لم يطرأ تحسّنٌ يستحقُّ الذكر على وضع النصيريّة بعد رحيل الصليبييّن. بالإمكان الحكم على صِحَّةِ هذه المقولة باستقراء الفتوى الشهيرة لشيخ الإسلام ابن تيميّة (١) وممّا جاء فيها:
"وقد اتّفَقَ علماءُ المسلمين على أنّ هؤلاء لا تجوز مناكحتُهُم؛ ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوّج منهم امرأة ولا تُباح ذبائحُهُم ...
ولا يجوز دَفْنُهُم في مقابرِ المسلمين ولا يصلّى على من ماتَ مِنْهُم ...
وإذا أظهروا التوبةَ ففي قبولها منهم نزاعٌ بين العلماء؛ فَمَن قَبِلَ توبَتَهم إذا التزموا شريعةَ الإسلام أقرَّ أموالَهُم عليهِم، ومن لم يَقْبَلها لم تُنْقَل إلى ورثتِهِم من جِنْسِهِم؛ فإنّ مالَهُم يكون فيئاً لبيتِ المال؛ لكن هؤلاء إذا أُخِذوا فإنّهم يظهرون التوبةَ؛ لأنّ أصلَ مذهَبِهم التقيّة وكتمان أمرِهِم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف ...
ولا ريب أنّ جهادَ هؤلاء وإقامة الحدودِ عليهم من أعظمِ الطاعات وأكبرِ الواجبات وهو أفضل من جهادِ من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإنّ جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدّين ..."
باختصار ارتأى ابن تيميّة أنّ النصيريّةَ مرتدّون، وأنّ التزاوجَ معهم من المحرّمات، والجهادَ ضِدَّهم فرض. قبولُ "توبة" النصيرييّن أمرٌ فيه خلاف، وإذا لم يتوبوا فلا حقّ لهم بتوريثِ مالِهم لذريّتِهم.
هناك أيضاً شهادة ابن بطوطة (٢):
"الطائفة النصيريّة الذين يعتقدون أنّ علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلّون ولا يتطهّرون ولا يصومون. وكان الملك الظاهر ألزَمَهم بناءَ المساجدِ بقراهم، فبنوا بكل قريةٍ مسجداً بعيداً عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمرونه. وربّما أَوَت إليهِ مواشيهُم ودوابّهُم وربّما وَصَلَ الغريبُ إليهم فينزل بالمسجد ويؤذّن إلى الصلاةِ فيقولون لا تنهق عَلَفُكَ يأتيكَ وعددهم کثير.ً
الكلام عن الظاهر بيبرس طبعاً. انتهى الأمر بالنصيريّة إلى التمرّد في عهد السلطان الناصر محمّد كما ذَكَرَ ابن بطوطة:
"فغدروا مدينةَ جبلة، وأهلُها في صلاة الجمعة، فدخلوا الدور، وهتكوا الحريم . وثار المسلمون من مسجِدِهم، فأخذوا السلاحَ وقتلوهم كيف شاءوا واتّصل الخبرُ باللاذقيّة، فأقبل أميرُها بهادر عبد الله بعساكره ... واتّبعوهم حى قتلوا منهم نحو عشرين ألفاً، وتحصّن الباقون بالجبال. وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه ديناراً عن كلّ رأس، إن هو حاوَلَ إبقاءَهُم. وكان الخبرُ قد طير بِهِ الحمام إلى الملك الناصر. وصَدَرَ جوابُهُ أن يحمل عليهم السيف. فراجعَهُ ملك الأمراء، وألقى له أنّهم عمّال المسلمين في حراثةِ الأرض، وأنهم إن ُقِتلوا ضَعِفَ المسلمون لذلك، فأمَرَ بالابقاءِ عليهِم."
خلاصة الاقتباس الأخير من ابن بطوطة أنّ النصيرييّن غدروا بأهل جبلة، فجرَّدَ عليهم الأمير بهادر عبد الله (٣) حملةً وقَتَلَ منهم حوالي عشرين ألفاً. عَرَضَ من بقي على قيدِ الحياة من النصيريّة دَفْعَ فديةٍ، بيد أنّ السلطان أبْرَمَ أمْرَهُ بإبادَتِهِم، وإن قَرَّرَ بالنتيجةِ حَقْنَ دمائِهِم عندما بيّن لهُ عاملهُ أهميَّتَهُم الاقتصاديّة للمسلمين وأنّه لا غنى عنهم في فلاحةِ الأرض.
الصورة الملحقة لنقش بيبرس الكتابي على البرج الرابع لقلعة دمشق، أما النصّ فمن السورة الأولى في كتاب المجموع (٤).
يتبع.
____________
١. ابن تيميّة وفيّات ١٣٢٨ للميلاد.
٢. وفيّات ١٣٦٨ م.
٣. بهادر بن عبد الله الجمالي من وفيّات ١٣٨٤ للميلاد. أحد مماليك السلطان الناصر محمّد.
٤. الباكورة صفحة ٨. يمكن أيضاً مراجعة دراسة Dussaud صفحة ١٨٢. كتاب المجموع مؤلّف من ١٦ سورة عن صلوات النصيرييّن وتعليمِهِم الديني. لا معلومات مؤكّدة لدينا (Dussaud صفحة XIV) عن المؤلّف والتاريخ. أفاد صاحبُ الباكورة، أي سليمان أفندي الأذني، أنّ العقيدة والصلوات النصيريّة بِشَكْلِها النهائي تعود إلى الخصيبي. تقولُ الروايةُ الأكثر تداولاً أنّ كتاب المجموع الحاوي على وصايا علي من تأليف النبي محمّد الذي وهَبَهُ للنصيرييّن دون كَشْفِهِ للمسلمين.

No comments:
Post a Comment