Saturday, September 15, 2018

جدلٌ حول خطّةِ إيكوشار


يحمّلُ الكثيرون إلى اليوم Michel Écochard المسؤوليّةَ الأولى في القضاءِ على قسمٍ كبير من نسيجِ دمشق العمراني. في زعمي أنّ الرجلَ بريءٌ براءة الذئب من دم يوسف ولسببٍ بسيط: Écochard (١٩٠٥-١٩٨٥) لم يكن منفّذاً، وإنّما مستشاراً طَلَبَت الجهاتُ المعنيّةُ في سوريّا رأيَهُ ولم تَكُن يوماً مُلْزَمَةً بالأخذِ بِهِ؛ ليس ذلك فحسب، بل فشلت أيضاً أو تقاعست عن تنفيذِ تواصيهِ كما هي أو تعديلِها بما يوائم تراثَ ومتطلّباتِ العاصمةِ السوريّة، وليس من المبالغة القول أنّها نفّذت أسوأ بنودِ خطّتِهِ وأهملت النواحي الإيجابيّة فيها وهي كثيرة. الأيادي التي هَدَمَت محليّةٌ وكذلك حالُ المعاول التي أجهزت على الغوطة. لربّما كان المفيد أن نطرح هنا سؤالَ دبشليم الملك المتكرّر لبيدبا الفيلسوف: وكيف كان ذلك؟   

حاولت مهندسةُ العمارة ياسمين يعقوب الإجابةَ على بعضِ هذه الأسئلة في كتيّبٍ باللغةِ الفرنسيّة عددُ صفحاتِهِ حوالي ٩٠ من القطع الصغير، يحتوي على بعضِ الصور المأخوذة من مجموعة "دمشق بالأبيض والأسود" على الفيسبوك، وكميّةٍ لا بأس بها من الخرائط الملوّنة. دقّةُ بعضِ هذه الخرائط ليست بالكافية مع الأسف (١)، أضِف إلى ذلك  بعض الأخطاء التي يصعب السكوتُ عنها (٢)؛ تقطيعُ الجملِ أيضاً ليس دائماً على المستوى المطلوب، وينطبق نفسُ الكلامِ على تنضيدِ الأسطر. 

هناك إذاً بعض الهنات في الإخراج، ومع ذلك لدينا الكثير من المعلوماتِ القيّمة لمن لا يريد أو لا يملك الوقتَ الكافي لقراءة واستقراء المشروع الأصلي (٣). 

فلنبدأ بذكر ثلاث مبادِئ جوهريّة في التخطيط العمراني في العالم الثالث كما عَرَّفَتْها المؤلّفة (صفحة ١٦-١٧): 

أوّلاً: يتعيّن أن تمتلك الدولةُ والمؤسّساتُ العامّة الموكَلَة بالتخطيطِ والتحديث القوّةَ الكافية وأدوات هذه القوّة لقمع المضاربات.
ثانياً: يجب تأمين سكن الفقراء، والفشل في ذلك يعني انتشارَ العشوائيّات، وهذه نقطةٌ في غاية الأهميّة أغفلها مشروع Écochard. 
ثالثاً: التوفيق بين متطلّبات التحديث والتوسّع وعدم المساس بالتراث المحلّي خصوصاً الإسلامي: خللٌ آخر في الخطّة الفرنسيّة الشهيرة.  

للتوضيح خطّة Écochard في الحقيقةِ خطّتان: رأت أولاهُما النورَ عام ١٩٣٥ في عهد الانتداب الفرنسي بتشجيعٍ من الجنرال الأكّاديمي هنري غورو، والثانية عام ١٩٦٨ عندما استنجدت بلديّة دمشق بالسيّد Écochard على اعتبار أنّه "الحيلة والفتيلة" (٤) كي يأتي و"يطلّع الزير من البير". فلنستعرض بسرعة الخطوطَ العريضة للخطّتين.  

خطّة Écochard-Danger ١٩٣٥ (٥)

هدفت هذه الخطّة إلى إنقاذ غوطة دمشق (٦)، كرئةِ المدينة ومتنفّسها بمساحة وقتها ٢٥٠٠٠ هكتار. ارتأى المخطِّطان توجيهَ توسّعِ المدينةِ نحو قاسيون بعيداً عن المناطق الزراعيّة، والحدّ من العشوائيّات. أعطت الخطّةُ أيضاً الأولويّة لتطوير المواصلات المحليّة والإقليميّة، وإنشاءِ طرقٍ محلّقة لتجنّب دخول تجارة الترانزيت إلى المدينة. من ناحية الصحّة العامّة أوصت الخطّةُ بتنظيم سرير بردى لمنع الفيضانات في مركز المدينة وخصوصاً المرجة، كما دعت إلى كشفِ أهمّ المعالم الأثريّة كالقلعة وضريح صلاح الدين، وبناء متحفٍ وطني (٧). سَبَقَت بعضُ هذه الأعمال تبنّي الخطّةِ بشكلٍ نهائي. الغايةُ تحويلُ دمشق إلى مدينةٍ-حديقة cité-jardin، والمُلْهِم البارون Haussmann العقل المُدَبِّر وراء تصميم پاريس البديع في عهد ناپوليون الثالث. 

خطّة Écochard-Banshoya ١٩٦٨

تجاوزَ الزمنُ ظُروفَ الثلاثينات، وزاد عددُ سكّانِ المدينةٍ كثيراً ولعدّةِ أسباب، كالهجرة من الريفِ، ونزوح الفلسطينييّن عام ١٩٤٨ ومن ثمّ أهل الجولان عام ١٩٦٧، ممّا أدّى إلى ابتلاع العاصِمة لكثيرٍ من ضواحيها؛ ترافق هذا بالتدريج مع توسّع قرى الغوطة لتصبح بحدِّ ذاتِها مدناً كبيرةً. تطلّبت هذه المعطيات الجديدة خطّةً جديدةً رَسَمَها الخبير الفرنسي مع شريكٍ ياباني في محاولةٍ لاحتواءِ تزايد السكّان وتنظيم المدينة بناءً عليه حتّى عام ١٩٨٤ (٨). باختصار، أوصَتِ الخطّةُ "الجديدة"، بهدف "حماية الغوطة"، بتوسيع العمران إلى برزة شرقاً والمزّة غرباً (!!!)، وإنشاء سدود وخزّانات لتنظيم جريان بردى، وأعطت أهميّةً خاصّةً للمدينةِ داخل السور، وبالذات الجزء الشمالي الغربي منها المتمركز حول الجامع الأموي، ونصحت بتسهيل المواصلات مِنْ وإلى هذه المنطقة، السياحيّة منها والتجاريّة، وإن تطلّب هذا تدمير النسيج العمراني اللصيق بالسور (٩). تضمّنت الخطّةُ أيضاً توصياتٍ لتوسيعِ الغوطة، وتشجيرِ قاسيون. ما يلْفِتُ النظرَ هنا الاتجاه للبناء السكني والتجاري - الصناعي على الأراضي الأكثر خصوبةً، وتشجير وزراعة الأراضي المحيطة الأقلّ ماءً وبالتالي أدنى مردوداً.   

صَدَرَ قرارٌ بمنعِ الهدم داخل أسوار المدينة عام ١٩٧٢، وتلاهُ وضعُ المدينةِ القديمة ضِمْنَ السور على قائمةِ اليونسكو، وتأسيس جمعيّة أصدقاء دمشق، وهلمّجرّا. مع الأسف كانت الأحداثُ ولا زالت تستبقُ هذه الخطوات الإيجابيّة التي أتت دائماً وأبداً متأخّرةً بسنواتٍ عن زمنِ استحقاقِها، ناهيك عن فشلها في التنبّؤِ بالتحدّيات المُنْتَظَرة من الضغط الديموغرافي، أو على أقلّ تقدير تقصيرها في استنباطِ وسائلٍ فعّالةٍ لمجابهتِهِ وعلاجِهِ وآليّات تطبيقِ هذه الوسائل. 

مشكلةُ دمشق وسوريّا في نهايةِ المطاف عالميّةٌ. بَلَغَ عددُ سكّان الإقليم الشمالي في بدايةِ عهد الوحدة حوالي أربعة ملايين، أمّا اليوم فقد تجاوَزَ خمسةً وعشرين مليوناً. للمقارنة زاد عدد سكّان المعمورة من ثلاثة بلايين عام ١٩٦٠ إلى أكثر من ثمانية بلايين اليوم، ومن المتوقّع أن يتجاوز التسعة بلايين في منتصف القرن الحادي والعشرين. أتت معظمُ هذه الزيادة في بلادٍ محدودة الموارد ومن أهمِّها الماء؛ أصف إلى ذلك أنّ استهلاكَ الفرد فقيراً كان أم غنيّاً زادَ إلى حدٍّ كبير. ننظرُ الآن لأمورٍ كالماء اليومي للطبخ والاستحمام، والكهرباء للإنارة وتشغيل مختلف الأدوات المنزليّة والمهنيّة، والمواصلات والاتّصالات، وتدفئة وتكييف البيوت لمن استطاع إليهِ سبيلاً كبديهيّات، وما كان الأمرُ كذلك في الماضي. عن نفسي فقد نشأتُ في بيت لا يعرف التدفئةَ المركزيّة بَلْهَ التكييف، وأعلمُ أنّ جدّي وجدّتي اعتمدا المنقل للتدفئة في وقت اعتْبِرَت فيهِ مدفأةُ الحطبِ من أسباب الترف وعلائم النِعَم واليسار، أمّا إذا عدنا أربعةَ أجيالٍ إلى الوراء فالضوءُ نورُ الشمس نهاراً والقناديل والفوانيس ليلاً عندما احتاج المرءُ قدراً لا بأس بِهِ من الجسارةِ ليخرجَ من بيتِهِ تحتَ جنحِ الظلام.  

____________

١. الكتيّب يُطْبَع حسب الطلب، ولربّما كان الأصل الإلكتروني؟ أفضل نوعيّةً. 
٢. مثلاً وضع حيّ المهاجرين بين الصالحيّة غرباً وحيّ الأكراد شرقاً صفحة ٣٤. 
٣. خطّة Écochard (١٧٣ صفحة) متوافرة للتحميل بالمجّان. 
٤. بحدِّ ذاتهِ أمرٌ مؤسف، إن لم نقل مخزٍ ومشين. 
٥. خطّة Écochard-Danger متوافرة للتحميل. 
٦. في الثلاثينات أي عندما كان هذا الإنقاذ لا يزال في حيّز الإمكان. 
٧. إسهامُ Écochard في المتحف الوطني لا يُنْكَر. 
٨. من نافل القول أنّ الخطّةَ الثانية أصبحت أيضاً لاغيةً بعد انقضاء نصف قرن، وإن تعامل معها البعضُ وكأنّها "خرطها الخرّاط ثمّ طبّ ومات". 
٩. كما كان مصير سوق ساروجا مثلاً. 

____________

للمزيد من القراءة يمكن الرجوع إلى كتاب "دمشق من العثمانييّن إلى أيّامِنا" لمؤلِّفِهِ Degeorge



3 comments:

  1. Part of the significant destruction of old Damascus houses have happened during the mid 70's and beyond when a wife of a Syrian foreign minister and her "business friends and profiteers"
    made huge investments by that destruction.. A little known or talked about details!!

    ReplyDelete