام وكان ابن عساكر أوّل أساتذتها. أقام بها الرحّالة الأندلسي ابن جبير لدى زيارته دمشق في أواخر القرن الثاني عشر. أصبحت أنقاضاً بعد حريق ١٨٩٣ المدمِّر.
خامساً. حمّام نور الدين أو حمّام البزوريّة.
سادساً. المدرسة العادليّة الكبرى. بوشر في بنائها في عهد نور الدين ولكنّها لم تكتمل إلّا بعد وفاة الملك العادل الذي دفن فيها عام ١٢٢٢ ومن هنا تسميتها. علّم فيها ابن خلكان وكانت حسب ابن بطوطة أكبر مدرسة شافعيّة في دمشق. أصبحت في القرن العشرين مقراً للمجمع العلمي العربي أو مجمع اللغة العربيّة.

شواهد مقبرة الباب الصغير



صدر هذا الكتاب عن المعهد الفرنسي للدراسات العربيّة في دمشق عام ١٩٧٧، على ما يبدو كحلقةٍ أولى في دراسة شاملة لمقابر المدينة لم يقدّر لها الاستمرار. المؤلِّفان العالم والفنّان خالد معاذ مع الفرنسيّة الدكتورة Solange Ory، والناشر المطبعة الكاثوليكيّة في بيروت. كَتَبَ خالد معاذ الكثير على مدى السنين وصوّر العديد من المعالم التاريخيّة في ١٤٠٠٠ لقطة خلال جولاته وأبحاثه. وثّقت هذه المجموعة التي لا تقدّر بثمن معالماً منها ما لا يزال موجوداً ومنها ما اندثر إلى غير عودة، ولم يبق شاهد عليهِ سوى سرد الرواة وصور خالد معاذ. 

الدراسة باللغة الفرنسيّة، تتوزّع على ٢٠٠ صفحة من القطع الكبير (٢٣  x ٣٠ من عشيرات المتر)، يضاف إليها أكثر من خمسين صفحة للصور التاريخيّة بالأبيض والأسود تغطّي شواهد القبور منذ البدايات حتّى نهاية العهد المملوكي. العدد الإجمالي ٨٥ شاهدة، ٤٦ منها لا تزال في مقبرة الباب الصغير في مكانها الأصلي، و ١٢ في المقبرة في مكانٍ آخر، وستّة شواهد نٌقِلَت إلى متحف دمشق الوطني، و ٢٠ اختفت منذ أن باشَرَ معاذ عَمَلَهُ ولم يبق منها إلّا الصور والذكر في المراجع التاريخيّة. ٤٩ من هذه الشواهد تحمل تواريخاً والباقي يمكن تخمين تاريخها بصورة تقريبيّة اعتماداً على نموذج الخطّ. أُعيدَ استعمالُ ٢٠٪ من هذه الشواهد في قبورٍ لاحقة، وفقاً لظاهرة دمشقيّة حديثة نسبيّاً يقوم فيها أهل الفقيد بالاتّفاق مع القيّم على المقبرة بشراءِ شاهدةٍ أثريّة يطمسون فيها اسم صاحب القبر الأصلي لينقشون عليه اسم المتوفّي حديثاً. عُقِدَت النيّة على إنشاء متحف للشواهد الأثريّة داخل مقبرة الباب الصغير ولا يبدو أنّ هذا قد تحقّق.   

تنظيمُ الكتاب هو الآتي: الشواهدُ متسلسلةٌ زمنيّاً من الأقدم إلى الأحدث، يبدأ بحثُ كلٍّ منها بوصفٍ عامّ لشكل الشاهد وأبعادِهِ، والمكان الذي تواجدَ فيه، وما إذا كان لا يزال موجوداً، ثمّ نصّ الكتابة بالعربيّة مع ترجمتها الفرنسيّة، نهايةً بذكر هذا القبر أو الشاهد في التراجم والمصادر التاريخيّة إن وجد. هناك أيضاً حيّز كبير مخصّص لتحليل الخطّ ونوعه (١)، ومدى إتقانه والزخارف النباتيّة والهندسيّة الملحقة إذا وُجِدَت. 

____________

أنقل في الأسطر التالية، مع الاختصار، تعريفاً ببعض أهمّ هذه الشواهد، وما هي إلّا نزرٌ يسير مِن مخلّفات مَن دُفِنوا في هذه المقبرة الأثريّة حسب المصادر التاريخيّة، واندثرت قبورهم منذ قرون. تعود أقدمُ الشواهد إلى القرن الحادي عشر للميلاد والعهد الفاطمي. كثيرٌ من المشاهير الذين يفترض أنّهم دُفِنوا في هذه المقبرة لم يتركوا ورائهم دليلاً ملموساً (٢). 

أوّلاً. الشاهدة الأقدم على الإطلاق تعود للعام ١٠٤٨ للميلاد والعهد الفاطمي وهي لضريح فاطمة ابنة أحمد ابن الحسين ابن السبطي، التي يخلط الكثيرون بينها وبين فاطمة الصغرى ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب (٣)، والسبب بسيط كون ساكف باب غرفة المدفن يشهد بذلك!

ثانياً. شاهد قبر مؤرّخ دمشق الشهير الحافظ ابن عساكر (وفيّات ١١٧٦ للميلاد). اندثرت هذه الشاهدة  التي نعرفها فقط نقلاً عن العلموي (٤).

ثالثاً. شاهد قبر بلال الحبشي (يُفْتَرَض أنّه من وفيّات٦٤٠ للميلاد)، المؤذّن الأوّل في الإسلام. يعود الشاهد إلى العام ١٢٢٨ للميلاد، أي العهد الأيّوبي عندما جُدِّد. هناك أكثر من مكان مفترض لدفن بلال ومنهم من يرى أنّه في داريّا. 

رابعاً. ضريح سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب (يفترض أنّها من وفيّات ٧٣٥ للميلاد)، ويعود للنصف الأوّل من القرن الثاني عشر.

خامساً. شاهدة قبر الصحابي أبي الدرداء وهي حاليّاً في متحف دمشق الوطني. تعودُ إلى النصف الأوّل من القرن الثاني عشر. زَعَمَ بعضُ الرواة أنّ أبا الدرداء دُفن في مسجد قلعة دمشق، بيد أنّ هذه الرواية حديثةٌ نسبيّاً (٥).  

سادساً. ضريح التابعي (٦) كعب الأحبار اليهوديّ الأصل. اعتنق المذكور الإسلام، وإليهِ تُنْسَب الكثير من الأحاديث والروايات القديمة العبريّة المصدر عن الأنبياء. يعود الضريح إلى النصف الأوّل من القرن الثاني عشر للميلاد. 

سابعاً. ضريح مؤسّس الخلافة الأمويّة في دمشق معاوية بن أبي سفيان. جُدّد القبر المُفْتَرَض عام ١٧٠٣ في العهد العثماني أمّا عن شاهدتِهِ فهي مملوكيّة. 

____________

هذا غيض من فيض من هذه الدراسة الشديدة الأهميّة. لا يخلو البحث من الأخطاء ومنها (صفحة ١٥) حين خَلَطَ المؤلّفان بين يزيد بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية. هناك أيضاً أخطاء نادرة لدى تحويل التاريخ الهجري إلى ميلادي (٧) وبعض الأغلاط الإملائيّة. من نافل الذكر أنّ هذه الهنات لا تؤثّر على مضمون الدراسة لا كثيراً ولا قليلاً وإن توجّب التدقيق والتمحيص والمقارنة مع مصادر ثانية وثالثة حسب الحاجة.

عطّر الله ذكر خالد معاذ والدكتورة Ory. 

____________

١. أقدم الشواهد بالخطّ الكوفي، مع الانتقال بالتدريج إلى النسخي بدايةً من عهد نور الدين زنكي.
٢. هناك ذكر عابر للبعض مثل أمّ حبيبة ابنة أبي سفيان وزوج النبي التي تباكى تيمور المنافق على حالة قبرها المزرية عام١٤٠٠، وفضّة جارية النبي، والخليفة الأموي عمر ابن عبد العزيز ولكن دون دراسة شواهدهم، مما يعني على الأغلب أنّها تعود للعهد العثماني الذي لا تغطّيه الدراسة. 
٣. يفترض أنّ فاطمة الصغرى من وفيّات ٧٢٨ للميلاد. 
٤. لخّص العلموي كتاب الدارس للنعيمي، ونقل Sauvaire نصّ العلموي إلى الفرنسيّة.  
٥. شاهدة أمّ الدرداء أيضاً موجودة في متحف دمشق. هناك "أمّان" للدرداء حسب الرواة ويرجح البعض أنّها أمّ الدرداء الصحابيّة وليست أمّ الدرداء الدمشقيّة.
٦. التابعون عاصروا الصحابة وليس النبي. 
٧. للتسهيل، اعتمدت في هذه العجالة التاريخ الميلادي حصراً.

Sunday, September 3, 2017

Damascus, October 18, 1925: Qaṣr al-ʿAẓm Under Attack


History has always been a carefully chosen collection of lies and half-truths designated to promote and embellish an agreed-upon narrative—however mythical—and discard or, if need be, justify inconvenient details using, on an ad hoc basis, all sorts of convoluted and preposterous arguments.

Before approaching the theme of this post, I would like to cite an anecdote in the form of an illustrated tale I read many years ago in Tintin, a once-popular Belgian comic magazine among the youth. This tale was published in issue number 42 in the year 1969 under the title "Le pavé des martyrs."  The author, Yves Duval, had ʿAbd ar-Raḥmān al-Ġāfiqī, the Muslim conqueror, instruct his soldiers to slaughter all captives to avoid the need to feed "useless mouths." This nonsense is, of course, directed at the European youths; the aim here is to glorify the exploits of Charles Martel and demonize the savage Muslims. I aim not to exonerate al-Ġāfiqī; great conquerors are neither decent nor compassionate. It simply makes no sense to sacrifice precious war trophies such as young women and healthy children. In a nutshell, the French narrative is every bit as exaggerated and phony as the Arab one. An honest look at what really took place in the 730s before and after the Battle of Poitiers requires looking at both narratives, analyzing the data, and performing a careful cross-examination. 

Fast forward to 1925, the French Mandate, and the Great Syrian Revolution. I am not about to justify the French policy or practice in Syria; I would rather convey the French perspective as articulated by the orientalist Eustache de Lorey at the time. It thus becomes possible to compare the Syrian narrative (an unprovoked barbaric aggression against Damascus with hardly any context provided) with its French counterpart (a thuggish attack on Qaṣr al-ʿAẓm). Before I yield to Monsieur de Lorey, I would like to briefly address a few facts:

1. Al-ʿAẓm Palace was not usurped. It was purchased for a considerable sum of money by the French government from 68 owners of the al-ʿAẓm family. The smaller wing of the edifice (selamlik) was designated as the residence of the High Commissioner; the larger (ḥaremlik) was allocated for the headquarters of the French Institute for Archaeology and Muslim Art founded by General Henri Gouraud.

2. Gouraud is known from an official as well as popular Syrian perspective as the author of the infamous ultimatum against the nascent Syrian kingdom. He went on to face and defeat the troops and volunteers led by Yūsuf al-ʿAẓmā to subsequently enter Damascus. One of the first things he did—so goes the popular narrative—is to head straight to the Mausoleum of Saladin and triumphantly state, "We are back, O' Saladin!" Some even claim that he kicked the tomb out of sheer spite.

3. Gouraud was a soldier alright but also a writer and an academician. It was he who urged Father Henri Lammens to write a book about Syria's history that remains a valuable reference today, all reservations about the work and its author notwithstanding.

4. Monsieur de Lorey was a respectable scholar, credited with uncovering and restoring the mosaics of the ʾUmayyād Mosque.

I will now quote verbatim (translated from French, of course) what de Lorey had to say. I do not promote his version of the events, as it ultimately remains up to readers to compare Syrian versus French and come up with their own conclusions. 

"From the beginning of the insurrection on October 18, armed bands carried out an attack against the Residence, as they were under the impression that the High Commissioner was on the premises. The guards were violently assaulted with grenades and forced to retreat into the ḥaremlik's courtyard (the French Institute) by the insurgents, who immediately managed to dominate the terraces. 

Around 6:00 on Monday, a group of rebels returned to attack the Residence and managed to force the palace's door. The residence was looted and sprayed with petrol and put on fire as told by the very son of Ḥasan al-H̱arrāṭ, the chief of the gang, who participated in the attack. The painted woodwork that adorned the halls, the thin walls, and the chains of wood linking the masonry helped to rapidly spread the fire that soon gained the door and the wooden pavilion where the institute's director resided. 

The guards were delivered on Tuesday, October 20th. At the time they left—the beginning of the afternoon—all rooms of the palace were intact except the Residence and the pavilion. Most rooms were even closed, but the evacuation of the palace left them without protection, and the looting commenced in the afternoon. During the night of 21-22, the fire that had continued to simmer reached the great hall of ceremony at the ḥaremlik. 

Starting in the afternoon of the 20th after the abandonment of the palace, looting mainly took place in the morning of the 21st. The burnt door allowed free access to the institute's locales; those were vandalized, and their doors were forced. 

In the offices, the files were thrown to the floor, trampled underfoot, and torn apart. It was later discovered that thieves had carried administrative papers, thinking they were precious documents. The archaeological notes, impressions, collections, and drawings met the same fate. The furniture of the salons, the precious carpets, the divans, and the objects of art were all equally stolen. Even the electrical wires were pulled out. 

The library in particular suffered significant damage. The bound and illustrated books of archaeology were carried away by preference. Many portfolios of plates and books were intentionally torn apart or thrown in the basins with disdain. 

In the museum the iridescent glass, chiseled copper, and money disappeared. A remarkable libation cup from Ṭafas, precious ancient silks, and collections of Damascene ceramics excavated in Ḥanānīā and Bāb Šarqī were despoiled of their prettiest pieces. The altar dedicated to the god Manāf (?! perhaps the goddess Manāt) was thrown off its pedestal. They even broke the relief of stucco from Rey, which was the most important human representation by a Muslim artist to reach us. It was 75 cm high and featured a round-faced person of an Iranian look, standing, armed with a mace. He wore a costume that consisted of a striped turban and qafṭān, the right arm of which was surrounded with Kufic inscriptions. The long waistcoat was most interesting for studying the tissues of early Islam, as the relief seemed to fix its date in the 9th or 10th century of the Common Era. 

Also regretted is the loss of photographic equipment and a plate collection that grouped more than 2000 photos of monuments of Damascus, Aleppo, Hama, and Upper Mesopotamia." 


L'état actuel du palais Azem. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1925 (6-4)  pp. 367-372.

قصر العظم تشرين الأوّل ١٩٢٥

 

التاريخُ المكتوب لكلّ الشعوب في كل زمان ومكان، مجموعةٌ مختارةٌ بعنايةٍ فائقة من الأكاذيب وأنصاف الحقائق، يُقْصَدُ بها ترويج رواية، أو بالأحرى أسطورة معيّنة، وتجاهل كلّ ما يعاكسها، أو إذا اقتضى الأمر تبريره حتّى إذا نافى التسويغ العقلَ والمنطق. قبل الدخول في صلب الموضوع سأعطي مثالاً قرأته منذ سنوات بالفرنسيّة في المجلّة البلجيكيّة الشهيرة تان تان،  نُشِرَ بعلى أربع صفحات في العدد ٤٢ للعام ١٩٦٩ بعنوان Le pavé des martyrs (بلاط الشهداء). وَضَعَ الكاتب Yves Duval، في هذه القصّة، على لسان عبد الرحمن الغافقي، تعليماتٍ إلى جنود المسلمين بذبح الأسرى بغية توفير نفقة إطعام "أفواه لا فائدة منها". هذا بالطبع كلام فارغ الهدف منه تمجيد Charles Martel، وإدانة همجيّة المسلمين، وأدْلَجة الشبيبة الفرنسيّة؛ لا أقول هذا لاعتقادي أنّ الغافقي كان قدّيساً، فليس هناك قدّيسون أو قدسيّة في الحرب والقتل بغضّ النظر عن المسمّيات.الموضوع بكل بساطة عملي ونفعي: النساء الشابّات والأطفال الأصحّاء على الأقلّ، غنائمُ حرب ثمينة لا يفرّط فيها حتّى هولاكو وجنكيز خان. باختصار الرواية الغربيّة لا تقلّ تنميقاً وزيفاً عن نظيرتِها الشرقيّة وإذا أردنا أن نبحث في حقيقة ما حصل فعلاً في معركة Poitiers، والأحداث التي سبقتها ولحقتها في ثلاثينات القرن الثامن الميلادي، فيتعيّن علينا أن نقارن بين الروايتين أو على الأقلّ أن نذكر كليهما. 

____________

فلنقفز الآن إلى موضوع الحديث: عهد الانتداب الفرنسي وأحد أحداث الثورة السوريّة الكبرى عام ١٩٢٥. ليس هدفي هنا أن أدافع عن الفرنسييّن، بل أن أنقل بأمانة وجهة نظر المستشرق Eustache de Lorey كما نُشِرَت في حينه، أي أن أتيح للفرنسييّن رواية ما جرى في خريف الغضب هذا (استعارة من عنوان أحد كتب الراحل محمّد حسنين هيكل)، تماماً كما تترك المناهج والكتب السوريّة للسورييّن مهمّة رواية قصف فرنسا العشوائي الهمجي لسكّان دمشق المدنييّن الآمنين، دون أي تحليل يستحقّ الذكر لخلفيّات هذا القصف. 

أودُّ، قبل أن أترك الكلمة للسيّد de Lorey، أن أنوّه إلى الحقائق التالية:

١. لم يستولِ الفرنسيّون على قصر العظم عنوةً، بل اشتروه بمبلغٍ كبيرٍ من المال من الورثة من آل العظم الذين بَلَغَ عددُهم ٦٨ شخصاً، وخصّصوا القسم الأصغر منه أي السلاملك (البرّاني) مقرّاً للمندوب السامي أثناء إقامَتِهِ في دمشق، بينما خُصِّصَ الحرملك (الجوّاني) الأكبر مساحةً للمعهد الفرنسي للآثار والفنون الإسلاميّة الذي أسّسه الجنرال غورو.
٢. نعلمُ باستقراء التاريخ المُدَرَّس في سوريّا، أنّ غورو وجّه إنذارَهُ الشهير لفيصل قبل أن يواجه يوسف العظمة وجندَه ومتطوّعيه في ميسلون، ومن ثمّ دخل دمشق وذهب إلى ضريح صلاح الدين وقال "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، بل تذهب بعض الروايات إلى حدّ القول أنّه ركل الضريح!
٣. غورو لم يكن فقط جنديّاً، بل كان أيضاً كاتباً وأكاديميّاً وراعياً للفنّ والتراث، وهو الذي طلب من الأب Henri Lammens تأليف كتاب عن تاريخ سوريّا لا يزال مرجعاً قيّماً إلى اليوم مهما كانت التحفّظات عليه وعلى كاتِبِهِ.  

____________

أنتقل الآن إلى ترجمة ما كتبه السيّد de Lorey دون تزكيتهِ، وللقارئ أن يقارِنَهُ مع الأدبيّات السوريّة، والحكم بالنهاية له في تصديق أو تكذيب أي من الطرفين:

"قامت عصاباتٌ مسلّحة منذ بداية التمرّد في ١٨ تشرين الأوّل بمهاجمة المقرّ، اعتقاداً منهم بوجود المندوب السامي فيه. هاجم المتمرّدون الحرس بعنف، مستعملين الرمّانات اليدويّة، واستطاعوا السيطرة على السطوح بسرعة ممّا أجبر الحرس على التراجع إلى صحن الحرملك.
عادت جماعةٌ من العصاة حوالي الساعة السادسة يوم الإثنين إلى مهاجمة المقرّ، ونجحت باقتحام باب القصر ونهبت المقرّ، ثمّ رشّ المتمرّدون المكان بالپترول وأحرقوه، كما ذكر ابن زعيم العصابة حسن الخرّاط الذي اشترك في الهجوم. ساعد على استشراء الحريق الخشبيّات الملوّنة التي زيّنت القاعات، ورِقّة الجدران التي وصلت الأخشابُ عناصرَ بنائِها مع بعضها بعضاً. انتشرت النار حثيثاً إلى الباب والجناح الخشبي قرب المدخل، حيث يقطن مدير المعهد.
تمّ تخليص الحرس يوم الثلاثاء في العشرين من تشرين الأوّل، وكانت جميع غرف القصر لا تزال سالمةً لدى الإخلاء مع استثناء المقرّ والجناح. بقيت أغلب هذه الغرف مغلقةً، بيد أنّ إخلاء الحرس تركها دون حماية، وبالتالي استؤنف النهب بعد الظهر، وفي ليلة تشرين أوّل ٢١-٢٢ سَرَت النار إلى قاعة الاحتفالات في الحرملك.
بدأ النهب بعد ظهر ٢٠ تشرين أوّل بعد إخلاء القصر، بيد أنّ معظَمَهُ كان صباح ٢١ تشرين أوّل، بعد أن سمح احتراق الباب بالدخول إلى المعهد دون عوائق ونهبه واقتحام أبوابه.
أُلْقِيَت المصنّفات في المكاتب على الأرض، ودُهِسَت بالأقدام، ومُزِّقَت. ُضِبَط بعضُها لاحقاً مع اللصوص الذين أخذوها اعتقاداً منهم أنّها وثائقٌ ثمينة. لاقت المعاينات الأثريّة والرسوم ومجموعات القوالب نفس المصير، أمّا أثاث الصالونات والسجّاد الثمين والأعمال الفنيّة فقد سُرِقَت. ذهب المتمرّدون إلى حدّ اقتلاع الأسلاك الكهربائيّة. 
كان الأذى الذي لحق بالمكتبة بالغاً، خاصّةً المجلّدات الحاوية على الصور والمؤلَّفات المتعلّقة بالآثار. كثيرةٌ هي اللوحات والأوراق التي مُزِّقَت عمداً أو أُلْقيَت بالأحواض المائيّة إزدراءً لقيمتها. 
اختفى الزجاج الملوّن، والنحاس المنحوت، والنقود من المتحف، والكأس المقدّسة من طفس، والحرير الأثري، وأجمل قطع مجموعات الخزف الدمشقيّة التي عُثِرَ عليها خلال التنقيب في حنانيا والباب الشرقي. أُسْقِطَ مذبح الإله مناف (علّ المقصود الربّة مناة) عن قاعدتِهِ، وكُسِرَ النحت الجصّي البارز من ريّ، أهمّ تمثيل بشري معروف لفنّانٍ مسلم. كان هذا النحت بارتفاع ٧٥ من عشيرات المتر، وجسّدَ شخصاً مستدير الوجه، منتصب القامة، يحمل هراوةً إيرانيّة الطراز. تألّفَ رداءُ هذا الشخص من عمامةٍ وقفطان مخطّطين، وحملَ على الذراع اليمنى كتاباتٍ كوفيّة. كُسِيَ التمثالُ بصدريّةٍ طويلة بالغة الأهميّة لدراسة نسيج الأقمشة في بدايات العصور الإسلاميّة، ويُعْتَقَد أنّه يعود إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي.
يتعيّن علينا أيضاً التنويه بخسارة أجهزة التصوير الضوئي، ومجموعة الصفائح التي انتظم فيها أكثر من ألفيّ صورة للآثار الإسلاميّة من دمشق وحلب وحماة وبلاد ما بين النهرين".

يظهر de Lorey معتمراً برنيطة وسط طلّابِهِ في اللقطة الأولى العائدة للعام ١٩٢٢، وعلى يمينِهِ عبد الوهاب أبو السعود وعلى يسارِهِ خالد معاذ. اللقطة الثانية للسلاملك بعد حريق ١٩٢٥.



Eustache de Lorey. L'état actuel du palais Azem. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1925 (6-4)  pp. 367-372. 






  

العمارة في الحضارة الإسلاميّة


الدكتور عبد القادر الريحاوي أخصّائي في تاريخ الفنّ والعمارة وله عشرات من الأبحاث والمقالات والكتب نشرت خلال فترة قاربت النصف قرن وعلّ كتابه عن العمارة الإسلاميّة أكثرها طموحاً بشموليّته. نشر الكتاب عام ١٩٩١ وإن كانت الغالبيّة العظمى من المعلومات الواردة فيه تعود لعام ١٩٨٤ أو قبل. عدد صفحات الكتاب حوالي ٦٤٠ من القطع الكبير (٢٨ في ٢٢ من عشيرات المتر)، تزيّنها المئات من المخطّطات والصور الملوّنة أو بالأبيض والأسود من نوعيّة متفاوتة، ولكنّها إجمالاً مقبولة في عهد ما قبل التصوير الرقمي. كثيرٌ من هذه الصور لقطات للمؤلّف خلال ترحاله في العديد من البلدان على مدى عشرات السنين.

يغطّي الكتاب العمارة الإسلاميّة منذ البدايات في القرن السابع الميلادي وحتّى مطلع القرن التاسع عشر، ويعتبر الفترات التالية عهودَ تراجعٍ وانحطاط، دخلت فيها تأثيرات أوروپّا من الباروك والروكوكو والكلاسيكيّة الحديثة، وفقد الفنّ الإسلامي أصالَتَهُ وإبداعه وتحوّل إلى تقليد الغرب والاقتباس منه. تمتدّ الرقعة الجغرافيّة قيد الدراسة من الهند والسند في الشرق إلى الأندلس في الغرب. ليس العمل بالضبط موجّهاً إلى الأخصّائييّن، وإنّما بالأحرى تعريف فيه الكثير من التفاصيل المفيدة لمن يرغب بالتوسّع. أورد الكاتب بالطبع العديد من المصادر والمراجع العربيّة والأجنبيّة.   

يبدأ الكتاب بتمهيدٍ مختصر يرسم فيه الخطوط العريضة للعمارة السابقة للإسلام في الشرق الأدنى والأوسط (إيران)، وأثرها على العمارة الإسلاميّة لاحقاً، ثمّ ينتقل إلى تقديم الصفات العامّة والمشتركة للعمارة الإسلاميّة من الشرق إلى الغرب عبر اثني عشر قرناً من الزمن من ناحية التصميم والعناصر العماريّة والعناصر الزخرفيّة. اعتمد التسقيفُ على القباب، وهي عنصر شائع في العمارات الدينيّة، واعتمد أيضاً على السقوف المعقودة أو الأقباء vault. خُطَّت العمائر على نموذج الصحن المحاط بالأواوين والأروقة والعقود (الأقواس arch) والعمد column والعضائد أو الدعامات pillar والقناطر arcade، والعناية بالواجهات والبوّابات. تميّزت الأبنية الإسلاميّة من ناحية المظهر العامّ، بتنّوعِ زخارفها التي اعتمدت على المواضيع النباتيّة والهندسيّة والخطّ العربي، وتجنّبت مع استثناءات نادرة التمثيل الواقعي للكائنات الحيّة.  

____________

يتوزّع متن الكتاب على عشرة فصول، يبحث الأوّل في العمارة في العهد الأموي والثاني العبّاسي والثالث السلجوقي ثمّ الفاطمي فالأيّوبي فالمملوكي فالمغربي-الأندلسي فالعثماني فالشرقي (إيران وتركستان وأفغانستان) وأخيراً الهندي. من الطبيعي أنّه لا يمكن تغطية هذه الرقعة الجغرافيّة الشاسعة وهذه الفترة الزمنيّة الطويلة في هذا العدد المحدود من الصفحات دون الكثير من الاختزال والاختصار، وحتّى تجاوز العديد من المعالم والأوابد التي اكتفى المؤلّف بذكرٍ عابر لبعضها، وإن حاول قصارى جهده أن يغطّي ما اعتبره أهمّها تغطيةً وافية ومهنيّة. يبقى الكتاب مجهوداً فرديّاً ولا يخلو بالتالي من الأغلاط، أغلبها مطبعيّة أو أخطاء سهو كان من الممكن تلافيها بالتدقيق والمراجعة من جهات مختصّة أو ما يسمّى بالإنجليزيّة peer review. لسيت هذه الأخطاء بذات بال ولا تؤثّر على السياق العامّ للسرد، وإن توجبّ التحققّ من بعض الأرقام والتواريخ والأسماء ومقارنتها في مراجع ثانية.   

مع احترام الخطوط العريضة المشتركة بين كافّة العمائر الإسلاميّة كما سبق، لكلّ زمان ومكان ما يميّزه سواء فيما يتعلّق بمواد البناء (الحجر في سوريا والهند مثلاً والآجرّ واللبن في العراق)، وتخطيطه (الصحن المفتوح في الشام والمسقوف في البلاد الأكثر برودة كالأناضول) وأشكاله (المآذن المضلّعة لدى المماليك والنحيلة الطويلة في العهد العثماني)، وزخرفته (الغنيّة للغاية في المغرب والأندلس والمتقشّفة في المباني الأيّوبيّة) إلخ. حرص الدكتور الريحاوي على تحديد العناصر المشتركة لكل عهد وطراز في مطلع كل فصل من الفصول العشرة التي سبق ذكرها. لا مجال هنا للدخول في تفاصيل الآثار الخالدة كجامع بني أميّة الكبير في دمشق والحرم الشريف في القدس والمباني العملاقة في العهد العثماني والمنشئات البديعة في ميدان أصفهان في العهد الصفوي والحمراء في غرناطة (أجمل مباني الغرب حسب المؤلّف) وتاج محلّ في الهند (أجمل مباني الشرق أيضاً حسب رأي المؤلّف)، ولكن يمكن القول أنّها إجمالاً بلغت من النواحي الهندسيّة والفنيّة والجماليّة الكمال أو كادت. 

____________

عني المؤلّف بتخصيص عدّة صفحات في نهاية الكتاب ثبتاً قيّماً للمصطلحات glossary، بهدف تسهيل مهمّة الباحث والقارئ، وأرفَقَ مع تعريفِها بالعربيّة مقابلَها بالإنجليزيّة والفرنسيّة. يفتقرُ الكتاب مع الأسف الشديد إلى فهرس أبجدي، وهذه نقيصةٌ تشترك فيها الكثير من الأعمال العربيّة إن لم نقل أغلبيّتها. الشرح التقني إجمالاً أكثر من واف وإن صادفتني بعض الصعوبات في التفريق بين أنواع الأقواس (١)، وأعتقد أنّ الوسيلة المثلى إرفاق صور لهذه الأقواس جنباً إلى جنب مع الوصف لتسهيل التمييز بينها. أحد الصعوبات أيضاً (٢) تحديد الجهات الأربع على المخطّطات، فتارةً ترى الشمال في الأعلى (كما تعوّد أغلبُنا عليه)، وطوراً تراه مقلوباً أو معكوساً، أضِف إلى ذلك أنّ أغلب هذه المخطّطات لا تحمل شروحاً ويتعيّن البحث عن هذا الشرح في النصّ ممّا يصعّب المهمّة على الهواة من شاكلتي. 

هناك بعض الإضافات السياسيّة والدينيّة التي  يصعب تبريرُها في كتابٍ علمي عن العمارة وتاريخ العمارة: استعمل المؤلّف، على سبيل المثال، في صفحة ٣٨٠ عبارة "الاستعمار الأوروپّي يقضي على دولة غرناطة"، وصفحة ٤٠٦ تعبير "الاحتلال الإسپاني" أيضاً عن غرناطة، إلى آخِرِهِ. هذه اللغة أقرب إلى العاطفيّة منها إلى العلميّة؛ علام نعتبرُ دخول طارق بن زياد إسپانيا "فتحاً" ودخول الإسپان غرناطة "احتلالاً"؟ لا ينفي هذا بطبيعة الحال أنّ ما فعله ملوك الإسپان في أعقاب الفتح كان مستقبحاً ومستهجناً؛ القضاء على إمارة غرناطة شيء، وطرد المسلمين (واليهود) من إسپانيا شيء آخر. مسلمو إسپانيا إسپان (٣)، يميّزهم فقط دينهم وعقيدتهم، ولا يعقل اعتبارهم غرباء في بلادٍ ولدوا فبها كما ولد آباؤهم وأجدادهم. يكمن التفسير باختلاف القيم والمفاهيم والأعراف في أوروپا القرن الخامس عشر عمّا هي عليهِ اليوم، على الأقلّ من الناحية النظريّة.

يتعيّن، كي نتوخّى الأمانة، الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا الكتاب صدر عن "مركز النشر العلمي في جامعة الملك عبد العزيز في جدّة"، ومن شبه المؤكّد أنه كان خاضعاً لرقابةٍ دقيقة، وبالتالي لربّما كانت خيارات الكاتب محدودة إذا أراد لعمله أن يرى النور في مملكة آل سعود. 

يبقى هذا السفر النفيس مرجعاً قيّماً للعمارة الإسلاميّة، وإضافةً ثمينة باللغة العربيّة لموضوعٍ كتب عنه الغربيّون إلى أمد قريب، أكثر بكثير من أصحاب العلاقة. رحم الله العالم الكبير الدكتور الريحاوي.


١. الأقواس النصف دائريّة والمدبّبة سهلة ولكنّي ضعت بين الأقواس العراقيّة والفارسيّة مثلاً. 
٢. لا يقتصر عدم اتبّاع طريقة موحّدة في تحديد الجهات الأربع على الدكتور ريحاوي ولا على المصادر العربيّة. 
٣. بمعايير القرن الحادي والعشرين.  




Friday, September 1, 2017

The Temple of Aram-Damascus


The history of Damascus' dominant religious edifice spans three millennia, starting with the Temple of Hadad under the Arameans and going all the way to the ʾUmayyād Mosque, with the Roman shrine of Jupiter and St. John the Baptist's Byzantine Church in between.

There exists no shortage of palpable evidence for the Roman temple. Colossal remnants of its once magnificent propylaeum are still visible in the west, and recycled columns with beautiful Corinthian capitals are still in use in the temple's most recent Muslim reincarnation.  Vestiges of the Hellenistic and Aramean eras, on the other hand, are practically nonexistent.

The orthostat as it appeared in situ

A sensational discovery was made in the late 1940s, during restoration works near the northeast corner of the mosque. The findings were published by Emir Ǧaʿfar ʿAbd al-Qādir. The location is point C on the above diagram, where a basaltic orthostat was found encrusted under the north wall in the third row under the Hellenistic foundation. This priceless treasure was disengaged and transferred to the National Museum of Damascus, where it currently resides.

The orthostat's dimensions are 80 cm x 70 cm, with a variable thickness of 31 cm to 51 cm. It represents a winged sphinx that bears clear Egyptian influence with notable exceptions:

1. The upper part of the double crown is horizontal.
2. The shape of the beard.
3. The double wings.

 Those elements bear a striking resemblance to a Samaritan sphinx made of ivory as well as a few ivory artifacts found at ʾArslān Ṭāš that are currently preserved at the Louvre Museum in France and deemed of Phoenician provenance.

The similarities suggest an equally Phoenician origin of the Damascene sphinx, to be dated in all likelihood to the ninth century B.C. and the reign of King Hazael. The resemblance also implies that the rulers of Israel and Damascus occasionally solicited the services of Phoenician artisans.




Emir Djafar Abd El-Kader. Un orthostate du temple de Hadad à Damas. Syria. Archéologie, Art et histoire. Année 1949 (26-3-4)  pp. 191-195.