لربّما كانت هذه المقولة صحيحةً في نهاية ١٩٧٠، بعد ثلاثة أشهر فحسب من وفاة عبد الناصر في أيلول سپتمبر من ذلك العام؛ وليس من المستحيل أنّ السادات آنذاك عقدَ النيّةَ فعلاً على اقتفاءِ آثار رئيسِهِ وصديقِهِ، والسعي نحو تحقيق الأهداف التي التزم بها في خِطابِهِ أمام مجلس الأمّة عقب ترشيحِهِ لرئاسة الجمهوريّة كما أورَدَهُ المقال المُرْفَق:
- تحرير كلّ الأرض العربيّة المحتلّة في عدوان سنة ١٩٦٧.
- مواصلة النضال من أجل وحدة الأمّة العربيّة.
- المطالبة بتحديد أعداء الأمّة دون شبهة: إسرائيل والصهيونيّة الدوليّة والاستعمار العالمي.
- التمسّك بسياسة عدم الانحياز.
- التذكير "بأنّنا" جزء من حركة التحرير الوطني العظيمة باتّجاهِها التقدّمي الإشتراكي.
- الحفاظ على المكاسب الإشتراكيّة التي تحقّقت لجماهير قوى شعبنا العامل.
ستّةُ أهدافٍ، أي ضعفيّ أهداف البعث التي طالما ردّدناها في شبابِنا عن قناعةٍ أو تهيّب. ليس في نيّتي تجريد الرئيس الراحل من كلِّ جدارةٍ واستحقاق؛ للرجلِ إنجازاتُهُ التي لا تُنْكَر، والحكم عليهِ للمصرييّن أوّلاً وأخيراً. أضِف إلى ذلك أنّ كذب السياسييّن هو القاعدة وليس الاستثناء في كلِّ زمانٍ ومكان، هذا إذا سلّمنا أنّ السادات كان يكذب عمداً وعن سبق الإصرار عام ١٩٧٠، والموضوع ليس بهذه البساطة.
اغتيل السادات في السادس من تشرين أوّل أكتوبر عام ١٩٨١. ما الذي تحقّق من الأهداف الستّة خلال ١١ عاماً تحت رئاسَتِهِ؟
- استرجعت مصر سيناء، بعد وفاتِهِ، ولكن نتيجةً للاتّفاقيّات التي أبرَمَها ما في ذلك من شك. أمّا عن "تحرير كلّ الأرض العربيّة المحتلّة في عدوان سنة ١٩٦٧" فكلّما قلّ الكلام عنْهُ، كلّما كان ذلك خيراً وأبقى.
- الأمّة العربيّة المزعومة اليوم حبرٌ على ورق في أحسن الأحوال، والجامعة العربيّة باتت أضحوكةً ومادّةً للتندّر تحت زعامة دول الخليج، وليس مصر، حتّى ولو كان مركز الجامعة في القاهرة.
- "أعداء الأمّة العربيّة" اليوم إيران بالدرجة الأولى، ولربّما كان هذا صحيحاً منذ عام ١٩٨٠ و"قادسيّة صدّام".
- عدم الانحياز اليوم يعني وقوف الأمّة العربيّة المجيدة مكتوفة الأيدي وصامتة تجاه الانتهاك تلو الانتهاك لأراضي الدول الأعضاء في جامِعَتِها. أكثر من ذلك: أصبح ممثّلو بعض من حدّدهم خطاب السادات "بأعداء الأمّة" ضيوفاً معزّزين مكرّمين على عددٍ من الفضائيّات العربيّة.
- التحريرُ بمفهومِهِ الحالي هو تحرير الشعوب العربيّة من حكّامِها على يد الغرب.
- الاشتراكيّة استُبْدِلَت "يالقلب المفتوح والفكر المفتوح"، أي الانفتاح الاقتصادي على الغرب الذي له مُسَفيديهِ بالتأكيد، بيد أنّ نتائِجَهُ ليست بالضرورة على المستوى المأمول كما رأينا في دول "المنظومة الإشتراكيّة" السابقة في عقد التسعينات وما تلاهُ.
ليس لنا بالطبع أن نلوم السادات على أحداث ٤٥ سنة انصَرَمَت منذ وفاتِهِ، وبنفس الوقت لنا أن نقارن أقوالَهُ السابقة مع أفعالِهِ اللاحقة. الرَجُل أدار ظَهْرَهُ للاشتراكيّة، واكتسب أصدقاءً جدداً، منهم "صديقي بيغن" رئيس وزراء أحد الدول المُصَنّفة في الأمس القريب من "أعداء الأمّة" على سبيل المثال وليس الحصر، وانحاز للغرب ضدّ الشرق عندما سلّطَ "صوت العرب من القاهرة" ضدّ حليف البارحة، أي الاتّحاد السوڤييتي.
بالنتيجة الأمور المشتركة بين عبد الناصر والسادات ليست بالكثيرة وألخِّصُها كما يلي:
- كلاهما ترأّس مصر وأثّر فيها إلى أبعد الحدود، ولو باتّجاهاتٍ متعاكسة.
- كلاهما أثّر بالشرق الأدنى إلى درجةٍ كبيرة بغضّ النظر عن طبيعة هذا التأثير. لعب وزن مصر التاريخي والجغرافي والبشري والثقافي بالتأكيد دوْرَهُ في هذا التأثير، ومنذ آلاف السنين.
- كلاهما من مواليد عام ١٩١٨.
- كلاهما من "الضبّاط الأحرار".
- كلاهما حاكمين شَعْبوييّن سلطوييّن تمتّعا بصلاحياتٍ شبه مُطْلَقة كما هي القاعدة في زعماء دول العالم الثالث عموماً.
رَحِمَ اللهُ الإثنين.

No comments:
Post a Comment