Sunday, July 12, 2026

صفوة المُلك أم صفوة الملوك؟

 

تعّرضنا أمس إلى الكتابة التأسيسيّة الدارسة لقبّة الطواويس كما وثّقها "دليل النقوش الكتابيةّ العربيّة حسب تسلسُلِها الزمني". أدْرَجَ Herzfeld نصّ الكتابة، بَعْدَ حذف القسم المُتَعَلِّق بالأوقاف، كما يلي:


" أمر بعمارة هذا المشهد والتربة فيه الخاتون الأجلّة السيّدة صفوة الملوك عزّ نساء العالمين

 والدة الملك دقاق بن تاج الدولة ... في سنة أربع وخمسمائة "


"صفوة"، حسب Herzfeld، من الصفاء والوقار أو النخبة، ومنها صفيّ أي الصديق الأثير أو المُصْطَفى، أي من يَقَعُ عليهِ خيارُ "الملوك"، وليس "المُلْك"، بمعنى الحُكْم، كما وَرَد في الدليل عن أوراق van Berchem، الذي نَقَلَ عَنْهُ Écochard و Sauvaget في "أوابد دمشق الأيّوبيّة". صفوة الملوك هي زوجُ تتش ابن ألپ أرسلان السلجوقي وأخو ملكشاه، ومن هنا لَقَبُها "عزّ نساء العالمين". 


كلامٌ منطقي دون شكّ، ومن المعروف أنّ النقوش الكتابيّة "أصْدَقُ أنباءً" من روايات المؤرّخين. المعضلة هنا أنّنا لا نملكُ صورةً للكتابة، وأنّ قراءتها الوحيدة المتوافرة، على علّاتِها، منقولةٌ عن "الدليل" وعن van Berchem، الذي هجّأ الكلمة "المُلك" وليس "الملوك"، وأنّ هذه التهجئة توافق كافّة الروايات التاريخيّة المتوافِرة بما فيها أقْرَبها للأحداث كما في ابن القلانسي وابن عساكر. 


كَتَبَ ابن القلانسي في الصفحة ١٤٤ من "ذيل تاريخ دمشق": 


"وفي هذه السنة (١) عرض للملك شمس الملوك دقاق بن السلطان تاج الدولة صاحب دمشق، مرضٌ تطاوَلَ بِهِ ووقع معه تخليطُ الغذاء أوجَبَ انتقالَهُ إلى علّةِ الدقّ، فلم يزل بِهِ وھو کل یوم في ضعفٍ ونقصٍ، فلمّا أشفى ووقَعَ اليأسُ من برئِهِ وانقطعَ الرجاءُ من عافيتِهِ، تقدّمت إليهِ والدتُهُ الخاتون صفوة الملك بأن يوصي بما في نَفْسِهِ، ولم يترك أمر الدولة وولده سدى، فعند ذلك نصّ على الأمير ظهير الدين أتابك في الولايةِ بدمشقِ من بعدِهِ، والحضانة لوَلَدِهِ الصغير تتش بن دقاق بن تاج الدولة إلى حين يکبر، وإحسانِ تَرْبيَتِهِ، وألقى إليهِ ما كان في نَفْسِهِ وتوفّي إلى رحمةِ الله في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان من السنة (٢) ".  


وعن ابن القلانسي أيضاً في الصفحة ٢٠١ من "الذيل" عن وفاة "الخاتون صفوة الملك ... يوم الأحد آخر جمادى الأولى سنة ٥١٣ (٣) ودُفِنَت عند وَلَدِها في القبّة التي بَنَتْها على التلعة المطلّة على الميدان الأخضر"   


نأتي الآن إلى ابن عساكر والصفحة ٨٩ من تحقيق صلاح الدين المنجّد:


"مسجد كبير مستجدّ، في قبّة قبر الملك دقاق المعروفة بقبّة الطواويس، في الرباط، بنته خاتون أم دقاق"


هناك أيضاً شهادة ابن شدّاد في الصفحة ١٤٩ من "الأعلاق الخطيرة" تحقيق سامي الدهّان


"مسجد كبير فيه قبّة قبر الملك دقاق المعروفة بقبّة الطواويس، في الرباط، بَنَتْهُ خاتون أم دقاق"


من الواضح أنّ ابن شدّاد، في القرن الثالث عشر، نَقَلَ عمّا أوْرَدَهُ ابن عساكر في القرن الثاني عشر. لم يذكر لا هذا ولا ذاك "صفوة الملك" أو "صفوة الملوك"، بل اكتَفَيا بنعت "خاتون أم دقاق"، أمّا ابن القلانسي، أقدم مصادِرُنا عن الأحداث والوحيد الذي عاصَرَها، فقد كَتَبَ في مكانَيْن "صفوة الملك"، تماماً كما جاءَ ذِكْرُها في الدليل عن van Berchem. 


خلاصةُ الكلام: "صفوة الملوك" اجتهاد شخصي من قِبَل Herzfeld لا دليل عليهِ من الوثائق التاريخيّة، ولا من معلوماتِنا غير المباشرة عن النقش الكتابي المفقود.


الصورة المُلْحَقَة بعدسة Sauvaget. 


____________ 


١. ٤٩٧ للهجرة. 

٢. الثامن من حزيران يونيو ١١٠٤ للميلاد. 

٣. الثامن من أيلول سپتمبر ١١١٩ للميلاد. 


____________


Ernst Herzfeld. Damascus, Studies in Architecture II. Ars Islamica X 1943 (p. 13-70).

Étienne Combe (éd.), Jean Sauvaget (éd.), Gaston Wiet (éd.). Répertoire chronologique d'épigraphie arabe (RCEA) VIII. Années 485-550 H. Institut français d'archéologie orientale (Ifao), Le Caire 1937. 

Michel Écochard et Jean Sauvaget. Le tombeau de Ṣafwat al-Molk (Les monuments Ayyoubides de Damas). E. de Boccard, Paris 1938. 

Turbat Ṣafwat al-Mulūk

No comments:

Post a Comment