Saturday, January 10, 2026

أقدم الدراسات الأوروپيّة عن النصيرييّن

 


انتَقَلَ تاريخُ النصيرييّن مع المبشّر الإنجليزي Samuel Lyde (١٨٢٥ - ١٨٦٠)، من مرحلةِ الإشاعاتِ والأقاويلِ المتداوَلة، إلى مرحلةِ الدراساتِ المبنيّةِ على الاحتكاكِ اليومي مع أصحابِ العلاقة. زار Lyde الجبل صيف ١٨٥٢ بِنيّةِ تأسيسِ مدرسةٍ مسيحيّةٍ تبشيريّةٍ في الإقليم، واستُقْبِلَ بالترحاب، ونَشَرَ على إثر ذلك كتابَهُ الأوّل "النصيريّة والإسماعيليّة" عام ١٨٥٣. قَدَّرَ المؤلّفُ عددَ الطائفة الإجمالي آنذاك بأقلّ من مائتيّ ألف (صفحة ٢٨٩)، وذَكَرَ أنّ أهلَ السهول يخشونَهُم كلصوصٍ وقطّاع طرق (صفحة ٢٩٢)، ونوّه بلجوئهم إلى الكذب لإخفاءِ دينِِهِِم (صفحة ٢٩٣)، وبممارستهم تعدّد الزوجات وتبادل النساء (صفحة ٢٩٤)، وبجاهزيَّتِهِم للتبشير المسيحي وحسن ضيافَتِهِم (صفحة ٢٩٥)


كلّ هذا قبل أن يبدأ Lyde إقامَتَهُ الطويلة في قرية بحمرا مع عشيرة الكلبيّة من ١٨٥٣ حتّى ١٨٥٩، حيث أسَّسَ مدرسةً وبعثةً تبشيريّةً كأوّل أوروپيّ عاش مع النصيريّة. أضِف إلى هذه الإقامة نجاحَهُ في اقتناءِ مخطوطةٍ فريدةٍ عنوانُها "كتاب المشيخة"، اشتراها من تاجرٍ مسيحي في اللاذقيّة لقاء عشرة جنيهات (١) استرلينيّة. مزيدٌ عنها أدناهُ. 


تمخّضَ عن هذه الإقامة + المخطوطة المذكورة كتابُ Lyde الثاني والأهمّ بعنوان "السرّ الآسيوي في تاريخ وديانة النصيريّة في سوريّا ووضعهم الراهن" الذي صَدَرَ عام ١٨٦٠، بُعَيد وفاة المؤلّف الشابّ في الإسكندريّة في نيسان من نفس السنة. ناهز طولُ الكتاب ثلاثمائة صفحة ويعتَبَرُ عملاً رائداً وأوّل بحث مكرّس للطائفة النصيريّة وتاريخها ومعتقداتِها، والكتاب الوحيد في الغرب عن هذه الطائفة إلى أن ظهرت دراسة Dussaud عام ١٩٠٠. 


اعتمدت دراسة Lyde هذه إلى درجةٍ كبيرةٍ على كتاب المشيخة المذكور أعلاه، أو "دليل المشايخ" المكتوب بخطّ يد الشيخ محمّد من قرية بشراغي (٢). بَلَغَ طولُ هذه المخطوطة ١٨٨ صفحة مليئة بالأخطاء النحويّة وغير النحويّة، أمّا عن تاريخِ نَسْخِها فيعود إلى عام ١٢٣٩ للهجرة الموافق ١٨٢٤ للميلاد. هذا الكتاب هو الوثيقة الأقدم المعروفة عن عقائد النصيريّة (الثالوث: المعنى والإسم والباب) وطقوسِهِم، و"برهان" ألوهيّة علي. تتقاطع محتويات "كتاب المشيخة" مع باكورة سليمان أفندي الأذني في كثيرٍ من المواقع ولكنّها لا تطابِقُها (٣). 


سَمَحت إقامة Lyde لعدّة سنوات بأخذ فكرةٍ أكثر موضوعيّةً عن الطائفة، بالقدر الذي يمكن لنا أن نتوقَّعَهُ من مبشّرٍ  مسيحي أوروپيّ متديّن. نفى المؤلّف على سبيل المثال الاتّهامات ضدّ النصيرييّن بالفحش والإباحيّة وزنا المحارم كافتراءاتٍ لا أساس لها من الصحّة (صفحة ١٠٢)، والتمس لهم العذر أو كاد في غزواتِهِم للسهول ونهب وقتل أهاليها (صفحة ٢١٩) متذرّعاً بالضغط الناجم عن اضطهادِهِم على يد السلطات، وامتَدَح ديانتهم التي تنهى عن الموبقات، وتدعو لمعاملة إخوتك بالحسنى، والإحجام عن التكبّر، ومعاملة الجار كما تحبُّ أن يعامِلَكَ (صفحة ٢٢١ - ٢٢٢) وغير ذلك. 


المثالب مع الأسف أكثر بكثير من المناقب، على الأقلّ في رأي Lyde. تعاليمُ النصيريّة النبيلة، اللهمّ إذا طُبِّقَت، موجّهةٌ لأبناءِ دينِهِم فقط ولا تسري على "الأغيار" (صفحة ٢٢٢). الشجارُ والسبابُ متفشّيان في الطائفة (صفحة ٢٢٣) إلى درجة لعن دين المبشّر الإنجليزي في بيتِهِ (صفحة ٢٢٤). سَرَقَ بعضُ الأهالي من بطّيخ Lyde. تصرّفاتُ النصيريّةِ أشبه ما تكون بنزواتِ الأطفالِ الفاسدين، وتقلّبُ مزاجِهِم يؤدّي إلى وقاحتِهِم وسفاهَتِهم تارةً، وتذلّلِهم وخنوعِهِم طوراً. الضيافةُ، خصوصاً لدى مشايخ النصيريّة، هي "فضيلَتُهم الوحيدة". 


استَدْرَكَ Lyde (صفحة ٢٢٥ - ٢٢٦) فأفتى بأنّ الانحطاط الأخلاقي لدى النصيريّة لا يتجاوز ما نراه في الأمم الغربيّة، وارتأى أنّ الزواجَ المبكّرَ لديهِم صحّي من الناحيةِ الأخلاقيّة، بيد أنّهُ تحفّظ فكَتَبَ أنّ نومَ أفراد الأسرة في غرفةٍ واحدة، وحرمان الإناث من التعليم والدين، يؤدّيان إلى الانحلال الأخلاقي. ما كان لأمّةٍ تسمح بتعدّد الزوجات وحريّة الطلاق أن تدّعي أخلاقيّتَها.  


نساءُ النصيريّة سافراتُ الوجه، يعملنَ بنشاطٍ، بيد أنّ بذاءةَ ألسنتَهنَّ لا تقلُّ عن الرجالِ (صفحة ٢٢٦). النصيريّون يقسِمون ويكذبون في أيمانِهم بمنتهى السهولة. الكذبُ والخداعُ متفشّيان في المشرق عموماً (صفحة ٢٢٧). السكرُ والعربدةُ، لمن استطاع إليهما سبيلاً، من رذائلِ النصيرييّن. 


ليس رأي Lyde بسائر الطوائف على الساحل السوري أفضل بكثير من رأيِهِ بالنصيريّة، إذا كان أفضل على الإطلاق. "إقليم اللاذقيّة في منتهى الفساد"، وأهل المدينة يعلّمون الأنصاريّةَ الشرَّ (صفحة ٢٢٨)، وينحطّون نتيجةً لاحتكاكِهِم مع سكّان الجبال، تحت مستوى أبناءِ دينِهِم في سائرِ أرجاء سوريّا. أهلُ اللاذقيّةِ فاسدون، ومسيحيّوها جَهَلَة. إلى أخِرِه.


للحديث تتمّة.  




____________


١. مبلغ كبير في سوريّا منتصف القرن التاسع عشر يفوق المائتيّ دولار أمريكي بعملة اليوم.

٢. أو Bishrago حَسَب تهجئة المؤلِّف (صفحة ٢٣٣). 

٣. فُقِدَت المخطوطة بعد وفاة Lyde، إلى أن اكْتُشِفَت مؤخّراً (عام ٢٠١٣) في المكتبة القديمة لكليّة يسوع في Cambridge. "كتاب المشيخة" غير متاح رقميّاً في الوقت الحالي ويبقى الاعتماد بالتالي على ترجمةِ مقتطفاتٍ منه إلى الإنجليزيّة كما أورَدها Lyde في الصفحات ٢٣٣ - ٢٦٩ من كتابِهِ الثاني. 

No comments:

Post a Comment