Saturday, January 10, 2026

أخبار النصيرييّن من القرن الحادي عشر إلى التاسع عشر ‎

 


الاتّهامات، إن لم نقل الافتراءات، ضدّ النصيرييّن غارقةٌ في القِدَم، بدلالة "الرسالة الدامغة للفاسق في الردّ على النصيري" من تأليف المبشّر الدرزي حمزة بن علي (٩٨٥ - ١٠٢١ للميلاد)، وزير الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. فَسَرَ Dussaud (١) مهاجمةَ النصيرييّن العنيفة في هذه المخطوطة، واتّهامهم بارتكاب شتّى الموبقات بما فيها القتل والسرقة والكذب والوشاية والزنا ووطء الأطفال، باصطدام التبشير الدرزي مع النصيري في وادي التيم في مطلع القرن الحادي عشر للميلاد. اعتبر مؤلِّف الرسالة سفورَ النصيريّات دليلاً على تهتّك رجالِهِنّ الأخلاقي وتفشّي التحلّل الجنسي في الطائفة (٢). 


التقط مؤرّخ الإفرنج Jacques de Vitry (٣) الشائعات المحليّة بنَهَم، وردّدها ولربّما أضاف عليها بعض الأفاويه، وأدان شذوذَ الطائفةِ وتكتّمِها وارتكابِها أشنع الآثام، مضيفاً أنّ النساء قد يتركن بعولتهنّ لو عَرَفْنَ رجْسَ الطقوسِ الدينيّة ونجاستَها. 


ما كان لكتّاب العرب أن يتخلّفوا عن اللحاق بالرَكْب. هاك نصّ ياقوت الحموي (٤) في كتاب معجم البلدان:

"ومن عجيبِ ما تأمّلتُهُ من أمرِِ حمص، فسادُ هوائِها وتربتِها اللذين يفسدان العقل حتّى يُضْرَب بحماقَتِهِم المثل، إنّ أشدّ الناس على علي، رضي الله عنه، بصفّين مع معاوية كان أهل حمص وأكثرهم تحريضاً عليه وجدّاً في حربِهِ، فلما انقضت تلك الحروب ومضى ذلك الزمان صاروا من غلاة الشيعة حتى إن في أهلها كثيراً ممّن رأى مذهب النّصيرية وأصلهم الإمامية الذين يسبّون السلف، فقد التزموا الضلال أولاً وأخيراً فليس لهم زمان كانوا فيه على الصواب." (٥)


إذاً أهل حمص "الذين يُضْرَبُ بحماقَتِهِم المثل"، كانوا مع معاوية ضدّ علي، ثمّ أصبحوا من غلاة الشيعة واعتنق كثيرُ منهم مذهب النصيريّة و"التزموا الضلال". أثار Dussaud (٦) احتمال اعتماد بعض أهالي حمص النصيريّة كحلّ وسط بين الإسلام والعبادات القديمة. اختبأ الكثيرون من "الوثنييّن" في مطلع العهد الإسلامي تحت تسمية الصابئة، خصوصاً في حرّان وبعلبك، ولربّما وجد المعتقد النصيري فيها أرضاً خصبةً للتبشير. 


استعرضنا سابقاً فتوى ابن تيميّة


نأتي الآن إلى العصور الحديثة والبريطاني Maundrell في كتاب "رحلة من حلب إلى القدس فصح ١٦٩٧" (٧)

"يقطن شعبٌ شديدُ الغرابة وفريدُ الطبائع في الجبال فوق جبلة، يطلقُ عليهم الأتراك تسميةَ النصيرييّن. يعتمدُ هؤلاء الناس مبدأ عدم تبنّي أي ديانة، وهم كالحرباء يغيّرون دينًهم حسب الأشخاص الذين يخالطونَهم: يدّعون أنّهم مسيحييّن مع المسيحييّن، وأنّهم محمّديّون ملتزمون مع الأتراك، وأنّهم يهودٌ مع اليهود. لم يستطِع أحدٌ النفوذ إلى حقيقةِ معتقداتِهِم وكلّ ما هو مؤكّد عنهم أنّهم ينتجون نبيذاً جيّداً، وينتجونه بكثرة، ويشربون بشراهة".  


سادت هذه النظرة السلبيّة عن النصيرييّن حتّى أواخر القرن التاسع عشر على الأقلّ، مع استثناءاتٍ نادرة سأتعرّض إليها في المنشور القادم. لنأخذ على سبيل المثال الفرنسي Cuinet (٨):

- الجزء الثاني من كتاب "تركيّا الآسيويّة" الصادر عام ١٨٩١ (٩) 

"الأنصاريّة في واقعِ الأمر وثنيّون من أسوأ الطوائف وأكثرها دناءةً، على الرغم من حرصِهِم على التظاهر بكونِهِم من المسلمين". 

- كتاب: "سوريّا، لبنان، وفلسطين" الصادر عام ١٨٩٦ (١٠):

"سبق أن تحدّثنا عن ممارسات الأنصاريّة السريّة الشائنة التي يزعمون أنّها دينيّة، وكيف سعوا مؤخّراً إلى الانضمام إلى الأسرة الإسلاميّة والانخراط في الجيش العثماني. لاقى التماسُهُم ترحيبَ السلطات التي بَنَت، أو في سبيلِها إلى بناء، عدداً كبيراً من المساجد والمدارس الابتدائيّة في جميع قرى الأنصاريّة بهدف نشر التعليم الديني والمدني والعسكري لدى هؤلاء الرعايا الذين طال تواجُدُهم خارج سيطرة الدولة". 


للحديث تتمّة. 


____________


١. كتاب Dussaud الصادر عام ١٩٠٠ عن "تاريخ وديانة النصيرييّن" صفحة ١٥٣ - ١٥٤. 

٢. الدياثة إذا شئنا. 

٣. وفيّات ١٢٤٠ للميلاد. أدْرَجَ Dussaud نصّ de Vitry باللاتينيّة واضطررت بالتالي إلى استعمال ترجمة Google. 

٤. ياقوت الحموي الرومي (١١٧٨ - ١٢٢٩ للميلاد). 

٥. لم أكن أدري أنّ النكات النمطيّة عن أهل حمص، على غرار تندّر المصرييّن بأهل الصعيد، تعود إلى القرن الثالث عشر للميلاد أو قبل. علّ ما كَتَبَهُ ياقوت عَكَسَ تنافساً تاريخيّاً بين حمص وحماة. 

٦. صفحة ١٥٧. 

٧صفحة ١٢ - ١٣. Maundrell من مواليد ١٦٦٥ ووفيّات ١٧٠١. 

٨. مستشرق وجغرافي Vital Cuinet من مواليد ١٨٣٣ ووفيّات ١٨٩٦

٩. صفحة ١٢٣. 

١٠. صفحة ١٤١. 


No comments:

Post a Comment