اختلطت الحقائقُ مع الأساطير في الروايات المحليّة والإستشراقيّة عن النصيرييّن حتّى القرن التاسع عشر على الأقلّ كما رأينا. ذكرتُ في هذا الصدد عدداً من الأمثلة، وأضيفُ إليها اليوم عيّنةً من كتابات Rousseau نُشِرَت عام ١٨١٨ (١) وما هي إلّا غيضٌ من فيض.
آن الأوان لإعمال العقل في المعلومات المتوافرة عن النصيرييّن، كما حاول الأب Lammens في مقالِهِ المَرْجِعي عام ١٨٩٩، و Dussaud في كتابِهِ عام ١٩٠٠. نقاطُ الاختلاف بين المُسْتَشْرِقَين هامّةٌ، بيد أنّهما يتّفقان على الكثير.
أقرّ Lammens (٢)، مستنداً إلى باكورة سليمان أفندي، بوجود قرائن على التهتّك الجنسي promiscuité لدى النصيريّة، بيد أنّه شدّد على أنّهم، على عكس سائر الطوائف الإسلاميّة، لا يكرهون المسيحييّن (٣)، ونوّه بأوجه الشبه بين القدّاس المسيحي ونظيره النصيري (٤): استعمال البخّور والشموع والنبيذ وتبادل القبلات. القدّاس النصيري استعار من المسيحيّةِ الكثير ومن الإسلام لا شيء عمليّاً. النصيريّون باختصار، حسب Lammens، مارسوا في الماضي ضرباً من المسيحيّة امتزج لاحقاً مع معتقدات غلاة الشيعة (٥). نَهَلَ النصيريّون (٦) من مَعين المسيحيّة لإغناء معتقداتِهِم وتطويرِ طقوسِهِم وشعائِرِهم، بينما لجأ المسلمون، لنفس الغاية، إلى الواحديّة والمانويّة والغنوصيّة.
أشار Dussaud إلى الكثير من المنشورات العربيّة والغربيّة عن النصيرييّن، وانتهى به المطافُ (٧) إلى دحض الاتّهاماتِ ضدّهم كافتراءاتٍ لا أساس لها من الصحّة. استمدّت ديانةُ النصيرييّن، حسب Dussaud، أساطيراً ملفتةً للانتباه، نَسَجَها الخيالُ الشرقي. أثارَ غموضُ المعتقدات النصيريّة فضولَ الأوروپييّن منذ الفترة الصليبيّة، وتلذّذ الغربيّون بمنتهى الحماس في تداول الأقاويل والشائعات، وإظهارِِ نفورِِهم الأخلاقي من ممارسات النصيرييّن الفاضحة المزعومة. زار Dussaud جبالَ النصيريّة ثلاثَ مرّاتٍ في نهايات القرن التاسع عشر، ولم يعثر على أي دليل يبرّر الشائعات المُتَناقَلة التي تبنّاها الكثيرون كمسلّماتٍ لا يرقى إليها الشكّ.
للحديث تتمّة.
____________
١. المسح الضوئي الملحق. احتوى مقال Joseph Rousseau (١٧٨٠ - ١٨٣١) على الكثير من الأخطاء التي صحّحَ de Sacy (١٧٥٨ - ١٨٣٨) أكثَرَها فداحةً في الحواشي (Dussaud صفحة XXVII).
٢. صفحة ٣٢ حاشية ٧.
٣. لامنس صفحة ٣١.
٤. لامنس صفحة ٣٠. الخمر يُدْعى "عبد النور" في كتاب "الباكورة" (صفحة ٣٩: "وصدِّقوا يا مؤمنين أنّ شخص عبد النور حلالٌ لكم مَعَكم حرامٌ عليكم مع غيرِكم".
٥. خلافاً لرأي Dussaud بطغيان التأثير الإسماعيلي في ديانة النصيرييّن، واختلاطِهِ بالعبادات السابقة للإسلام والمسيحيّة.
٦. لامنس صفحة ٣٢.
٧. دوسّو صفحة ١٥٩.

No comments:
Post a Comment