Friday, June 15, 2018

ولاة دمشق من القرن الثالث عشر إلى الثامن عشر



عنوان الكتاب الأصلي بالفرنسيّة "حكّام دمشق تحت المماليك والعثمانييّن الأوائل"، وهو يغطّي الفترة بين بداية حكم المماليك عام ١٢٦٠ (١) وعام ١٧٤٣، أي استهلال ولاية أسعد باشا العظم في دمشق. المؤلّف Henri Laoust، والكتابُ ترجمةٌ فرنسيّة لمخطوط إبن طولون الصالحي الدمشقي (٢) ومخطوط ابن جمعة المقّار (٣). الناشر معهد دمشق الفرنسي وسنة النشر ١٩٥٢.

حقّقَ Laoust مخطوطة ابن طولون وترجَمَها قبل أن تصبح في متناولِ القرّاءِ العرب بفضل محمّد أحمد دهمان عام ١٩٦٤؛ الأسبقيّة إذاً للفرنسييّن وإن كان تحقيق دهمان أغنى بالحواشي والشروحات القيّمة. عَرَّفَ Laoust قرّائَهُ بمحمّد ابن طولون عَبْرَ  مقدّمة شديدة الأهميّة بطول ٢٣ صفحة. المؤلّفُ فقيهٌ حنفي من مواليد صالحيّة دمشق وتلميذ نجيب لجلال الدين السيوطي والنعيمي (٤). عنوان كتاب ابن طولون قيد البحث "إعلام الورى بمن ولّي نائباً من الأتراك بدمشق الشام الكبرى" (٥). ميّزَ Laoust في "إعلام الورى" منهجين لابن طولون: الأوّل يغطّي ٢٠٠ سنة بين ١٢٦٠ إلى ١٤٥٨ تغطيةً شديدة الاختصار، سطحيّة، تتخلّلها أخطاءٌ، ومنقولة عن السلف خصوصاً شمس الدين الزملكاني؛ الفترة الثانية من ١٤٥٨ إلى ١٥٣٦ أغنى بكثير في التفاصيل، بعضُها منقولةٌ عن شهودٍ عيان، وكثيرٌ منها عاصره إبن طولون بل ورآه بأمِّ عينه، خصوصاً المرحلة الانتقاليّة بين آخر العهد المملوكي وأوّل العثماني وهنا لا يوجد إسناد: المعلومات مباشرة وليس "عن فلان وفلان أنّ فلاناً قال". 

نأتي الآن إلى ابن جمعة المقّار، وهو أيضاً دمشقي وحنفي، ومخطوط "الباشات والقضاة" الذي يغطّي الفترةَ بين ١٥١٦، أي بداية العهد العثماني في أعقاب معركة مرج دابق ومصرع قانصوه الغوري، وعام ١٧٤٤. أسلوب ابن جمعة أكثر اختصاراً وأقرب للعاميّة، وما وصلنا من تسلسلِهِ الزمني فيهِ كثيرٌ من الفجوات، وهو أقرب إلى المسودّة منه إلى كتاب أو مخطوط جاهز للنشر. ركَّزَ الفقيهُ، إضافةً إلى ذكر أسماء الولاة والقضاة في دمشق، على أصحاب الكرامات، وبعض رواياتِهِ عصيّةٌ على التصديق على الأقلّ بالنسبة للقارئ المعاصر. ليست أسبقيّة تحقيق "الباشات والقضاة" للفرنسي Laoust بل للراحل صلاح الدين المنجّد (٦) عام ١٩٤٩، أي قبل Laoust بثلاث سنوات. حاولَ المنجّد تغطية ثغرات ابن جمعة من مصادرٍ إضافيّة قدر الإمكان، مع ذيول وشروحات وبالذات عندما تعلّقَ الموضوع بمعلوماتٍ طبوغرافيّة أو منشئاتٍ عمرانيّة في دمشق وغيرها. سَهَّلَ أسلوب المنجّد المطالعة بيد أنّ المحقّق السوري أغفلَ الهوامش التي كتبها إبن جمعة بخطِّ يدهِ، ولحسن الحظّ أضافها Laoust إلى النصّ في المكان الذي اعتقَدَهُ مناسباً. 

ركّزَ إبن طولون وإبن جمعة بالدرجةِ الأولى على الأحداثِ السياسيّةِ، والظروفِ المعيشيّة، والكوارث الطبيعيّة منها والناجمة عن طمع وجهل البشر. التفاصيلُ كئيبةٌ، ومع ذلك بإمكاننا العثور على معلوماتٍ محدودة وثمينة عن آوابد ومعالم دمشق المندثرة منها والموجودة: دار السعادة، جامع الأفرم، قبّة النصر، وحتّى مكان الشنق (٧). يعودُ الفضلُ في تحديدِ الكثيرِ من هذه المواقع إلى حواشي دهمان والمنجّد. تجدرُ هنا الإِشارةُ أنّ العديد من أهمّ معالم دمشق غير مذكور على الإطلاق، ومن الغريب فعلاً ألّا يشير المقّار لا تلميحاً ولا تصريحاً إلى التكيّة السليمانيّة التي قامت على أنقاض قصر بيبرس الأبلق، وحتّى الأبنية المذكورة مرّ عليها الكاتبان مرور الكرام. بالمقابل هناك فيضٌ من أسماء علماء الدين والعسكر الذين نسيهم التاريخ أو كاد. 

الخلاصة المعطيات التي يمكن استخلاصها من المخطوطان أعلاه محدودةٌ وناقصة، وإن لم يقلّل هذا من أهميّتها ولا من فضل الفقيهين الدمشقييّن أوّلاً، ودهمان والمنجّد و Laoust ثانياً، في تغطيةِ فترةٍ طويلة من تاريخ المدينة لم تَنَل حقَّها في المصادرِ المتوافرة. 

____________

١. حلّ المماليك محلّ الأيّوبييّن في الشام بعد عشر سنوات من الإطاحة بهم في مصر. 
٢. وفيّات ١٥٤٦. 
٣. مات ابن جمعة بُعَيد ١٧٤٤. 
٦. المنجّد ١٩٢٠-٢٠١٠. 
٧.  حيّ الخراب ثمّ انتقل إلى "ما بين النهرين" أو الجزيرة" المعروفة حاليّاً باسم ساحة المرجة أو ساحة الشهداء. 

Wednesday, June 6, 2018

دليل دمشق السبعينات



نُشِرَ الكثيرُ من المطبوعات السوريّة، السياحيّة منها وغير السياحيّة، دون تاريخ، ومنها هذا الدليل المُقْتَضَب. استطعت مع ذلك تقدير تاريخ الكتيّب باستقراءِ معلومتين وَرَدَتا فيهِ:

- الأوّلى أرقام الهاتف السداسيّة: إذاً تجاوزنا عقد الستينات.
- الثانية والأهمّ قائمة الفنادق التي يتصدّرها الشيراتون والميريديان "المتوقّع إنجازهما خلال عام ١٩٧٦": نحن والحالُ كذلك على الأغلب في عام ١٩٧٥ على وجهِ التقريب. 

الكتيّب صغير الحجم: ستّون صفحة بقياس ١٢ x ١٧ من عشيرات المتر ضِمْنَها ٢٠ صورة ونيّف بالأبيض والأسود. المؤلّف P شاهينيان ولا يوجد أي معلومات عنه أو عنها في متن الدليل وعلَّهُ امتهن التصوير. 

هناك مآخذٌ على هذا العمل الموجّه للسيّاح الناطقين بالإنجليزيّة. الأخطاء اللغويّة وأخطاء التهجئة كثيرة، والأنكى من ذلك الأخطاء التاريخيّة. أكتفي بمثال واحد يشرح نَفْسَهُ بنفْسِهِ حتّى لا يعتقد البعض أنّني "حنبلي" أكثر من اللزوم:

صفحة ١٤: "غزا المغول سوريّا بقيادة جنكيز خان عام ١٢٦٠، ودمّروا المدينة وقتلوا أهلَها. استولى الملك الظاهر بيبرس على مقاليد الحكم، وحارب الصليبييّن وأخذ أنطاكيا ثمّ تصدّى لاحقاً للمغول ولكن هذا كان عديم الفائدة لانّ الضعف الذي ألحقَهُ هؤلاء بالمدينة أدّى إلى تحوّل التجارة إلى مصر". 

للكتابِ مع ذلك حسناتٌ لا تنكر، منها إمكانيّة حمله في الجيب، وصوره الصغيرة الجميلة، وخصوصاً الملحقات التالية:

١. فنادق دمشق وعناوينها وأرقام هواتفها وتصنيفها حسب درجتها. أعلى الفنادق مرتبةً آنذاك أميّة على شارع البرازيل، وسميراميس، وقطّان، بانتظار افتتاح الشيراتون والميريديان. 

٢. دور السينما وعناوينها وهواتفها؛ المذكور منها ١١ ولا تشمل القائمة سينما غازي. 

٣. المطاعم وما إذا كانت وجباتُها شرقيّةً أم غربيّة، ومَنْ قدّم منها المشروبات الروحيّة. بعض هذه المطاعم داخل المدينة منها الڤاندوم وعلي بابا وأبو كمال، وبعضها في الضواحي كما في القصر والسهل الأخضر. من المطاعم ما اختصّ بالوجبات السريعة كالإيتوال في ساحة النجمة والسبكي هام عند الحديقة المعروفة بنفس التسمية. لا وجود لمطاعم ومحلّات بيع التسقية والفول والفلافل والشاورما ولربّما اعتبرها الناشر "دون المقام". 

٤. النوادي الليليّة داخل المدينة كالكاڤ دو روا ونادي الشرق والكازا، وخارجها ومن أهمِّها كازينو المطار. 

٥. الكباريهات: الطاحونة الحمراء والكروان وغيرها. 

يغلب على الكتيّب إجمالاً الإخراج المتقشّف الذي دَرَجَ من الستينات إلى الثمانينات، ومن استقرائي للأدلّة السياحيّة السابقة في الأربعينات والخمسينات، أو اللاحقة اعتباراً من التسعينات، هناك فوارقٌ ملموسة من ناحية الإخراج والتحقيق اللغوي والتوثيق تشيرُ إلى تدهورٍ في مستوى النشر في "العقود الوسطى". بإمكاننا على الرغمِ من هذه التحفّظات الاستمتاع بالصور، ويبقى الدليل شاهداً لا بأس به على حقبةٍ معيّنة بانتظارِ أن تُعْطَى حَقَّها.  



  

Tuesday, June 5, 2018

دليل دمشق ١٨٥٨



لا يقتصر هذا الدليل على دمشق، بل يغطّي سوريا المركزيّة والجنوبيّة بما فيها فلسطين، مع تركيزٍ خاصّ على القدس والبتراء وتدمر (١). الكتاب أحد أدلّة دار John Murray للنشر في لندن وهي كثيرةٌ، تعود طبعته الأولى موضوع الحديث إلى عام ١٨٥٨ (٢). هذا الدليل السياحي عن سوريّا أقدم ما عَثَرْتُ عليه بالإنجليزيّة إلى اليوم، سَبَقَت طَبْعَتُهُ الأولى الطبعةَ الأولى لدليل Baedeker بثمانية عشر عاماً؛ المؤلّف هو المبشّر الإيرلندي Porter، صاحب الكتاب الشهير "خمس سنوات في دمشق" الذي طُبِعَ للمرّةِ الأولى عام ١٨٥٥. يتجاوز عددُ صفحات الدليل الستمائة. التبويبُ ممتازٌ وهناك بعض الخرائط.. ينتهي الكتابُ بفهرسٍ أبجدي وهذا أمرٌ نادر في ذلك الوقت. لا يتجاوز القسم المخصّص لمدينة دمشق ٢٤ صفحة، ولكن إذا أخذنا صِغَر الأحرف بعين الاعتبار، يمكن أن تتجاوز ترجمتُها العربيّة أربعة أضعاف هذا العدد بكل سهولة. النصُّ شديد الغِنى بالمعلومات. 

اعتمدَ Porter في مختصرِهِ لتاريخِ المدينة إلى درجةٍ كبيرة على الكتاب المقدّس وخصوصاً العهد القديم. المؤلّفُ مع ذلك ذو إلمامٍ معقول بالمصادر العربيّة والإسلاميّة، بدلالةِ استشهادِهِ بإبن كثير وإبن عساكر. رأي Porter بالمسلمين، عرباً كانوا أم أتراكاً، شديدُ السلبيّة، ونظرتُهُ إلى مسيحييّ الشرق فوقيّةٌ على أقلّ تقدير. علينا أن نتذكّر أنّ المستشرق پروتستانتي، بريطانيّ الهوى، يفخر بالتبشير الإنجيلي في الشرق الأدنى (٣) ويستشهد بالدكتور ميخائيل مشاقة الذي "يمهّد الطريق لنشر الحقيقة الإنجيليّة". تعصّبُ الكاتب مفهومٌ في القرن التاسع عشر والعهد الڤيكتوري وإن لم يقلّل من أهميّةِ ما كَتَبُه تاريخيّاً وتوثيقيّاً.

____________  


قدّر المؤلّف عدد سكّان دمشق بحوالي ١٥٠٠٠٠ نسمة، منهم ١٥٠٠٠ مسيحي و ٦٠٠٠ يهودي والباقي مسلمون؛ يشملُ هذا الرقم الصالحيّة التي تراوح عدد سكّانها بين ١٠٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠. هناك فندقان في المدينة: الأوّل فندق تدمر على الشارع المستقيم وهو حسب المؤلّف قذر وصاحبه غشّاش، والثاني اللوكاندة الجديدة أو لوكاندة الملّوك وهي في الواقع بيت علي آغا خزنة كاتبي (٤) ولا يزال ملكاً لابنته بإدارة الإخوان ملّوك. هناك بعد ذلك وصف عامّ للمدينة، أكبر مدن تركيّا الآسيويّة حسب الكاتب، يشمل قبّة النصر على قمّة جبل قاسيون (٥) قبل أن يبدأ بجولةٍ ممنهجة في المدينة وحولها كما يلي:

١. المشوار الأوّل حول سور دمشق انطلاقاً من الباب الشرقي الذي ينصح الكاتبُ قرّائَهُ بتسلّقِ مئذنتِهِ المهجورة لرؤيا پانوراميّة للمدينة. نتّجه بعد ذلك جنوباً وهنا وصف Porter برجاً في سور المدينة عليه شعارات ملكيّة فرنسيّة وإنجليزيّة (٦)؛ يقع هذا البرج بين الباب الشرقي وباب كيسان الذي كان مسدوداً وقتها. كان الخندق جنوب سور المدينة ظاهراً آنذاك، وأفاد الكاتب بوجود آثار سور خارجي (٧) موازي للسور الحالي، وأضاف أنّ ابراهيم باشا أزال هذا السور وردم معظم الخندق. إذا تابعنا من باب كيسان باتجاه الشرق نرى قبّة سيدي بلال؛ أكّدَ Porter أنّ بلال هذا غير بلال الحبشي المدفون في مقبرة الباب الصغير الذي عدّد بعض الأضرحة الشهيرة فيها (٨). نتابع المسيرة إلى الشرق والشمال حتّى جامع سنان باشا عند باب الجابية، ومن ثمّ إلى السرايا (٩) والثكنات التي بناها إبراهيم باشا إلى الغربِ منها. هناك وصفٌ معقول للقلعة التي كانت لا تزال محاطةً بالخندق وتحتاج زيارتهُا إلى إذنٍ خاصّ. نتابع إلى سوق السروجيّة ومن ثمّ باب الفرج وبعدَهُ باب الفراديس وبين السورين وباب السلام وباب توما مع ذكرٍ لبعض المقاهي على الطريق؛ نعرّج إثرَ ذلك على الشيخ رسلان وبيت النعمان أو مستشفى الجذام، لنكملُ دورة أسوارِ المدينة حيث بدأناها لدى الباب الشرقي. 

٢. المشوار الثاني يبدأ من الباب الشرقي أيضاً، ولكن إلى داخل المدينة باتّجاه الغرب على الشارع المستقيم حيث نشاهد على الطريق دير الأرمن وكنائس السريان والروم الكاثوليك وبيت حنانيا إلى اليمين وبجواره أنقاض كنيسة المصلّبة التي استُعْمِلَت لفترةٍ طويلة كمسجد قبل أن تُهْجَر. نتابع على الشارع المستقيم إلى الكنيسة أو الكاتدرائيّة المريميّة (١٠) فبقايا القوس الرومانيّة وبيت يهوذا المزعوم (١١) حتّى نصل إلى سوق البزوريّة ومعالمه الشهيرة خان أسعد باشا وقصر العظم، ونعرّج على مدرسة وتربة نور الدين وسوق الخيّاطين وخان التتن فسوق الصاغة الذي بإمكاننا لقاء بخشيش تسلّق سقفه لرؤية الجانب القبلي للجامع الأموي.


وصفُ الجامع الكبير ومحيطهِ لا بأس بِهِ أبداً رغم أنّ دخولَهُ كان ممنوعاً وقتها على غير المسلمين، على الأقلّ من الناحية النظريّة (١٢). سَبَقَ أن تعرّضَ الكاتبُ إلى حرم الصلاة في كتابِ "خمس سنوات في دمشق"، ووضع خريطةً جيّدة للجامع مع المنطقة المحيطة به بما فيها معالم اندثرت مع نهاية القرن التاسع عشر كالرواق المعمّد جنوب باب الزيادة. 

ننتقل من الجامع إلى المدرسة الظاهريّة وضريح صلاح الدين والمسكيّة أو "سوق الكتب" غرب باب البريد، ومن ثمّ شرق الجامع إلى منطقة النوفرة والمقهى الشهير قربها. أفاد Porter بوجود نقش كتابي باليونانيّة على حجرٍ كبير في باب جيرون شَهِدَ أنّ الإمبراطور Arcadius رمّم كنيسة يوحنّا المعمدان المباركة (١٣). 

يمكن ابتياع الكثير من النفائس الشرقيّة من سوق الأروام (١٤)، وهنا حَذَّرَ الكاتبُ الزوّارَ من غشّ وكذب التجّار الشرقييّن، الذين لا يتردّدون في رَفْعِ أسعار سلَعِهِم عدّة أضعاف، خاصّة للزوّار الإفرنج، ويقسمون زوراً بأغلظ الايمان أنّهم يبيعون على مضض وبخسارة.  

٣. المشوار الثالث للضواحي. نبدأ من سوق الحلوانييّن (١٥)، فسوق المحايريّة وشجرة الدلب المعمّرة الضخمة (١٦) فسوق الخيل ثمّ المرج الأخضر (١٧) والتكيّة السليمانيّة التي ذَكَرَ الكاتب خطأً أنّ بانيها هو السلطان سليم الأوّل عام ١٥١٦ (١٨).  
إ
 نصلُ، إذا عدنا على خطانا من الغرب إلى الشرق، إلى جامع سنان باشا، ونتّجه منه جنوباً إلى الميدان "أكبر ضواحي دمشق" كما نعته الكاتب. يلي ذلك وصفٌ لطريق ومحمل الحجّ.

هناك استعراضٌ جيّدٌ وموجز للبيوت الدمشقيّة. دخولُ الحرملك في بيوت المسلمين متعذّرٌ، وليس هذا الحال في البيوت اليهوديّة والمسيحيّة. البيوت اليهوديّة هي الأكثر بذخاً، بيدَ أنّ المسيحيّة أجمل بكثير وأرفع ذوقاً. ذكر Porter من البيوت اليهوديّة قصريّ فارحي ولزبونة، ومن المسيحيّة بيتا شاميّة وفريج (١٩).    

نختم بثلاثة مشاوير خارج المدينة، الأوّل إلى جوبر وكنيسها الشهير العريق شرقاً، والثاني إلى الصالحيّة شمالاً عبر "بوّابة الصالحيّة" ومروراً بطريق الصالحيّة حيث نرى إلى اليمين بيت "رئيس باشا" الجميل (٢٠). لا توجد معلومات تذكر عن الصالحيّة ذاتها التي نتّجه منها غرباً إلى خانق الربوة. المشوار الأخير يبدأ من باب توما إلى برزة ومقام إبراهيم نحو صيدنايا. أتوقّفُ هنا وعذراً للإطالة.  

____________

١. الدليل موزّعٌ على جزأين: يغطّي الأوّل سيناء وإدوم (شرق الأردنّ) وجنوب فلسطين والقدس، والثاني شمال فلسطين وحوران ولبنان وبعلبك ودمشق وتدمر ووادي العاصي والساحل السوري وحلب واسكندرون. 
٢. أُعْيدَت طباعتُهُ عام ١٨٦٨.
٣. اقتصَرَ التبشير الأوروپي عموماً على المسيحييّن واليهود. التبشير بين المسلمين محظور. 
٤. يعرف حاليّاً تحت اسم بيت نظام. 
٥. دُمِّرَت أيّار عام ١٩٤١. 
٦. زهرة الزنبق والأسد: انظر دراسة المعهد الفرنسي "أبواب وأسوار دمشق" صفحة ١٠٦، شكل ٩١. 
٧. الفصيل. انظر دراسة يامن دبّور في عدد مجلّة الدراسات الشرقيّة الصادر عام ٢٠١٢. 
٨.  معاوية وابن عساكر وفاطمة وثلاثٌ من زوجات محمّد. 
٩. المشيريّة مكان قصر العدل حاليّاً. 
١٠. المريميّة حسب الكاتب حديثة بنيت في القرن التاسع عشر. الكنيسةُ كبيرةٌ تخلو من الذوق إلى آخر النعوت السلبيّة، وهذا طبعاً قبل تدميرها في مجزرة ١٨٦٠. 
١١. حيث نزل القدّيس بولس؛ أعمال الرسل، الأصحاح التاسع، الآية ١١: "فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الزُّقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلًا طَرْسُوسِيًّا اسْمُهُ شَاوُلُ . لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي،".
١٢. سُمِح بالنظر من خلال بابيّ جيرون والبريد. 
١٣. رَفَضَ Dussaud هذا الزعم. 
١٤. جنوب القلعة مكان مدخل سوق الحميديّة حاليّاً. 
١٥. شارع الملك فيصل حاليّاً. 
١٧. غرب المدينة؛ بُنِيَ عليه في القرن العشرين المتحف ومعرض دمشق الدولي.
١٨. كَرَّرَ عددٌ من الرحّالة لاحقاً هذا الادّعاء كالببّغاوات. 
١٩. لم أستطع الحصول عن معلومات عن هذا الأخير حتّى في دراسة Weber الموسوعيّة، بيد أنّ كاتب الدليل ذَكَرَ أنّ فريج كان تاجراً للسجّاد العجمي في خان أسعد باشا. 
٢٠. علّها جادّة الرئيس المجاورة للمشفى الإيطالي حاليّاً. 

Monday, June 4, 2018

دمشق في نهاية القرن السادس عشر: ثلاث وقفيّات عثمانيّة


احترقَ بناءُ مديريّة الأوقاف في دمشق مع نهاية الحرب العالميّة الثانية، وفُقِدَت بذلك الكثيرُ من الوثائقِ التي لا تقدّر بثمن. معلوماتُنا عن دمشق القرن السادس عشر محدودةٌ إذ نزع المؤرّخون وقتها، ومنهم ابن طولون، إلى رؤيتِها ووصفِها من خلال أوابدِها الدينيّةِ بالدرجةِ الأولى؛ بإمكاننا مع ذلك استقراء المعطيات المتوافرة ورسم صورة معقولة لدمشق، التي كانت آنذاك خامس مدن الإمبراطوريّة العثمانيّة من ناحية عدد السكّان (١). قُدّرت مساحةُ المدينة الكليّة بحوالي ٢٥٠، هكتار منها ١٣٠ هكتار داخل السور، حيث تواجدت مساحاتٌ كبيرة غبر سكنيّة، أهمّها الجامع الاموي والقلعة وبستان القطّ (٢) وكثير من المباني التجاريّة كالخاناتِ وغيرِها. الأحياءُ خارج السور شعبيّةٌ، صغيرةُ المباني، ومكتظّةٌ بالسكّان، ومعظمها مسلمة، مع تواجدٍ يهوديٍّ هامّ في جوبر وبيت لهيا (٣)، وقليلٍ من المسيحييّن جنوباً في باب مصلّى. القرن السادس عشر زاخرٌ بالإنجازات من الناحيةِ المعماريّة، بدايةً بجامع محي الدين ابن عربي في الصالحيّة، ومن ثمّ التكيّة السليمانيّة ومنشئات لالا مصطفى باشا (٤) ومراد باشا (٥) ودرويش باشا (٦). تجمّدت العمارةُ في القرن السابع عشر واستؤنِفَت في القرن الثامن عشر على يد فتحي الدفتري وآل العظم ولكن هذه القصّة خارجة عن البحث قيد الحديث.    

نَشَرَ المعهد الفرنسي في دمشق دراسةً بقلم Jean-Paul Pascual بطول ١٦٠ صفحة، وثّقَ خلالَها وقفيّات اثنين من ولاة دمشق في القرن السادس عشر: الأوّل سنان باشا الذي تولّى ١٥٨٦ - ١٥٨٧، والثاني مراد باشا الثاني الذي تولّى ١٥٩٢ - ١٥٩٤ ثمّ ١٥٩٥ - ١٥٩٦. تواجَدَت الوقفيّات وقتها في المكتبة الظاهريّة. وقفيّة سنان باشا نسخةٌ أنجزت عام ١٨٩٥ للأصل العائد لعام ١٥٩٥ - ١٥٩٦، أمّا وقفيّتي مراد باشا فإحداهما تعود لعام ١٥٩٥ والثانية ١٦٠٨ - ١٦١١. اشتركَ الإثنان بتولّي دمشق والصدارة العظمى للإمبراطوريّة خلال مسيرتِهِما المهنيّة الغنيّة، بيدَ أنّ وقفيهِما في دمشق مختلفان إلى حدٍّ كبير.   

وقف سنان باشا في القرن السادس عشر الثاني في الأهميّة في دمشق بعد وقف الجامع الأموي، رُصِدَت له الكثيرُ من البساتين والقرى والمزارع التي فصّلتها الوقفيّة مع وظائف االعاملين بالوقف والمشرفين عليه ومرتّباتهم. أُنْفِقَت أموالٌ طائلة في بناء جامع سنان باشا في محلّة باب الجابية (٧)، والسوق المسقوف المجاور له الذي ارتكَزَ على تسعة عشر عقداً، مع حمّام ومكتب أو كتّاب. لم يجشّم كتبة الوقفيّة أنفُسَهُم عناء وصف هذه المنشئات وتركوا هذه المهمّة للأجيال اللاحقة والأجانب وعلى سبيل المثال Thévenot (٨) لذي أعطانا فكرةً عن المظهر الخارجي للجامع والصحن في منتصف القرن السابع عشر. تعيّن على أوّل وصف معماري مهني مع خريطة دقيقة الانتظار حتّى العقد الثاني من القرن العشرين وأبحاث الألمانييّن Wulzinger و Watzinger (٩). الخلاصة وقف سنان باشا ديني بالدرحة الأولى ويقع خارج سور المدينة شأنه في ذلك شأن عمائر درويش باشا ومراد باشا الأوّل. 

وقف مراد باشا أكثر تواضعاً وتغْلِبُ عليهِ طبيعةٌ اقتصاديّة إذ خُصِّصَ ريعُهُ لفقراء الحرمين في مكّة والمدينة. الموقع داخل السور قرب الجامع الأموي نحو الغرب، والوقفُ مؤلَّفٌ من مجموعةٍ من الأبنية أهمُّها خان وبدستان (١٠). يوافق موقع هذا البدستان خان الجمرك حاليّاً وإن ترتّبَ على تفاصيلِ وصفِهِ في الوقفيّة أنّه اختَلَفَ في توزيعِهِ عن المبنى الحالي.  

____________

١. قُدّر عدد سكّان دمشق آنذاك بحوالي  ٥٥٠٠٠ نسمة، بعد القسطنطينيّة ثمّ القاهرة ثمّ بروصة أو بورصة (عاصمة الإمبراطوريّة الأولى) وأخيراً حلب. 
٢. جنوب المدينة الشرقي كما نرى في الخريطة. 
٣. بيت لهيا + عنّابة = القصّاع حاليّاً. 
٤. تولّى لالا مصطفى باشا دمشق ١٥٦٣ - ١٥٦٩. 
٥. مراد باشا ١٥٦٨ باني جامع النقشبندي في السويقة، ويتعيّن التمييز بينه وبين الوالي الثاني الذي يحملُ نفس الإسم. 
٦. درويش باشا ١٥٧١. 
٧. على أنقاض جامع البصل وجامع سوق الحبّالين. 
٨. انظر "الترحال في المشرق"، صفحة ١٥ من النسخة الإنجليزيّة. أطلق Thévenot على جامع سنان باشا تسمية "الجامع الأخضر" عندما زار المدينة ١٦٦٣ - ١٦٦٤. 
٩. أجرى الألمانيّان دراساتِهِما الميدانيّة ١٩١٧ - ١٩١٨، ونشرا القسم الثاني منها عن دمشق الإسلاميّة عام ١٩٢٤. 
١٠. أو بزستان: مبنى مخصّص لبيع الأقمشة الفاخرة. 

Sunday, June 3, 2018

ترخيم الجامع الأموي


يتميّزُ جامع بني أميّة الكبير، إضافةً إلى اتّساع مساحتِهِ وإبداعِ تنفيذِهِ وانسجامِ عناصرِهِ، بالبذخ في الزخرفة كما رأينا في الفسيفساء التي لا زالت بعضُ مكوِّناتِها الأصليّة موجودةً، والكرمة المذكورة في روايات المؤرّخين والتي انقرضت في أعقاب حريق ١٨٩٣،وإن لمحناها، مع منبر الجامع الخشبي وجزء من المحراب، في لوحة Leighton العائدة إلى عام ١٨٧٥. نأتي الآن إلى الرخام الذي ارتأى المقدسي (١) أنّه أعجب ما في الجامع، وأنّ من يزوره يوميّاً لمدّة عام كامل يكتشف تفصيلاً جديداً في كلّ يوم:

" أعجب شيء فيه تأليف الرخام المجزّع كلّ شامة إلى أختها ولو أنّ رجلاً من أهل الحكمة اختلف إليه سنةً لأفاد منه كلّ يوم صيغة وعقدة أخرى". 

غطّى هذا الرخام المجزّع، أي الذي تخلّلتهُ عروقٌ ملوّنة، قاعدةَ الجدرانِ في حرم الصلاة والأروقة الشرقيّة والغربيّة والدعامات إلى ارتفاع أربع أمتار تحت شريط الكرمة الذي فَصَلَهُ عن الفسيفساء. أصيبَ الرخامُ بأضرارٍ جسيمةٍ عبر القرون بشهادة ابن جبير (٢):

"وكان هذا الجامع المبارك، ظاهراً وباطناً، منزلاً كلّه بالفصوص المذهبة، مزخرفاً بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرّتين، فتهدّم وجدّد، وذهب أكثر رخامه، فاستحال رونقه". 

رُمِّمَ الرخامُ، أو بعض مكوّناتِهِ، في عهد صلاح الدين ومن ثمّ الظاهر بيبرس الذي أنفق قي هذا السبيل أكثر من ٢٠٠٠٠ دينار. أجرى نائب دمشق المملوكي تنكز ترميماتٍ إضافيّة لرخام  قاعة الصلاة بين ١٣٢٦ و ١٣٢٩، وما تبقّى اليوم يعود إلى ترميمات ١٩٠٤ - ١٩١٠ في أعقاب حريق ١٨٩٣. 

لم يبقَ من الرخام الأصلي شيءٌ يذكر، اللهمّ إلّا ما نراه في الصورةِ المُرْفَقة عن Degeorge من جدار الرواق الشرقي للجامع داخل باب جيرون تحت آثار فسيفساء الوليد. 

____________

١. صفحة ١٥٨ من "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم". المقدسي من مواليد ٩٤٥ ووفيّات عام ١٠٠٠ للميلاد على وجه التقريب. 
٢. صفحة ٢١٧ من الرحلة. زار ابن جبير دمشق عام ١١٨٤ للميلاد. 

____________


Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Saturday, June 2, 2018

جامع بني أميّة وباب الزيادة


للجامع الأموي أربعةُ أبوابٍ رئيسة: الشمالي أو باب الكلّاسة (١)، الغربي أو باب البريد أو المسكيّة، الشرقي أو باب جيرون (٢)، والجنوبي أو باب الزيادة أو باب الساعات الأوّل. رأينا سابقاً كيف أُضيف أو "زِيد" باب الزيادة على الأرجح لدى بناء الجامع في عهد الوليد بن عبد الملك، عندما قام هذا الأخير بسدّ بوّابة الهيكل الروماني الجنوبيّة الثلاثيّة الفتحات، كما رأينا أنّ باب الزيادة هذا أُزيحَ قليلاً نحو الشرق في وقتٍ لاحق؛ السؤال هنا: أين وكيف ولماذا؟

بالتدقيق في الصورة الملحقة (٣) لجدار الجامع القبلي بين مئذنة قايتباي أو  المئذنة الجنوبيّة الغربيّة وباب الزيادة كما نعرفه حاليّاً، نشاهدُ بقايا مدخل مستطيل مسدود؛ توافقُ هذه البقايا امتدادَ الرواقِ المعمّد الجنوبي الذي وصفه المبشّر الإيرلندي Porter، ورسمه على خريطتِهِ الشهيرة للجامع والمنطقة المحيطة به عام ١٨٥٥. مع الأسف اندثرت معالم هذا الرواق مع نهاية القرن التاسع عشر. 

يعود النصّ الآتي (٤) عن النعيمي إلى مطلع القرن السادس عشر:
"قال في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة: وفي شهر ربيع الآخر نقض الترخيم الذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزيادة. فوجدوا الحائط متجافيا فخيف من أمره وحضر النائب تنكر ومعه القضاه وأرباب الخبرة فاتفق رأيهم على نقضه وإصلاحه وذلك يوم الجمعة سابع عشرين شهر ربيع الآخر". 

بعبارةٍ ثانية، أزيلت الكسوة الرخاميّة للقسم الغربي من الجدار القبلي للجامع في الحادي عشر من آذار مارس عام ١٣٢٨ عندما اكتشف المسؤولون سوءَ حالة هذا الجدار والتمسوا الإذن من السلطان المملوكي الناصر محمّد بهدمِهِ وإعادة بنائِهِ وهكذا كان؛ أُعيدَ إثر ذلك فتحُ باب الزيادة الذي كان مغلقاً لعدّة سنوات، مع إزاحته قليلاً إلى الشرق ليأخذ الموضع الذي نعرفُهُ حاليّاً. 


تركّزُ الصورةُ الثانية على المدماك السادس من الأسفل إلى الأعلى، ونرى في مركزِها آثارَ تمثالٍ نصفيّ لا ريب أنّه يعود إلى العهد الروماني أو البيزنطي، أعيد استعمالُهُ في سدّ باب الزيادة الأصلي. 

____________

١. يدعى أيضاً باب العمارة أو الناطفييّن أو الفراديس. 
٢. أو باب النوفرة أو القيمريّة أو باب الساعات الثاني. 
٣. عن Degeorge. 
٤. صفحة ٣٠٣ من كتاب "الدارس في تاريخ المدارس"، الجزء الثاني. كتب النعيمي في مطلع القرن السادس عشر وكرّر العلموي نفس المعطيات بعد بضع عشرات من السنوات؛ ترجم Sauvaire العلموي إلى الفرنسيّة مع التحقيق والتعليق والتفسير عام ١٨٩٦ (صفحة ٢١٤ من "وصف دمشق"). 

____________

Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010. 

Friday, June 1, 2018

جامع دمشق الأموي والنموذج البيزنطي لواجهة الحرم الشماليّة


انطلقَ الموكبُ الإمبراطوري من القصر إلى كاتدرائيّة آيا صوفيا في القسطنطينيّة من بوّابةٍ برونزيّة ضخمة أو ما يُسَمّى Chalke. أُعيدَ بناءُ هذه البوّابة بعد عام ٥٣٢ للميلاد، ضمن برنامجٍ معماريٍّ شمل الكنيسة، بمبادرةٍ من Justinian. قُدِّر لآيا صوفيا البقاء، أمّا القصر وبوّابته فقد اندثرا منذ قرون، بيد أنّنا نملكُ فكرةً معقولةً عن هيئة هذه البوّابة بفضل فسيفساء كنيسة Sant'Apollinare Nuovo في Ravenna، حيث تمثّل هذه الفسيفساء واجهة قصر Theodoric العظيم ملك القوط الشرقييّن Ostrogoths، الذي أمضى سنواتٍ مُحْتَجَزاً كرهينةٍ في القسطنطينيّة في النصف الثاني للقرن الخامس الميلادي، وبنى لاحقاً قَصْرَهُ في إيطاليا على غرار النموذج الذي شاهده في العاصمة البيزنطيّة، بما في ذلك واجهة القصر - البوّابة. 

الصورةُ الملحقة عن Degeorge مقارنةٌ بين الفسيفساء الإيطاليّة المذكورة أعلاه من جهة، والواجهة الشماليّة المطلّة على الصحن لحرم صلاة الجامع الأموي من جهةٍ ثانية. ليس التشابه بينهما في رأي الدكتور Flood محض صدفة، سواءً في الواجهة الجملونيّة للمجاز المعترض أم في العقود الكبيرة على طرفي المجاز والأقواس الأصغر فوقَها. قد يعترضُ البعض أنّ البوّابة Chalke، التي شاهدها Theodoric أثناء إقامته في القسطنطينيّة بين ٤٦٤ و ٤٧٢ للميلاد، دُمِّرَت خلال قلاقل ٥٣٢؛ مع ذلك هناك ما يدعو للاعتقاد أنّ البوّابة القديمة لم تختلف كثيراً عن البوّابة التي بناها Justinian في القرن السادس إلّا بالقبّة التي تعلوها. هذه القبّة غير موجودة في فسيفساء Ravenna بينما لا يزال الأموي محتفظاً بقبّة النسر، أو بالأحرى آخر حفيدة لها بعد حريق ١٨٩٣. اقتباسُ الوليد ومهندسيهِ من القوط و Theodoric ليس وارداً، والأقرب للصواب حسب Flood أنّ كليهما استندا إلى النموذج البيزنطي. 

الفرق في دمشق أنّ موضوع الحديث واجهة حرم الصلاة وليس واجهة القصر، ولكن وجود الخضراء على مسافةٍ قليلةٍ نسبيّاً جنوب الجدار القبلي للجامع يعزّزُ الفرضيّةَ القائلة أنّ مدخل الحرم الشمالي الفخم كان بمثابة واجهة للمجمّع، أي  الجامع + القصر.  


Gérard Degeorge. La grande mosquée des Omeyyades à Damas.  Actes Sud, 2010.