اعتَبَر Dussaud "كتابَ الباكورة السليمانيّة في كشف أسرار الديانة النصيريّة" وثيقةً ثمينةً "fort précieux" (١). ذَهَبَ Lammens أبْعَدَ من ذلك، بالتوكيد أنّ المقارنة عندما أُتيحَت أيّدت مصداقيّة سليمان أفندي (٢)، وأنّ الباكورة كانت دَليلَهُ الرئيس في دراسَتِهِ الصادرة عام ١٨٩٩ (٣).
أقتصرُ اليوم على تلخيص تاريخ الباكورة (الكاتب والناشر والمترجمين)، مع نبذةٍ سريعةٍ عن محتوياتِها، على نيّةِ العودةِ إلى الموضوع الشائك المتمثّل في مصداقيّتِها.
صَدَرَ كتاب "الباكورة" في بيروت عام ١٨٦٣ على نَفَقَةِ مؤلّفِهِ، ودون ذِكِرِ تاريخِهِ ومكانِ كتابَتِهِ. الكاتب سليمان أفندي الأذني (٤) المارق عن النصيريّة. تُرْجِم الكتاب بتصرّف إلى الإنجليزيّة على يد Salisbury، ونشَرَتهُ مجلّة الجمعيّة الشرقيّة الأمريكيّة في عَدَدِها الثامن الصادر عام ١٨٦٤ (٥) بفضْلِ الدكتور Van Dyck (٦) الذي لم يحاول إصلاح لغة الباكورة العاميّة، وإن حذَفَ عدداً من الفقرات التي وَجَدَها خادشةً للحياء.
صادَفَ Dussaud صعوباتٍ جمّةً إلى أن استطاع الحصول على نسخةٍ من كتاب الباكورة النادر الذي استندَ إلى معطياتِهِ في دراسَتِهِ المرجعيّة عن النصيرييّن (٧)، التي أهّلته في حزيران ١٨٩٩ لنيل إجازة من شعبة التاريخ وفقْه اللغات في المدرسة التطبيقيّة للدراسات العليا.
____________
نأتي الآن إلى كتاب الباكورة وهو بطول ١١٩ صفحة موزّعة على الفصول الآتية:
- الفصل الأوّل (بعد المقدّمة): كتاب المجموع (صفحة ٧ - ٣٤)، وهو مؤلّف من ١٦ سورة عن صلوات النصيرييّن وتعليمِهِم الديني. لا معلومات مؤكّدة لدينا (Dussaud صفحة XIV) عن المؤلِّف والتاريخ. أفاد صاحبُ الباكورة، أي سليمان أفندي الأذني، أنّ العقيدة والصلوات النصيريّة بِشَكْلِها النهائي تعود إلى الخصيبي. تقولُ الروايةُ الأكثر تداولاً أنّ كتاب المجموع الحاوي على وصايا علي من تأليف النبي محمّد الذي وهَبَهُ للنصيرييّن دون كَشْفِهِ للمسلمين.
- الفصل الثاني (٣٤ - ٣٦) عن الأعياد النصيريّة ومنها الغدير والأضحية (الأضحى) والبربارة وميلاد المسيح والغطاس ويوحنّا المعمدن والشعانين والعنصرة وعيرها.
- الفصل الثالث (٣٦ - ٥٩) في وظيفة المشايخ النصيريّة وصلوات أعيادهم يحتوي على قّداسات وترانيم النصيريّة (٨).
- الفصل الرابع (٥٩ - ٦٥) في الهبطة، أي سقوط النصيرييّن من أنوارٍ مضيئةٍ (في السماء) إلى العالم السفلي (الأرض) بعد أن غَضِبَ عليهم علي بن أبي طالب (الله). الشبه مع رواية سفر التكوين والقرآن لا يحتاجُ إلى تعليق.
- الفصل الخامس (٦٥ -٨١) في بعض أشعار النصيريّة الدينيّة بما فيها الخمريّات.
- الفصل السادس (٨١ - ٨٤) في بعض عقايد النصيريّة: تناسخ الأرواح والتقيّة والقَسَم وهلمّجرّا.
- الفصل السابع (٨٤ - ١٠٥) في كشف أسرار الخاصّة في النصيريّة. يتعرّض سليمان أفندي هنا إلى ما وَصَفَهُ بخرافات النصيريّة والأسباب التي حَمَلَتهُ على الارتداد عن دينِهِم.
- الخاتمة (١٠٥ - ١١٩) في الردّ على النصيريّة: "عبادة وثنيّة باطلة" (صفحة ١٠٧)، "اعتقادكم أنّ ربّكم هو علي بن أبي طالب" (صفحة ١٠٩)، إلى آخِرِهِ.
____________
لا شكّ أنّ باكورةَ سليمان أفندي وثيقةٌ تاريخيّةٌ هامّة، بيد أنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّها أصليّةٌ، تعكِسُ بالفعل المعتقدات النصيريّة كما تبلورت قبل ألفٍ ونيّفٍ من الأعوام. من الواضح أنّ الفصول الأخيرة من تأليف سليمان أفندي أو كاتبٍ ما من القرن التاسع عشر (إذا رفضنا قبول أنّ الأذني شخصيّةٌ تاريخيّة). ماذا عن كتاب المجموع والقدّاسات والترانيم التي تشكِّلُ مَتْنَ العقيدة ومنهج الشرائع؟
يتبع.
____________
١. صفحة XIV من كتاب "تاريخ وديانة النصيرييّن" الصادر عام ١٩٠٠. أدْرَجَ Dussaud الباكورة على رأس المراجع الكثيرة التي ذَكَرَها.
٢. لامنس "النصيريّون: ملاحظات عن تاريخِهِم وديانتِهِم" صفحة ٧.
٣. لامنس صفحة ٣٣. مع ذلك تحفّظ المستشرق البلجيكي على بعض محتويات الباكورة كما سنرى لاحقاً.
٤. أو الأضني. لنا إليه عودةٌ.
٥. صفحة ٢٢٧ - ٣٠٨.
٦. الدكتور Cornelius Van Dyck مبشّر وطبيب أمريكي. دَرَّسَ الطبّ في الكليّة الپروتستانتيّة السوريّة (الجامعة الأميركيّة في بيروت لاحقاً)، وإلى هذا المستشرقِ الضليع يعود الفضلُ في نقل النسخة الپروتستانتيّة من الكتاب المقّدس إلى العربيّة.
٧. حَصَلَ Dussaud على نسخَتِهِ بفضلِ مساعي Adolphe Geofroy (١٨٣٦ - ١٩٠٤)، قنصل فرنسا في اللاذقيّة آنذاك.
٨. يحمل المصطلحان "قدّاس" و"ترنيمة" طابعاً مسيحيّاً ولا شكّ بكون هذين التعبيرين من الأسباب التي دَفَعَت Lammens إلى الاعتقاد بطغيان الأثر المسيحي على الإسلامي في المعتقدات النصيريّة. هناك أيضاً الأعياد المسيحيّة الكثيرة التي يحييها النصيريّون حَسَب الباكورة.

No comments:
Post a Comment