Sunday, January 4, 2026

نصيريّون وصليبيّون واسماعيليّون

 


نَقَلَ الأسقف الماروني يوسف سمعان السمعاني (١٦٨٦ - ١٧٦٨) عن التاريخ السرياني لابن العبري (١٢٢٦ - ١٢٨٦) كيف قَتَلَ الصليبيّون عدداً كبيراً من النصيرييّن أثناء زَحْفِهِم من المعرّة عَبْرَ لبنان (١) عام ١٠٩٨ للميلاد. أطلق بعضُ مؤرّخي الفترة الصليبيّة على النصيرييّن تسمية Nossorites، وذكروا أنّهم مارسوا ديانةً غامضة (٢). 


منظور ابن تيميّة مختلفٌ جذريّاً عن رواية ابن العبري، ويتلخّص بأنّ النصيرييّن وحّدوا جهودَهم مع الصليبييّن:

"من المعلوم عندنا أنّ السواحلَ الشاميّة إنّما استولى عليها النصارى من جهتهِمِ وهم دائما مع كلِّ عدوٍّ للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين. ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار . ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين ... فهؤلاء المحادون لله ورسولِهِ كثروا حينئذ بالسواحلِ وغيرها فاستولى النصارى على الساحل؛ ثمّ بسببِهِم استولوا على القدسِ الشريف وغيرِهِ". 


كلام ابن تيميّة واضحٌ لا لَبْسَ فيه بيد أنّ Lammens تحفَّظَ بالقول أنّ سياق الفتوى لا يفرّق بين النصيريّة والإسماعيلييّن. 


لم يهتمّ الإفرنج كثيراً بالنصيرييّن الذين بَذَلوا جَهْدَهم في تجنُّبِ كلّ ما من شأنِهِ جذب الانتباهِ إليهم وإلى ممارساتِهِم الدينيّة الخاصّة. شكّلَ الباطنيّة الإسماعيليّون آنذاك تحدّياً أكبر للغزاة الأوروپييّن الذين اكتفوا بتطويقِ الجبل بسلسلةٍ من الحصون (٣) دون محاولة التغلغل فيه. 


لم يكن للإسماعيلييّن وجودٌ يذكر في جبل السمّاق (٤) قبل مطلع القرن الثاني عشر للميلاد، عندما طُرِدوا من المدن ولاذوا بالجبال ليستحوذوا فيها، بالحيلةِ أو بالقوّة، على عدّةِ حصون منها القدموس ومصياد (مصياف)، وهكذا وقع النصيريّون بين مطرقة الصليبييّن وسندان الإسماعيلييّن، واعتنق بَعْضُهُم المعتقدات الاسماعيليّة ومنهم راشد الدين سنان (٥).


اشتدّت وطأةُ الإسماعيلييّن (الحشّاشين كما دَعَتهم مصادر الغرب) على النصيرييّن المسالمين، الذين جَعَلَتْهم تجزئتُهُم تحت رحمة الباطنيّة. تراكمت الأحقادُ المُتَبادَلة تحت الرماد وتأجّجت بين الحين والآخر في صراعاتٍ دامية. 


يتبع. 



اللوحة الملحقة لابن العبري والنصّ عن الصفحة ٦٦ من دراسة Dussaud



____________


١. امتدّ جبل لبنان حسب بعض بعض الكتّاب العرب (ابن جبير وابن بطوطة) حتّى أنطاكيا: Lammens صفحة ٦ حاشية ١

٢. لامنس صفحة ١٨. 

٣. حصن الأكراد (قلعة الحصن)، برج صافيتا، قلعة بعرين أو Montferrand، والحصن المتاخم لحدود كونتيّة طرابلس

٤. جبل السمّاق هو التسمية التي أطْلَقَها الجغرافيّون العرب على جبال النصيريّة أو Bargylus (لامنس صفحة ٦ حاشية ١)، مع التنويه بتسمية نفس الإقليم جبل اللكام من قِبَل أبي الفداء. الرأي الأكثر قبولاً اليوم أنّ السمّاق هو جبل الأعلى بينما اللكام الأمانوس. 

٥. المعروف للغرب تحت تسمية شيخ الجبل. لا أدري من أين أتى Lammens بمعلومة أنّه نصيري مارق باستثناء استشهادِهِ بالمجلّة الآسيوية الصادرة بالفرنسيّة عام ١٨٧٧

No comments:

Post a Comment