Sunday, September 6, 2026

الرياضة البدنيّة

 


اشترك جدّي، عطّرَ اللهُ ذِكْرَهُ، بمجلّة الرياضة البدنيّة المصريّة. صَدَرَ العدد الأوّل من هذه المجلّة في القاهرة عام ١٩٢٨، وعلى علمي استمرّت حتّى عام ١٩٣٩ على أقلّ تقدير. أذكر أنّ مجموعة جدّي بدأت عام المجلةّ الأوّل أو الثاني نهايةً بعام ١٩٣٤، أو على الأقلّ كان هذا ما تبقّى منها في سبعينات القرن الماضي إلى أن اهترأت وأُلْقِيَت يقاياها مع النفايات حوالي عام ١٩٨٠.


اكْتَشَفتُ مؤخّراً بعضَ أعدادِ "الرياضة البدنية" معروضةً للبيع على eBay، وقُمْت بتحميل صورها وتصفّح ما تيسّر من مقالاتِها. لهذه المجلّة أهميّةٌ معيّنة من الناحية التاريخيّة، وأقصدُ هنا تاريخ الأدب والفِكْر والإتيكيت والصحّة الجسديّة والنفسيّة. تَعْكِسُ المقالاتُ عَصْرَها بحسناتِهِ وسيّئاتِهِ، وكثيرٌ من الآراء المطروحة، كحقائق لا يرقى إليها الشكّ، أقربُ إلى الهزل بمقاييس اليوم. 


استقيتُ المعلومات الآتية من ذاكِرَتي وممّا استطعتُ تَحْميلَهُ بالمجّان من الشبكة:



- صاحب المجلّة، ولربّما رئيس تحريرها، المدعو محمّد فائق الجوهري، مدير معهد للتربية البدنيّة ومؤلِّف عدد من الكتب أشهرها "الإنسان الكامل". الجوهري موسوعةٌ بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، "يفتي كلّ الفتوات ويعرف اللوغاريتمات": النحافة والسمنة وضعف المعدة والقلب والصدر والذاكرة والضعف التناسلي وقصر القامة وفقر الدم والأمراض العصبيّة والكآبة والخمول والمخدّرات. باختصار تعداد العلوم التي لم يتبحّر فيها الجوهري أسهل من سردِ المعارف التي دَرَسَها ودَرَّسَها ومارَسَها. 


- غالباً ما تحتلُّ امرأةٌ شابّةٌ غلاف المجلّة. النساءُ أوروپيّاتٌ بالطبع يرتدين ثياباً حاسِرَةً أو لباس البحر، مع التنويه بظاهرة التعرّي التي لَعِبَت ألمانيا دوراً رائداً فيها قبل مائة عام. 


- اسم المجلّة الرياضة البدنيّة، وبالتالي لا بدّ للرياضة من بضعةِ صفحاتٍ في بداية كل عدد. رَكَّز المحرّر على كمال الأجسام مع مسابقة لأجمل الصور، ومن نجومِها الدمشقي محمود أفندي البحرة. لقب "أفندي" لا بدّ مِنْهُ آنذاك، وهو طبعاً دون "البك" أو "البيه" ويعادل اليوم "سيّد" أو "أستاذ". 


- مَتْنُ المجلّة مخصّصٌ لقصصٍ قصيرة، ونصائح طبيّة وعاطفيّة ختامُها باب كيوپيد الذي تلقّى رسائل القرّاء إلى المُحرّر عن مشاكِلِهم العاطفيّة والجنسيّة وحتّى الماليّة من نوع "أنا أحبُّ فلان ولكنّهُ فقير، وفلان لا أحبّهُ ولكن معه فلوس وأطومبيل طلبَ يدي فمَن أخْتار؟"، وأنا "تورّطتُ مع فتى أبدى استعدادَهُ لخطبتي ولكن تبيّن أنّهُ أخي بالرضاعة، ماذا أفْعَل؟"، إلى آخرهِ. 


- حذّر المحرّرُ مراراً وتكراراً من الأمراض التناسليّة في زمنٍ لَمْ يعْرف لها عِلاجاً ناجِعاً، وأشار بتجنّب بيوت الدعارة التي يُفْتَرَض أنّ العامِلات بها يَخْضَعن لفحصٍ طبّي بانتظام. يحسن هنا التذكير أنّ قانون مصر وسوريّا تحت الإنجليز والفرنسييّن أباح البغاء تحتَ شروطٍ معيّنة. تعيّن على السلطات تأمين خدمات من هذا النوع لجنودِها وبالطبع لم يكن زبائن المواخير حصراً منهم. 



- يمكن، حسب الجوهري، للرجلِ أن يستعيد "رجولَتَهُ المفقودة" بعد أن "أضاع قواهُ العصبيّة نتيجةً للإفراط أو العادات الضارّة"، ويستطيع "بالعلاج الصحيح الأمين المستمرّ أن يحصل على درجة من القوّة الجنسيّة ولو أنّها لا تصل للذروة إلّا أنّها تَكْفَلُ له الرضاء على كل حال"، ويستطيع "عند ذلك أن يضمن الوصول إلى حياة زوجيّة سعيدة وأن يكون أباً". 


- نصائح للعوانس: "الفراغُ الذي تشْعُرُ بهِ المرأة في حِرْمانِها من الحبّ التناسلي أكبر من الفراغ الذي يشعر به الرجل"، و"حاجَتُها إلى اللذة أكبر من حاجَتِهِ" لحسن الحظّ "يوجد في خَلق المرأة من الصفات كالنشاط والمثابرة والتضحية ما تعينها على ملء هذا الفراغ إذا استطاعت أن تدرك الظروف وتقدّرها تقديراً حكيماً". لا داعي للإضافة أنّ كافّة كتّاب "الرياضة البدنيّة" من الرجال ولكن من الواضح أنّهم يعرفون ما يكفي عن المرأة للكلامِ نيابةً عنها. 



- العادة السريّة موضوع متواتِرٌ في "الرياضة البدنيّة"؛ كيف لا وهي "أخطر رذيلة تؤدّي إلى خراب الجسم والنفس والعقل". آثار العادة السريّة تشملُ كافّة أجهزة الجسم ناهيك عن أهوالها النفسيّة. ألم يَثْبت "بالتشريح أنّ مخّ المصاب بالعادة السريّة يكون في منتهى الرخاوة" وأنّ "مُرْتَكِبي هذا الفعل" يشكون من "الأرق والدوار وسرعة التأثّر والتهاب الأعصاب والصرع والهستريا في النساء"؟ "الذين يجنّون بسبب العادة السريّة ليسوا بالقليلين". 


المقصود بالهستريا ما يسمّى بالعربيّة "اختناق الرحم"، أي تصاعد الأبخرة مِنْهُ إلى الدماغ ممّا يتسبّب في تشويش الخلايا العصبيّة ويؤدّي إلى العتاهة والجنون. المُصطَلَح اليوم غير مُسْتَعْمل في الأوساط العلميّة باستثناء تاريخ الطبّ.  



No comments:

Post a Comment