سبق وتعرّضنا إلى نظريّة Dussaud عن اشتقاق تسمية "النصيريّة" من Nazerini نقلاً عن Pliny الذي كَتَبَ في القرن الأوّل للميلاد. نأتي اليوم إلى رأي الأب Lammens المُخالف الذي سأحاول تلخيصَهُ قبل أن أختم بمقارنة المنظورَين.
رَفَضَ Lammens مطارحة Dussaud عن Nazerini، وارتأى بالأحرى (١) أنّ محمّد بن نصير (وفيّات ٨٨٣ للميلاد) شخصيّةٌ تاريخيّة أعطت اسمها للديانة، وأنّ ابن نصير فارسي (٢)، وأنّ الأثرَ أو على الأقلّ الأصل الفارسي واضحٌ في أكثر من مكان في العقيدة النصيريّة ومنها النوروز، وتمجيد بعض أبطال الفرس كتقمّصات للإله، والتركيز على الصحابة المغمورين نسبيّاً مثل سلمان الفارسي.
مهد النصيريّة إذاً، حسب Lammens، العراق والأقاليم المتاخمة لبلاد الفرس (٣). بقيت آثار النصيريّة في العراق حتّى القرن الثالث عشر للميلاد ثمّ انقرضت. أقرّ المستشرق البلجيكي أنّه يجهل سبب اندثارها في مسقطِ رأسِها.
انتقلت النصيريّة إلى ما وراء الفرات، أي إلى بلاد الشام، مع الخصيبي (أبو عبد الله الحسين بن حمدان ٨٧٣ - ٩٦٨ للميلاد)، ومن المحتمل أنّهُ هو أيضاً فارسيّ الجذور (٤)، وأضاف النصيريّون تسمية الخصيبييّن. انقطعت علاقةُ النصيريّة مع الإسلام بعد دخولِها إلى سوريّا التي رَزَحَت آنذاك تحت نير العبّاسييّن السنّة، وغذّت نزعاتٍ انفصاليّةٍ شابَها الحنين إلى العهد الأموي، ورحّبت بالتالي بالعقائد الشيعيّة: الاسماعيلييّن والدروز والمتاولة (٥)، والنصيريّة موضوع الحديث.
تشيّعت سوريّا بالكامل في القرن السابق لبداية الحملات الصليبيّة (٦) باستثناء المدن الكبرى، وامتزجت المعتقدات التي نَشَرَها الخصيبي مع نطيرَتِها لدى القرامطة، ومسيحييّ الجبال، والغنوصيّة، والمانويّة، والعبادات الفينيقيّة القديمة التي ساهمت في تَبَلورِ الديانة النصيريّة. الأثرُ المسيحي واضحٌ في الديانة النصيريّة كما في الاحتفال بأعيادٍ معيّنة. نوَّهَ Lammens (٧) بتسمية الكثيرين من النصيرييّن بناتِهِم "كاترين"، على اسم القدّيسة.
____________
نقاط الخلاف الأساسيّة إذاً بين Dussaud و Lammens هي الآتية:
- حسب Dussaud، قد يكون اشتقاق التسمية من Nazerini. رفض Lammens هذا الادّعاء واعتبر ابن نصير شخصيّةً تاريخيّةً نُسِبَت إليها الديانة.
- لا تواجد مسيحي في جبل النصيريّة قبل الإسلام في رأي Dussaud، أمّا Lammens فيعتقد أنّ الجبلَ اعتنقَ المسيحيّةَ في مطلع القرن الخامس للميلاد.
- النصيريّةُ زواجٌ للمعتقدات السوريّة الفينيقيّة القديمة مع الاسماعيليّة في عرف Dussaud الذي أرجعَ العناصر المسيحيّة لدى النصيرييّن إلى عواملٍ اقتصاديّة، بينما يرى Lammens أنّها فارسيّة الأصل + مؤثّرات متعدّدة منها المسيحيّة. نفى المستشرق البلجيكي وجود حوافز اقتصاديّة تدعو النصيرييّن إلى مسايرة المسيحييّن بل اقتضت مصْالِحُهُم بالأحرى محابةَ السنّة سادة المدن وأمراء الجيوش. قارن Lammens (٨ ) بين احتفال النصيرييّن بأعياد المسيحييّن كالميلاد والبربارة، وعدم احتفالِهِم بعيديّ الفطر والأضحى في قراهم وإن فعلوا ذلك في المدن.
للحديث بقيّة
____________
١. صفحة ٦ من مقالِهِ الصادر عام ١٨٩٩.
٢. أثار Lammens، حاشية ٤ صفحة ٧، احتمال كونِهِ مولى لإحدى القبائل العربيّة.
٣. صفحة ١٧ - ١٨.
٤. صفحة ١٢.
٥. أي الإثني عشريّة.
٦. صفحة ١٤. القرن العاشر - الحادي عشر للميلاد: الحمدانيّون في حلب، الفاطميّون في مصر وجنوب سوريّا، ولا ننسى البويهييّن في العراق.
٧. صفحة ١٦.
٨. صفحة ١٦.
_portrait-imageonline.co-merged-imageonline.co-merged.jpg)
No comments:
Post a Comment