Saturday, April 14, 2018

دمشق، تاريخ وصور




رحم الله الدكتور قتيبة الشهابي. 

أحبّ المؤلّف مدينة دمشق، وعرف أحيائها وحاراتها وأوابدها وأهلها، وقرأ عنها في الكتب العربيّة والأجنبيّة الكلاسيكيّة، ليجمع في ٤٠٠ صفحة عدداً كبيراً من الصور التاريخيّة والحديثة بعدسته الخاصّة، مع الكثير من المعلومات المتعلّقة بها من النوع المختصر المفيد، ومختاراتٍ من الخرائط الثمينة التي نقلها أو وضعها بنفسه في الطبعة الأولى التي لا تزال مرجعاً لا يقدّر بثمن منذ صدورها عام ١٩٨٧. ​

​

أتت الطبعة الثانية المزيدة والمنقّحة عام ١٩٩٠ في إخراجٍ فاخر وقياس ٣٤ في x ٢٥ من عشيرات المتر عن مؤسّسة النوري للطباعة والنشر والتوزيع ومطبعة محمّد هاشم الكتبي لتثبت أنّ بإمكان السورييّن إذا أرادوا محاكاة الأجانب والتفوّق عليهم عند اللزوم، سواءً في المعلومات، أو طلاوة السرد، أو أسلوب العرض، أو دقّة التوثيق وثبت المراجع. كلّ هذا في زمن سبق الإنترنت والعهد المعلوماتي. 

إذا أردت أن تقرأ كتاباً واحداً عن دمشق في أواخر العهد العثماني ومطلع عهد الاستقلال، كتاباً في متناول الهواة والأخصّائييّن على حدّ سواء، إذا استهواك الترحال في الماضي ورغبت في المزيد من المعلومات عن المدينة ومعالمها وأعلامها وصَنَعَة تاريخِها، إذا أردت كلّ ذلك وأكثر، فهذا العمل هو بيت القصيد ويشكلّ على أقلّ تقدير نقطةَ انطلاقٍ لعشّاق الشام ومحبّيها.   

قلعة دمشق



نشرت وزارة الثقافة والمديريّة العامّة للآثار والمتاحف هذا الكتيّب الجميل عام ١٩٩٨. حاولَ المهندسان هزار عمران وجورج دبورة من خلال ٩٠ صفحة من القطع الصغير تقديم المختصر المفيد عن قلعة دمشق، ونجحا في ذلك إلى درجةٍ لا بأس بها في نصٍّ تتخلّله عشرات الصور بالأبيض والأسود من نوعيّةٍ مقبولة، مع عددٍ من الخرائط. لمن يرغب في المزيد من المعلومات أرفق المؤلّفان في نهاية البحث خمسةَ مصادر، أحدها ألماني وآخر فرنسي وإثنان بالإنجليزيّة وأخيراً دراسة الدكتور الريحاوي باللغة العربيّة (١).

يتوزّع الكتيّب - الدليل على قسمين: الأوّل لمحة تاريخيّة منذ العهد السلجوقي (٢) وحتّى أواخر القرن العشرين، والثاني وصف عماري وفنّي للقلعة يختمه استعراضٌ لنقوشِها الكتابيّة العديدة البالغة الأهميّة من الناحية التاريخيّة (٣). يمكن قراءة الكتيّب من الجلدة إلى الجلدة في أمسية، وهذه ميزةٌ لا بأس بها لمن لا يملك ما يكفي من الوقت للغوص في بطون الأسفار والمجلّدات المطوّلة. 

بُنِيَت القلعة وأُعيدَ بناؤها على مرِّ العصور. استعملَ بُناتُها أحجاراً جلبوها من شتّى المصادر منها هيكل المشتري الروماني. القلعةُ بهيئتها الحاليّة تعودُ إلى مطلعِ القرن الثالث عشر الميلادي والعهد الأيّوبي، وتفوقُ سابِقَتَها السلجوقيّة مساحةً ومناعةً. باشر المؤلِفان وصفَ الحصن عَبْرَ جولةٍ حول الأسوار من الخارج من الغرب إلى الشرق، تلتها جولةٌ مماثلة داخل السور (٤). 

هناك بعض المآخذ ومنها:

١. صفحة ٣٤: الخلط بين علي بك الكبيرروالي مصر في النصف الثاني للقرن الثامن عشر ومحمّد علي باشا مؤسّس السلالة العلويّة في مصر وواليها في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر. 

٢. مع الأسف لا يوجد معجم للمصطلحات التقنيّة. كلماتٌ مثل البدنة والقبوة و"الحجارة النحيتة" والساكف والمدماك والرواشن وغيرها معروفة للأخصّائييّن وقد لا تكون كذلك للهواة. الكتابُ حجماً وتفصيلاً موجّهٌ للهواة بالدرجة الأولى.

٣. الصفحات ٨٩ إلى ٩١ مخصّصةٌ لنقوش الكتابات، بيد أنّ صور هذه النقوش موجودة في صفحاتٍ سابقة وأحياناً يربط النصّ النقش مع الصفحة الخطأ. في رأيي من الممكن تحسين هذه الطريقة في العرض دون كبير عناء.

شكراً جزيلاً للكاتبين وأملي أن تقوم وزارة الثقافة والجهات المعنيّة بمراجعة العمل وإعادة طباعته مع التنقيح والتعديل والإضافة في ضوء آخر معطيات التنقيب مع أخذ اهتمامات القرّاء المعاصرين بعين الاعتبار.

____________

١. كتاب الريحاوي أفضل الموجود بالعربيّة عن القلعة إلى اليوم. 
٢. لا يوجد دليل مقنع على وجود القلعة أو حصنٍ ما في مكانها قبل العصر السلجوقي. 
٣. تعود أسبقيّة تحقيق ونشر نقوش القلعة الكتابيّة بشكل منهجي إلى المستشرق الألماني Sobernheim والعام ١٩٢١. اكتُشِف المزيد منها لاحقاً كما سيأتي ذكره. 
٤. لا غنى عن مقال King الصادر عام ١٩٥١ للمهتمّين بالقلعة وتفاصيل تحصيناتها. 

Friday, April 13, 2018

النصيريّون قبل الإسلام؟ نظريّة رنيه دوسّو



رأينا كبف طرَحَ Dussaud نظريّةً مفادُها أنّ مصطلح "نصيريّة" مشتقُّ من Nazerini (١)، وأنّها توافق جغرافيّاً إقليم جبال العلوييّن حسب Pliny في القرن الأوّل للميلاد. رَفَضَ الأب Lammens البلجيكي هذا الزعم (٢)، ويتّضح من قراءة دراستيّ المستشرِقَيْن وجودُ خلافاتٍ جوهريّة بين وجهتيّ نَظَرِهِما عن تاريخ النصيرييّن أو العلوييّن، وعلى اعتبار أنّ كِلَيْهِما أكاديمي من الطراز الأوّل، لربّما كان من المفيد استعراض رأي الإثنين ولكلٍّ وزنُهُ ما في ذلك من شكّ؛ أبدأ اليوم بالفرنسي Dussaud. 

 يختلط تاريخ النصيرييّن (٣) قبل العصر الروماني (٤) مع كنعانييّ الساحل (٥). تمتّع النصيريّون باستقلال نسبي عن الساحل خاصّة بعد انحطاط قوّة  أرواد، وصمدت الديانات القديمة "الوثنيّة" في الجبال حتّى القرون الوسطى (٦) في مواجهتِها مع المدّ المسيحي، وبنفس الطريقة صمدت اللغات السوريّة القديمة (٧) في المرتفعات إلى أن تغلغلت إليها العربيّة في القرن العاشر (٨). ذَكَرَ المؤرّخ البيزنطي Sozomène (٩) في هذا الصدد كيف هَبَطَ النصيريّون من جِبالِهِم نحو نهاية القرن الرابع للميلاد بهَدَفِ مؤازرة وثنيّي أفاميا في صراعِهِم مع المسيحييّن، ويمكن إرجاع بداية الخَلْط بين النصيرييّن والنصارى أو الناصرييّن إلى ذلك العصر، ومنه نَعْت "الجليلييّن" الذي أطْلَقَهُ جغرافيّو العرب على النصيرييّن، والذي اشتُقَّ من "جبل الجليل" المواجِه لمدينة حمص. زَعَمَ ياقوت الحموي، الذي جَهِلَ أصلَ التسمية، أنّ جبالَ النصيريّة ما هي إلّا امتداد لجبال الجليل في فلسطين.   

لا أدلّ على العقبات في وجه دخول المسيحيّة إلى جبال النصيريّة من الغياب الكامل للكنائس المبنيّة على الطُرُز الشائعة من القرن الخامس إلى السابع للميلاد (١٠)، وإلى اليوم (١١) يتجمّع النصيريّون حول قِبابٍ أو زيارات، ولا نجِد لديهم دوراً للعبادة يمكنُ مقارنتها بالكُنُس أو الكنائس أو المساجد على الإطلاق. 

باختصار لا يعطينا العهدُ البيزنطي معلوماتٍ عن النصيرييّن على الإطلاق، باستثناءِ عدمِ اعتناقِهِم للمسيحيّة. اكتفى البيزنطيّون، كما فَعَلَ المصريّون والآشوريّون قَبْلَهُم، وكما سيفعل العرب والصليبيّون بَعْدَهُم، باحتلالِ بعض النقاط الاستراتيجيّة التي ضَمِنَت هيمنتَهُم على المسالك. هاك على سبيل المثال قلعة الحصن التي كانت مَعْقِلاً منيعاً تحت اسم شبتون أو شبتونة Chabtouna منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد ورعمسيس الثاني، وقلعة صهيون التي انتقلت من الفينيقييّن إلى البيزنطييّن إلى الصليبييّن وأخيراً المسلمين.  

للحديث بقيّة. 




____________

١. صفحة ١٤ من كتاب "تاريخ وديانة النصيرييّن". لا يمكن إنكار  أهميّة إسهام Dussaud في التعريف بتاريخ الإقليم قبل الإسلام، حتّى لو رفضنا اشتقاق "نصيريّة" من  Nazerini. 
٣. هنا (اعتباراً من صفحة ١٧) يسّلم Dussaud أنّ Nazerini = نصيريّة. 
٤. أي في القرن الأوّل للميلاد وما سبَقَهُ. 
٥. أو فينيقيّي الساحل حسب Dussaud. مِنَ المعروف أنّ الفينيقييّن (أو الصيدونييّن نسبة لصيدا وتعميماً على الفينيقييّن)، هي التسمية التي أطْلَقَها اليونانيّون على الكنعانييّن. 
٦. حتّى القرن الرابع للميلاد حَسَب المؤلِّف.
٧. الآراميّة أو السريانيّة.
٨. لاحَظَ Dussaud أنّ التسميات اليونانيّة الهلنستيّة غَلَبَت على المدن في سهول الساحل، بينما احتفظت مواقعُ الجبل بأسمائِها الساميّة وعباداتِها الكنعانيّة.
٩. القرن الخامس للميلاد. 
١٠. اعتَنَقَ الجبلُ المسيحيّةَ اعتباراً من مطلع القرن الخامس الميلادي حسب Lammens (صفحة ١٠) الذي زار الإقليم في أواخر القرن التاسع عشر عندما قدّر إجمالي عدد النصيريّة في سوريّا بحوالي مائتيّ ألف (صفحة ٣). عاين Lammens كثيراً من الدلائل على تواجد مسيحي قوي في الجبال في الفترة البيزنطيّة مخالفاً بذلك رأي Dussaud على طول الخطّ؛ بيد أنّ هذا الأخير (صفحة ١٩) نوّه أنّ زيارةَ زميلِهِ البلجيكي اقتَصَرَت على جنوب المنطقة ومحيط صافيتا ورفَضَ التوكيد بتحوّل النصيريّة إلى المسيحيّة في القرن الخامس. 
١١. أي حتّى عام ١٩٠٠ عندما نُشِرَت دراسة Dussaud. 

Thursday, April 12, 2018

!مَنْ هم النصيريّون؟



أشَرْتُ في مقالٍ سابق إلى أنّ مصطلح "العلوييّن" حديثٌ نسبيّاً، وأنّ الغالبيّة العظمى من المؤلّفين استعملت "النصيرييّن" حتّى عهد الانتداب الفرنسي، ومنهم Lammens و Dussaud؛ تعرّضنا في مقالٍ ثان لأهمّ المراجع عن النصيريّة، العربيّة منها والأجنبيّة، المحايدة منها والمحابية والمعادية. الخطوةُ التالية تعريفُ هذا المكوّن السوري الأصيل وتقصّي خطواتِهِ عَبْرَ التاريخ.

يتوزّع العلويّون اليوم على الكثيرِ من المدنِ والأقاليم السوريّة، عكس الحال عام ١٩٠٠ عندما صَدَرَت دراسة Dussaud. اْنَحَصَر وجودُ الغالبيّةِ العظمى من العلوييّن آنذاك بمنطقةٍ يحدّها غرباً سهول الساحل والبحر المتوسّط، وجنوباً النهر الكبير الجنوبي أو ما عُرِفَ قديماً باسم Eleutheros، وشمالاً الجبل الأقرع Mount Casius مع مصبّ العاصي على البحر، وشرقاً وادي العاصي والسهول المحيطة به. النصيريّون بيضُ البشرة عموماً ممّا دَفَعَ البعضَ إلى رَبْطِهِم بالوجود الصليبي في بلاد الشام في القرون الوسطى (١). فيما يلي أهمّ النظريات عن أصل التسمية، مع أصحاب هذه النظريّات لدى توافرِ معلوماتٍ عنهم:

أوّلاً: اشتَقَّت الروايةُ الأكثر قبولاً اسمَ النصيريّة من أبي شعيب محمّد بن نصير (وفيّات ٨٨٣ للميلاد) ، أحد أتباع إمام الشيعة الحادي عشر الحسن العسكري.  

ثانياً: هناك من قال أنّ أصول النصيريّة تعود إلى أنصار المدينة (يثرب).

ثالثاً: انتشر تعبير "أنصاريّة" منذ أواخر القرن الثامن عشر وزيارة Volney إلى الشرق الأدنى (١٧٨٣ - ١٧٨٥). رفض Lammens هذه التسمية (٢). 

رابعاً: ادّعى Renan أنّ النصيري تصغير ناصري أو نصراني أي مسيحي.

خامساً: حَدَّدَ Pliny (٢٣ - ٧٩ للميلاد) إقليماً أسماه Nazerini، يفصله نهر العاصي عن أفاميا، ويوافق جبال العلوييّن أو Mons Bargylus كما عُرِفَت آنذاك. يترتّبُ على قبولِنا أنّ تسميةَ "النصيريّة" مشتقّةٌ من Nazerini أنّها وَصَفَت إقليماً وليس طائفةً ولا ديناً، وأنّ هذا الإقليم مع سكّانِهِ أقدمُ من الإسلام والمسيحيّة. 

ختاماً لكل إنسان الحقّ في اختيارِ اسمه وهويّتِهِ، وهذا لا ينفي أهميّة التسميات القديمة (٣)، والأسباب خلف هذه التسميات. تغيّرُ الأسماء والأشخاص عبر التاريخ هو القاعدة وليس الاستثناء.


للحديث بقيّة. 

____________
 

١. على نفس المبدأ نَسَبَ بعضُهُم الدروز إلى Comte de Dreux. 
٢. الصفحة الثانية من مقالِهِ الصادر عام ١٨٩٩. أضافَ Lammens الذي زار الإقليم في أواخر القرن التاسع عشر وتعرّف على سكّانِهِ عن كثب، أنّهم لا ينفرون من تسمية النصيريّة. ذَكّرَ  Lammens أيضاً أنّهم أطلقوا على أنْفُسِهِم اسم "الخصيبيّة"، أي أنصار الخصيبي (أبو عبد الله الحسين بن حمدان ٨٧٣ - ٩٦٨ للميلاد) في كتابٍ للتعليم الديني. 
٣. المواقع السوريّة التي تبدّل اسمُها مراراً عبر التاريخ لا تُحْصى ولا تُعَدّ، كما يتبيّن من تصفّح كتاب Dussaud عن طبوغرافيا سوريا التاريخيّة.

Wednesday, April 11, 2018

مصادرُ تاريخِ العلوييّن



تغطّي كتبُ العلومِ الاجتماعيّة في المناهج المدرسيّة السوريّة شتّى المواضيع المتعلّقة بتاريخ وجغرافية "الوطن العربي"، من المحيط (الأطلسي) إلى الخليج (العربي أو الفارسي)، أضِفْ إليها ما يُسمَّى "التربية الوطنيّة" أو "الثقافة القوميّة الاشتراكيّة" التي رَكّزت على فكر حزب البعث. المناهجُ الدينيّةُ إمّا إسلاميّة أو مسيحيّة، لا يتعدّى دورُها تعريفَ الطلّاب بالشعائرِ، والنصوصِ المقدّسة، وإسنادِها، وتفسيرِها، والتعليقِ عليها، وترتيلِها، وحفظها "بصم"، واستعراضِ لمحةٍ تاريخيّة اختيرَت بعنايةٍ فائقة لتجنّبِ "خدش" مشاعرِ التلاميذ وذويهِم. 

لا أذكر أيّ محاولة مهما كانت متواضعة لمناقشةِ معتقداتِ "الغَيْر". مَنْ أراد أن يقرأ عن الأئمّة الشيعة وملّة الإثني عشريّة وغيرِها من المذاهب الإسلاميّة والمسيحيّة واليهوديّة وسائر الديانات، فعليه أن يبحثَ في مراجعٍ خارجيّة، أو أن يسأل أهلَهُ أو رجالَ دينِ طائفتِهِ. سادَ هذا الوضعُ حتّى نهايةِ القرن العشرين وبدأ بالتغيّر مع العصر المعلوماتي. باختصار لا توجدُ تغطيةٌ تستحقُّ الذكر لمكوّناتِ الشعب السوري وأطيافِهِ الدينيّة والمذهبيّة. المقرّرات المدرسيّة "تعلّم" الدين كطقوس وكليشيهات ومسلّمات لا تقبل الجدل، وليس الدين كمكوّنٍ بالغ الأهميّة من تطوّر الفكر اليشري منذ أقدم الأزمنة. 

____________

عودةً على كتاب Dussaud الصادر عام ١٩٠٠ عن "تاريخ وديانة النصيرييّن": دراسةٌ بالفرنسيّة من أوائلِ المحاولاتِ الجادّة لطَرْقِ هذا الموضوع الهامّ بمنهجٍ علمي. بدأ المؤلّف بِذِكْرِ مراجِعِهِ مصنّفاً إيّاها تحت بابين، الأوّل المصادر العلويّة (أو النصيريّة كما أسماها) وعددها ٢٠، والثاني المصادر غير العلويّة بما فيها النصوص الجغرافيّة وروايات الرحّالة من الشرق والغرب وعددها ١١٥. أقتَصِرُ في الأسطر التالية على عيّناتٍ من أهمّ الوثائق: 

المصادر العلويّة
- "كتاب الباكورة السليمانيّة في كشف أسرار الديانة النصيريّة" لسليمان أفندي الأذني أو الأضني بطول ١١٩ صفحة كما طُبِعَ في بيروت عام ١٨٦٣. سَرَدَ هذا الكتاب عدداً من النصوص الدينيّة منها "كتاب المجموع" الذي يُفْتَرَض أنّ محمّداً أعطاه للنصيريّة وأخفاه عن الإسلام (١). يجب هنا التنويه أنّ سليمان أفندي (٢) نصيري، ارتدّ فاعتنق اليهوديّة ثمّ أصبح مسلماً فروميّاً فپروتستانتيّاً (٣). 

كافّةُ هذه الكُتُب متوافرةٌ رقميّاً على الشبكة بالمجّان.

المصادر غير العلويّة
مِنْها المعادي ومنها المحايد:
 - "الرسالة الدامغة للفاسق في الردّ على النصيري". اعتَقَدَ البعضُ أنّها من تأليف حمزة المبشّر الدرزي (٩٨٥ - ١٠٢١ للميلاد)، وزير الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، في محاولةٍ منه للحدّ من انتشار معتقدات النصيريّة إلى جنوب سوريّا عندما اصطدمت مع التبشير الدرزي في وادي التيم.
- زار ابن بطوطة إقليم النصيرييّن في منتصف القرن الرابع عشر للميلاد، وكَتَبَ (صفحة ٩٦ من "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار") أنّ النصيريّة "بعتقدون أنّ علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلّون ولا يتطهّرون ولا يصومون". 
- فتوى ابن تيميّة الشهيرة غنيّةٌ عن التعريف: "هؤلاء القوم المسمّون بالنصيريّة هم وسائر أصناف القرامطة الباطنيّة أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثيرٍ من المشركين وضررهم على أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم أعظم من ضرر الكفّار المحاربين مثل كفّار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإنّ هؤلاء يتظاهرون عند جهّال المسلمين بالتشيّع وموالاة أهل البيت وهم في الحقيقةِ لا يؤمنون بالله ولا برسولِهِ ولا بكتابِهِ ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب ولا جنّة ولا نار ولا بأحد من المُرْسَلين قَبْلَ محمّد صلّى الله عليه وسلّم". 

المصادر الغربيّة
- أوّل من أدلى بمعلوماتٍ دقيقة عن النصيريّة الرحّالة المستشرق Niebuhr عام ١٧٨٠. نَقَلَ عَنْهُ الكثيرون لاحقاً دون إضافةٍ تذكر (٤).
- أشارَ Renan إلى النصيرييّن باختصار (٥) عندما فسّر اشتقاقَ التسمية من "النصارى"، أي أنّ "نصيري" تعني المسيحي أو "النصراني الصغير" petit chrétien. 
- آخرُ الدراسات (٦) مقالُ الأب Henri Lammens، الذي ركّز على ما اعتَقَدَهُ العلاقةَ بين الديانة النصيريّة والمسيحيّة. 

للحديث بقيّة.  

____________


١. أي عن السنّة. 
٢. من قرى أنطاكيا. 
٣. سليمان الأذني شخصيّةٌ وهميّة حسب موقع المكتبة الإسلاميّة العلويّة، بيد أنّ الأب Lammens أفاد بأنّ معطيات الباكورة جديرةٌ بالثقة (صفحة ٧ من مقالِهِ الرائد عن النصيرييّن)، وأنّ المصادر الخارجيّة أثبتت مصداقيَّتَها في كافّة الحالات التي أمكن مقارنتُها. 
٤. اعتباراً من صفحة ٢٩٥ من كتاب "The Asian Mystery" لمؤلِّفِهِ Lyde. 
٦. تزامنت مع كتاب Dussaud كما رأينا. 


تاريخ وديانة النصيرييّن




يمكن اعتبار دراسة البلجيكي الأب Lammens "النصيريّون: ملاحظات عن تاريخِهِِم وديانَتِهِم" الصادرة عام ١٨٩٩ الدراسة الجديّة الأولى عن العلوييّن. المقالُ قصيرٌ لا يتجاوز ثلاثاً وثلاثين من الصفحات ولربّما عُدْتُ إليه في مستقبلٍ قريب. نُشِرَت الدراسة الثانية، موضوع حديث اليوم، عام  ١٩٠٠، في كتابٍ امتدّ على ١٤٣ صفحة بعنوان "تاريخ وديانة النصيرييّن"، بعد أن أهّلت مؤلّفُها Dussaud لإجازةٍ في التاريخ وفقْه اللغة عام ١٨٩٩. الدراستان إذاً متزامنتان ولا مبالغة في اعتبار Lammens و Dussaud عميدَيّ المستشرقين فيما يتعلّق بالتاريخ والتراث السوري. 

____________

فلنَنْظُر، قبل الدخول في مَتْن الكتاب، إلى العنوان: أطلقَ Dussaud، كما فَعَلَ Lammens، على العلوييّن تسمية "النصيرييّن". لا غرابة في ذلك، وعمليّاً تبنّت كافّة المراجع قبل الانتداب الفرنسي هذه التسمية التي بُعِثَت مؤخّراً بمدلولٍ سلبي وطائفي متشنّج (١).  الملاحظة الثانية أنّ Dussaud استعمل تعبير "الديانة النصيريّة" وليس المذهب أو الطائفة النصيريّة (٢). أرْغَبُ أن أوضح منذ البداية أنّني لا أنوي التعرّض إلى المعتقدات العلويّة أو غيرها في هذه الأسطر إلّا ضمن الحدّ الأدنى الضروري لشرح السياق التاريخي ولعدّة أسباب:

الأّول أنّنا نعيش في العصر المعلوماتي، وأنّ الديانات والمذاهب، باطنيّةً كانت أم علنيّة، أصبحت كتاباً مفتوحاً يمكن للمهتمّين مراجعته بالمجّان من مصادر متعدّدة محابية ومعادية، وعلى اعتبار أنّ لكل إنسان الحقّ في تحديدِ هويّتِهِ، أترك للمعنييّن مهمّةَ التعريفِ بأنفسهِمِ ومعتقداتِهِم إن شاؤوا. 

السبب الثاني لعزوفي عن مناقشةِ الجوانب الدينيّة والعقائديّة والشعائر والنصوص المتعلّقة بها، أنّني أهوى التركيز على العلوم الطبيعيّة Physics (٣)، وأتجنّب الخوض في المعتقدات التي تنتمي "لعلوم" ما وراء الطبيعة Metaphysics بغضّ النظر عن الدين قَيْد البحث علنيّاً كان أم باطنيّاً. تتوارث الغالبيّة العظمى من الناس، حتّى أكثرهم تعصّباً، دينَها عن الآباء والأجداد، والمؤمنُ لا يحتاج لبرهانٍ يثبت "حقيقة" ما يؤمن به، وإن بَحَثَ عن دليلٍ، اقْتَصَرَ بَحْثُهُ لا شعوريّاً على ما يؤيّد وجهَةَ نَظَرِهِ المسبقة. ،المؤمن لا يعرف ولا يريد أن يتعرّف على العلوم التجريبيّة والتطبيقيّة إذا خالَفَت معطياتُها عقيدَتَهُ. الإيمان أعمى وأصمّ، وهذا ينطبق على كافّة الأديان والمذاهب. 

السبب الثالث اعتقادي أنّ المكانَ الطبيعي للدين، في مجتمعٍ مدني وعلماني، يقتصرُ أو يَجِبُ أن يقتصرَ على البيوت ودور العبادة، وأنّ جميع الأديان والمذاهب "خير وبركة" طالما أنّها لا تَفْرِض نَفْسَها على الآخرين. العلويّون بالتأكيد ليسو تكفيرييّن ولا حتّى تبشيرييّن، على الأقل في الحاضر والماضي المنظور، وهذا ينطبق على معظم السورييّن وليس فقط الأقليّات السوريّة. 

يمكن دون عناء تفهّم الأسباب التي دَعَت العلوييّن والشيعة يما فيهم الإثني عشريّة إلى استعمال "التقيّة" تجنّباً للاضطهاد عبر التاريخ. لهذا الأسلوب مع الأسف سلبيّاته: عندما يتجنّب المرءُ الحديثَ علناً عن مواضيعٍ معيّنة، وإن خَصَّتَهُ هو بالدرجة الأولى والأخيرة، فهو يفسح المجال للآخرين أن يتكلّموا ويكتبوا نيابةً عنه، وليس هؤلاء "الآخرين" دوماً منزّهين عن الأهواءِ والمآرب، أضِفْ إلى ذلك أنّ الكثيرينَ منهم لا يملكون ما يكفي من الاطّلاع وحسن المحاكمة لتمييز الحقّ من الباطل، بَلْهَ اتّخاذ موقف حيادي وموضوعي. 

للحديث بقيّة.  

____________

١. لنا عودة إلى أصول هذه التسمية. 
٢. أطْلَقَ Dussaud أيضاً اسم الديانة على المذاهب الإسماعيليّة والدرزيّة عندما تَعَرَّضَ لها على سبيل المقارنة. 
٣. بما فيها العلوم الإنسانيّة كالآثار والتاريخ والجغرافيا والفنّ. 

Friday, April 6, 2018

معالم سوريّا التاريخيّة



لربّما كان هذا العمل بالإنجليزيّة أفضل المكتوب عن آثار سوريّا عموماً. الكتابُ موجّهٌ بالدرجةِ الأولى إلى السيّاح الغربييّن، والكاتب الدكتور Ross Burns، مؤرّخ وآثاري وسفير أستراليا إلى سوريّا سابقاً. صدرت الطبعةُ الأولى من "أوابد سوريّة" عام ١٩٩٢. 

من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تغطيةُ أوابد الشام في ثلاثمائة صفحة، مهما كانت كثافتَها بالمعلومات. هذا الحيّز بالكاد يكفي لإعطاء دمشق أو حلب جزءًا من حقِّهِما (١)، وبناءً عليهِ رَكَّزَ Burns على مواقعٍ معيّنة اعتبَرها بيت القصيد، وصَنَّفَ المعالمَ حسب أهميّتِها كما يلي:
 - نالت المواقع الأكثر أهميّةً درجة ***، اي العلامة التامّة كما في حال حلب ودمشق (٢) وبصرى وتدمر وقلعة الحصن والجامع الأموي في دمشق وقلعة سمعان وأفاميا. 
- حَصَلَت بعضُ المواقع على درجة **، ومنها صافيتا وطرطوس وأوغاريت.
- اقتَصّرَت الدرجة على نجمةٍ واحدة * في أمثلة حماة وقلعة دمشق وماري وغيرها. 

من البدهي أنّ هذا التصنيف رأيٌ شخصي، ولا مناص من أن يعترض عليهِ الكثيرون، خصوصاً وأنّ الحيّزَ المخصّص للمعالم الإسلاميّة صغيرٌ نسبيّاً. يمكن تفسير المأخذ الأخير بأنّ تاريخ الإسلام يقلّ عن ١٥٠٠ سنة في بلادٍ عرفت حضارةً مزدهرة منذ الألف الثالث قبل الميلاد. 

____________

استهلَّ المؤلّفُ بمقدّمةٍ تاريخيّة منذ البدايات حتّى الانتداب الفرنسي، تَلَتْها عشرُ صفحاتٍ عن تطوّر العمارة عبر العصور، نأتي بَعْدَها إلى مَتْنِ الكتاب الذي تَناوَلَ المواقعَ الأثريّة حسب التسلسل الأبجدي. أوْرَدَ Burns تحت كلّ باب اسم المكان أو أسمائِهِ المختلفة (٣)، ثمّ زوّدنا بالتفاصيل المتعلِّقة بأفضل السُبُلِ إلى الموقع نأتي بَعْدَها إلى لمحةٍ تاريخيّة، وأخيراً الوصف المعماري والفنّي. العرضُ باختصار أقربُ إلى القاموس أو الموسوعة. خَتَمَ Ross بمجموعةٍ من الخرائط الجيّدة (٤)،  ومعجمٍ للمصطلحات الفنيّة والهندسيّة المعماريّة، وجدولٍ لتسلسلِ الأحداث الزمني من بداية عصر البرونز حتّى جلاء الفرنسييّن، وثَبْتٍ لأهمّ المراجع بعدّةِ لغات.

لا مفرَّ من بعضِ الأخطاء في عملٍ شاملٍ وفردي من هذا النوع (٥)، بيد أنّ غنى الكتاب يعوّضُ القرّاءَ خيراً عن هفواتٍ من هذا النوع. ألْحَقَ المؤلّفُ ٢٠ صورة بالأبيض والأسود لبعض المعالم من نوعيّةٍ مقبولة. هناك بالطبع مراجع أفضل للصور ورقيّةً كانت أم إلكترونيّة، ولربّما فَضَلَّ بعضُ السيّاح استعمالَ كاميراتِهم الخاصّة. 

سوريّا ترحّب بكم!

____________

١. ألّفَ Burns في مطلع القرن الحادي والعشرين كتاباً مستقلّاً عن تاريخ دمشق يُعْتَيَر من أفضل الدراسات عن المدينة. 
٢. احتلّت دمشق ١٠٪ من صفحات الكتاب. 
٣. مثلاً اسم بصرى الرومانيّة Bostra، والسويداء Dionysias، وطرطوس القديمة Antaradus، وهكذا دواليك. 
٤. أضِف إلى هذه الخرائط الكثيرَ من الرسوم والمخطّطات خلال صفحاتِ الكتاب. 
٥. خَلَطَت الخريطة صفحة ٨٤ بين سوق السروجيّة وشارع سوق ساروجا في دمشق، ذَكَرَ المؤلِّف أنّ صلاح الدين ابن أخ أو ربّما ابن أخت nephew نور الدين، إلى آخِرِهِ.