Sunday, May 24, 2026

بردى وعين الفيجة

 

لنا أن نعترضُ على آراءِ واستنتاجاتِ مستشرقي القرن التاسع عشر الأوروپييّن، ونستطيعُ اتّهامهَم بالعنصريّةِ والتحيّز والتعصّب الديني والمذهبي؛ مع هذا لا مناص للقارئ الموضوعي من التسلّيمِ بجهودِهِم ومواظبتِهم واهتمامِهم وسعةِ علمِهم وإسهاماتِهم في شتّى المعارف. سعى الرحّالةُ الغربيّون على دروبٍ وعرة، سيراً على الأقدام أو على متون الدوابّ، في بلادٍ اختَلَفَت لغتُها عن لغتِهم وثقافَتُها عن ثقافَتِهِم، وأنفقوا من عمرِهِم سنيناً طويلةً، لا بل خاطروا بحياتِهم في سبيلِ دراسةِ ووصفِ وتدوينِ ونشر ما اعتبروه في غايّةِ الأهمّية للإنسانيّة عموماً. أخطأوا أم أصابوا فقد بذلوا قصارى جَهْدِهِم، ويُدْهَشُ المرءُ إزاءَ سعةِ اطّلاعِهم على المصادرِ التاريخيّة، بما فيها الإسلاميّة، كما سنرى في الأسطر اللاحقة بقلم Victor Guérin. لهم منّا الشكر والتقدير على عَمَلِهِم وكدِّهم بغضِّ النظر عن غاياتِهِم ودوافِعِهِم وكما قال لي أبي طَيَّبَ اللهُ ذِكْرَهُ نقلاً عن الراحل أنطون سعادة: "ليس فقط الأعمال بالنيّات وإنّما أيضاً النيّات بالأعمال" على مبدأ "من اجتهد فأخطأ فَلَهُ أجرٌ، ومن اجتهد فأصاب فَلَهُ أجران". 

أنتقلُ بعدَ هذه المُقَدِّمة إلى تعريب نصّ Guérin وأترك التعليق والإيضاحات إلى الحواشي: 

"يُعْتَبَر عين الفيجة عموماً مصدر نهر بردى؛ أكّد الإدريسي (١) أنّ مياه الفيجة تنبُعُ من سفحِ جبلِ بهديرٍ يمكن سماعُهُ من بعد، لتروي سهلَ دمشق أي الغوطة؛ أمّا أبو الفداء فزَعَمَ (٢) أنّ نهر دمشق ينبعُ من معبد يدعى الفيجة. يتبنّى أهلُ البلد هذا الرأي حاليّاً، بيد أنّ الحقيقةَ، التي لاحَظَهَا كثيرٌ من الرحّالة قبلي، أنّ بردى يمتلكُ مصادراً ثانية غَرْبَ هذا العين سنذكرها لاحقاً، ويبقى الفيجة أهمّها بمراحل، وأكثرها جدارةً بالزيارة.

مهما كان الأمرُ، يصْعُبُ العثورُ على مكانٍ أكثر روائيّةً وفتنةً من الموضع الذي نتواجد فيه في هذه اللحظة، حيث بإمكانِنا قضاء ساعاتٍ طويلةٍ هانئةٍ في التفكيرِ والتأمُّلِ والأحلام التي لا تنتهي، في ظلالِ الأشجارِ المتنوّعةِ المنيعةِ على نفوذِ أشعّة الشمس. شَهِدَت هذه المعابدُ الجيلَ تِلْوَ الجيلِ من بني البشر، يمرّ عابراً أمامَها كما يمرُّ السيل الهادرُ لدى أقدامِهِم. لا أمْتَع من الجلوس قُرْبَ هذه الأطلال، ورؤية الموجة المتجدّدة باستمرار، تنحَدِرُ وتنجَبِسُ وتفورُ كالماء في غَلَيَانِهِ من حضنِ هذا الغار الغامض، والتلذّذ بالإصاخة إلى صوتِ النبعِ المدوِّ ليلاً نهاراً كما في أنينِ البحرِ الطويلِ الكئيب."

عنوان اللوحة: "أيكةُ تينٍ قديمة على ضفافِ بردى قُرْب عين الفيجة". 

____________

١. الإدريسي (١١٠٠ - ١١٦٦)، انظر صفحة ٣٦٧ من "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق". نَقَلَ Jaubert (١٧٧٩- ١٨٤٧) هذا الكتاب إلى الفرنسيّة ويمكن الرجوع إلى تَرْجَمَتِهِ (صفحة ٣٥٠ عن بردى والفيجة) على موقع المكتبة الفرنسيّة. نصّ الأدريسي الحرفي هو الآتي: "ومياهُ الغوطةِ الجارية بها مخرجٌ من عين الفيجة، وهذه العين في أعلى جبلٍ وينصبُّ ماؤها من أعلى هذا الجبل كالنهر العظيم له صوتٌ هائلٌ ودويٌّ عظيم يُسْمَعُ على بعد ويُرى نزولُ الماءِ من أعلى الجبل على قريةِ ابل، حتّى ينتهي إلى المدينة فتتفرّع مِنْهُ الأنهارُ المعروفةُ بها، منها نهر يزيد ونهر ثورة ونهر بردى ونهر قناة المزة ونهر باناس ونهر سقط ونهر يشكور ونهر عادية". 


٢. أبو الفداء الأيّوبي صاحب حماة ومؤلّف"تقويم البلدان" (صفحة ٣٣٠). تَرْجَمَ الألماني Köhler (١٧٤٢ - ١٨٠٢) إلى اللاتينيّة عنهُ في "اللوائح السوريّة" (صفحة ١٥). نصّ أبي الفداء قيد الحديث هو الآتي: "قال ابن حوقل ومخرج نهر دمشق من تحتِ كنيسةٍ يقالُ لها الفيجة وهو أوّل ما يخرج مقدارُهُ ارتفاعُ ذراعٍ في عرضِ ذراع، ثمّ يجري في شعبٍ يتفجّر منهُ العيون، ثمّ يجتمعُ معَ نهرِ يُقالُ لهُ بردا، ويُسْتَخْرَجُ من ذلك سائرُ أنهارِ دمشق". 

____________


No comments:

Post a Comment