لم يطرأ تغيّرٌ يُذكَر على وضع النصيرييّن في بدايات العهد العثماني (١)، بيد أنّهم استفادوا، مع مرور الوقت، من ضعف الحكومة المركزيّة وانحطاط الإسماعيلييّن، لاستعادة استقلالِهم المفقود، والثأر من مضطّهديهم.
لجأ النصيريّون إلى الخديعة (٢) عام ١٨٠٧، عندما استجارت إحدى قبائِلُهُم بأمير قلعة مصياد (٣) بذريعةِ خلافٍ مع شيخِها. قَبِلَ صاحب مصياد الإسماعيلي استضافتَهم بكل سرور، منتهزاً ما اعتقَدَهُ فرصةً للتفريق بين خصومِهِ، وسمح لثلاثمائةٍ منهم بالإقامةِ في مصياد على حساب عدد من العائلات الإسماعيليّة التي أمَرَها بالرحيل بهدف استعياب النصيرييّن. دام السلامُ بين الوافدين ومضيفيهِم عدّةَ أشهر، إلى أن قلب النصيريّون للإسماعيلييّن ظَهْرَ المجنّ، وقتلو الأمير وابنِهِ وكلّ من بقي في بيتِهِ أثناء غياب معظم الرجال في الحقول، واستولوا على القلعة. انضمّ إليهم في اليوم التالي عددٌ كبيرُ من أبناء جلدَتِهم وثَبَت بذلك أنّ نزوحهم المزعوم ما كان إلّا مؤامرة حيكت بعناية عن سبق الإصرار، وكُتِمَت لمدّةِ ثلاثة أشهر. بَلَغَ عددُ قتلى الإسماعيلييّن ثلاثمائة، وهرب الكثيرون منهم إلى حماة وحمص وطرابلس وهاجم النصيريّون ثلاثةَ معاقِلٍ إضافيّةٍ لهم في الجبل.
استنجدَ الإسماعيليّون بوالي دمشق كنج يوسف باشا؛ جَرَّدَ هذ الأخير حملةً قوامُها أربعة أو خمسة آلاف جندي ضدّ النصيرييّن، ونجح في استعادة قلاع الإسماعيلييّن، بيد أنّه احتفظ بما نُهِبَ منهم لنفسِهِ. لم يتجاوز عدد النصيريّة في قلعة مصياد الأربعين رَجُلاً ومع ذلك لم يتمكّن منهم جيش الوالي إلّا بعد ثلاثةِ أشهر.
عَزَلَ الباب العالي كنج يوسف باشا عام ١٨١٠ ونفاهُ، وعاد الإسماعيليّون إثر ذلك إلى مصياد التي يقطُنُها اليوم (٤) حوالي ٢٥٠ أسرة إسماعيليّة و ثلاثون أسرة مسيحيّة. عَقَد الأسماعيليّون العزمَ على الثأر من النصيريّة ولكنّهم ضعفاء، ولا أعتقد (٥) أنّهم يستطيعون تجنيد أكثر من ثلاثمائة من حَمَلة البنادق، بينما بإمكان النصيرييّن جمع ثلاثة أضعاف هذا العدد.
____________
كان الاحتلال المصري كارثيّاً على النصيريّة (٦). تغلغل إبراهيم باشا في الجبل ونَزَعَ سلاحَ أهْلِهِ ودَمَّرَ جميعَ قِلاعِهِ. أصبحَ النصيريّون مجدّداً تحت سطوة زعمائِهِم الوطنييّن بعد رحيل المصرييّن، وآخرهم إسماعيل خير بك الذي اشترى مَنْصِبَهُ من الدولة العثمانيّة بثلاثمائة ألف فرنك، حَصَل لقائَها على صلاحياتٍ مُطْلَقة دَفَعَت الأتراك بالنتيجة إلى التدخّل عام ١٨٥٨ عندما قُتِلَ إسماعيل غدراً وخيانةً على يد أحد أقارِبِهِ. قسّم العثمانيّون الجبل إثر ذلك إلى قائممقامات عيّنوا عليها موظّفين أتراك وجعلوها تابعةً مباشرةً للحكومة المركزيّة، كما كان الحال في سائر بلاد الشام.
افتقر الإقليمُ إلى درجةٍ مخيفةٍ تحت الظروف الجديدة، خصوصاً بعد إهمال الكروم وزراعة التبغ، أهمّ مصادر الثروة في الجبل، والسبب يعود إلى احتكار الدولة régie (٧). رافق تدهور الوضع الإقتصادي تحسّنٌ في الوضع الأمني، على غرار ما حَصَلَ في شرق الأردنّ وبلاد بشارة. لا أدرى من العثمانييّن بقيادة الأعراق نصف المتمدّنة، ولا أقدر منهم على خلق شِبْه نظام من الفوضى. ليس لنا أن ندقّق في الوسائل التي يستعملونها لهذه الغاية.
يتبع.
____________
١. اعتمدتُ في هذا المقال على مصدريَن: الأوّل الصفحة ٢١ - ٢٢ من مقال الأب Lammens الصادر عام ١٨٩٩ كما سَبَقَ التنويه، والثاني الصفحات ١٥٢ - ١٥٤ من كتاب السويسري Burckhardt، أوّل من عاين پترا من الأوروپّييّن. نُشِرَ كتاب "رحلات في سوريّا والديار المقدّسة" عام ١٨٢٢، أي بعد خمس سنوات من موت المؤلّف.
٢. حَسَب Burckhardt الذي تنقّل في سوريّا بين ١٨٠٩ - ١٨١٢.
٣. مصياف.
٤. مطلع العقد الثاني من القرن التاسع عشر، نقلاً عن Burckhardt.
٥. كلام Burckhardt.
٦. لامنس صفحة ٢١.
٧. إدارة الحصر.

No comments:
Post a Comment