Sunday, January 4, 2026

النصيريّون تحت المماليك

 


لم يطرأ تحسّنٌ يستحقُّ الذكر على وضع النصيريّة بعد رحيل الصليبييّن. بالإمكان الحكم على صِحَّةِ هذه المقولة باستقراء الفتوى الشهيرة لشيخ الإسلام ابن تيميّة (١) وممّا جاء فيها: 

"وقد اتّفَقَ علماءُ المسلمين على أنّ هؤلاء لا تجوز مناكحتُهُم؛ ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوّج منهم امرأة ولا تُباح ذبائحُهُم ...

ولا يجوز دَفْنُهُم في مقابرِ المسلمين ولا يصلّى على من ماتَ مِنْهُم ... 

وإذا أظهروا التوبةَ ففي قبولها منهم نزاعٌ بين العلماء؛ فَمَن قَبِلَ توبَتَهم إذا التزموا شريعةَ الإسلام أقرَّ أموالَهُم عليهِم، ومن لم يَقْبَلها لم تُنْقَل إلى ورثتِهِم من جِنْسِهِم؛ فإنّ مالَهُم يكون فيئاً لبيتِ المال؛ لكن هؤلاء إذا أُخِذوا فإنّهم يظهرون التوبةَ؛ لأنّ أصلَ مذهَبِهم التقيّة وكتمان أمرِهِم وفيهم من يعرف وفيهم من قد لا يعرف ...

ولا ريب أنّ جهادَ هؤلاء وإقامة الحدودِ عليهم من أعظمِ الطاعات وأكبرِ الواجبات وهو أفضل من جهادِ من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإنّ جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدّين ..."


باختصار ارتأى ابن تيميّة أنّ النصيريّةَ مرتدّون، وأنّ التزاوجَ معهم من المحرّمات، والجهادَ ضِدَّهم فرض. قبولُ "توبة" النصيرييّن أمرٌ فيه خلاف، وإذا لم يتوبوا فلا حقّ لهم بتوريثِ مالِهم لذريّتِهم. 


هناك أيضاً شهادة ابن بطوطة (٢):

"الطائفة النصيريّة الذين يعتقدون أنّ علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلّون ولا يتطهّرون ولا يصومون. وكان الملك الظاهر ألزَمَهم بناءَ المساجدِ بقراهم، فبنوا بكل قريةٍ مسجداً بعيداً عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمرونه. وربّما أَوَت إليهِ مواشيهُم ودوابّهُم وربّما وَصَلَ الغريبُ إليهم فينزل بالمسجد ويؤذّن إلى الصلاةِ فيقولون لا تنهق عَلَفُكَ يأتيكَ وعددهم کثير.ً 


الكلام عن الظاهر بيبرس طبعاً. انتهى الأمر بالنصيريّة إلى التمرّد في عهد السلطان الناصر محمّد كما ذَكَرَ ابن بطوطة: 

"فغدروا مدينةَ جبلة، وأهلُها في صلاة الجمعة، فدخلوا الدور، وهتكوا الحريم . وثار المسلمون من مسجِدِهم، فأخذوا السلاحَ وقتلوهم كيف شاءوا واتّصل الخبرُ باللاذقيّة، فأقبل أميرُها بهادر عبد الله بعساكره ... واتّبعوهم حى قتلوا منهم نحو عشرين ألفاً، وتحصّن الباقون بالجبال. وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه ديناراً عن كلّ رأس، إن هو حاوَلَ إبقاءَهُم. وكان الخبرُ قد طير بِهِ الحمام إلى الملك الناصر. وصَدَرَ جوابُهُ أن يحمل عليهم السيف. فراجعَهُ ملك الأمراء، وألقى له أنّهم عمّال المسلمين في حراثةِ الأرض، وأنهم إن ُقِتلوا ضَعِفَ المسلمون لذلك، فأمَرَ بالابقاءِ عليهِم.


خلاصة الاقتباس الأخير من ابن بطوطة أنّ النصيرييّن غدروا بأهل جبلة، فجرَّدَ عليهم الأمير بهادر عبد الله (٣) حملةً وقَتَلَ منهم حوالي عشرين ألفاً. عَرَضَ من بقي على قيدِ الحياة من النصيريّة دَفْعَ فديةٍ، بيد أنّ السلطان أبْرَمَ أمْرَهُ بإبادَتِهِم، وإن قَرَّرَ بالنتيجةِ حَقْنَ دمائِهِم عندما بيّن لهُ عاملهُ أهميَّتَهُم الاقتصاديّة للمسلمين وأنّه لا غنى عنهم في فلاحةِ الأرض. 


الصورة الملحقة لنقش بيبرس الكتابي على البرج الرابع لقلعة دمشق، أما النصّ فمن السورة الأولى في كتاب المجموع (٤). 


يتبع. 


____________


١. ابن تيميّة وفيّات ١٣٢٨ للميلاد. 

٢. وفيّات ١٣٦٨ م. 

٣. بهادر بن عبد الله الجمالي من وفيّات ١٣٨٤ للميلاد. أحد مماليك السلطان الناصر محمّد. 

٤. الباكورة صفحة ٨. يمكن أيضاً مراجعة دراسة Dussaud صفحة ١٨٢. كتاب المجموع مؤلّف من ١٦ سورة عن صلوات النصيرييّن وتعليمِهِم الديني. لا معلومات مؤكّدة لدينا (Dussaud صفحة XIV) عن المؤلّف والتاريخ. أفاد صاحبُ الباكورة، أي سليمان أفندي الأذني، أنّ العقيدة والصلوات النصيريّة بِشَكْلِها النهائي تعود إلى الخصيبي. تقولُ الروايةُ الأكثر تداولاً أنّ كتاب المجموع الحاوي على وصايا علي من تأليف النبي محمّد الذي وهَبَهُ للنصيرييّن دون كَشْفِهِ للمسلمين. 

نصيريّون وصليبيّون واسماعيليّون

 


نَقَلَ الأسقف الماروني يوسف سمعان السمعاني (١٦٨٦ - ١٧٦٨) عن التاريخ السرياني لابن العبري (١٢٢٦ - ١٢٨٦) كيف قَتَلَ الصليبيّون عدداً كبيراً من النصيرييّن أثناء زَحْفِهِم من المعرّة عَبْرَ لبنان (١) عام ١٠٩٨ للميلاد. أطلق بعضُ مؤرّخي الفترة الصليبيّة على النصيرييّن تسمية Nossorites، وذكروا أنّهم مارسوا ديانةً غامضة (٢). 


منظور ابن تيميّة مختلفٌ جذريّاً عن رواية ابن العبري، ويتلخّص بأنّ النصيرييّن وحّدوا جهودَهم مع الصليبييّن:

"من المعلوم عندنا أنّ السواحلَ الشاميّة إنّما استولى عليها النصارى من جهتهِمِ وهم دائما مع كلِّ عدوٍّ للمسلمين؛ فهم مع النصارى على المسلمين. ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار . ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله تعالى - النصارى على ثغور المسلمين ... فهؤلاء المحادون لله ورسولِهِ كثروا حينئذ بالسواحلِ وغيرها فاستولى النصارى على الساحل؛ ثمّ بسببِهِم استولوا على القدسِ الشريف وغيرِهِ". 


كلام ابن تيميّة واضحٌ لا لَبْسَ فيه بيد أنّ Lammens تحفَّظَ بالقول أنّ سياق الفتوى لا يفرّق بين النصيريّة والإسماعيلييّن. 


لم يهتمّ الإفرنج كثيراً بالنصيرييّن الذين بَذَلوا جَهْدَهم في تجنُّبِ كلّ ما من شأنِهِ جذب الانتباهِ إليهم وإلى ممارساتِهِم الدينيّة الخاصّة. شكّلَ الباطنيّة الإسماعيليّون آنذاك تحدّياً أكبر للغزاة الأوروپييّن الذين اكتفوا بتطويقِ الجبل بسلسلةٍ من الحصون (٣) دون محاولة التغلغل فيه. 


لم يكن للإسماعيلييّن وجودٌ يذكر في جبل السمّاق (٤) قبل مطلع القرن الثاني عشر للميلاد، عندما طُرِدوا من المدن ولاذوا بالجبال ليستحوذوا فيها، بالحيلةِ أو بالقوّة، على عدّةِ حصون منها القدموس ومصياد (مصياف)، وهكذا وقع النصيريّون بين مطرقة الصليبييّن وسندان الإسماعيلييّن، واعتنق بَعْضُهُم المعتقدات الاسماعيليّة ومنهم راشد الدين سنان (٥).


اشتدّت وطأةُ الإسماعيلييّن (الحشّاشين كما دَعَتهم مصادر الغرب) على النصيرييّن المسالمين، الذين جَعَلَتْهم تجزئتُهُم تحت رحمة الباطنيّة. تراكمت الأحقادُ المُتَبادَلة تحت الرماد وتأجّجت بين الحين والآخر في صراعاتٍ دامية. 


يتبع. 



اللوحة الملحقة لابن العبري والنصّ عن الصفحة ٦٦ من دراسة Dussaud



____________


١. امتدّ جبل لبنان حسب بعض بعض الكتّاب العرب (ابن جبير وابن بطوطة) حتّى أنطاكيا: Lammens صفحة ٦ حاشية ١

٢. لامنس صفحة ١٨. 

٣. حصن الأكراد (قلعة الحصن)، برج صافيتا، قلعة بعرين أو Montferrand، والحصن المتاخم لحدود كونتيّة طرابلس

٤. جبل السمّاق هو التسمية التي أطْلَقَها الجغرافيّون العرب على جبال النصيريّة أو Bargylus (لامنس صفحة ٦ حاشية ١)، مع التنويه بتسمية نفس الإقليم جبل اللكام من قِبَل أبي الفداء. الرأي الأكثر قبولاً اليوم أنّ السمّاق هو جبل الأعلى بينما اللكام الأمانوس. 

٥. المعروف للغرب تحت تسمية شيخ الجبل. لا أدري من أين أتى Lammens بمعلومة أنّه نصيري مارق باستثناء استشهادِهِ بالمجلّة الآسيوية الصادرة بالفرنسيّة عام ١٨٧٧

Ancient Surgical Probes

 


This collection features five different-sized and -shaped surgical probes, some of which have sharp ends and others blunt. 

Provenance: ? 
Material: bronze.
Length: 10.8 - 16.4 cm. 
Era: Roman
Photo: Marwān Mislmānī.  

Bašīr Zuhdī. Ālihat aṭ-Ṭibb wa Mašāhidahā. Annales Archéologiques Arabes Syriennes XXV 1975 (pp. 83-116).

قارورةٌ مزخرفة

 


قارورةٌ من الزجاج الملوّن مع آثار من التقزّخ. العنق مستقيمٌ مع زخارفٍ لولبيّة. الجسمُ مزخرفٌ بأشكالٍ هندسيّة محزّزة. هناك قطعةٌ ناقصةٌ من الجسم وثانية من الحافّة. صُنِعَت القنّينة باستعمال تقنيّة النفخ.


المصدر: قلعة المضيق. 

الأبعاد (معاشير المتر): الارتفاع ١٥٥، القطر ٨٥.

العصر: روماني.

النصّ: تعريب عن عبد الحقّ (صفحة ١٠٧). 

من مقتنيات متحف دمشق الوطني




Sélim et Andrée Abdul-Hak. Catalogue Illustré du Département des antiquités Gréco-Romaines au Musée de Damas, 1951.

Saturday, January 3, 2026

أصول النصيرييّن

 


ندين بأقدمِ ذكرٍ لمعتقدات النصيرييّن إلى أبي الفتح الشهرستاني (١٠٧٥ - ١١٥٣ للميلاد) اعتباراً من الصفحة ٢٢٠ من كتاب "الملل والنحل". وصَفَ الشهرستاني النصيريّة "من جملة غلاة الشيعة"، بيد أنّهُ صامتٌ عن ابن نصير، الذي نُسِبَت الفرقةُ إليه، ممّا أثار عَجَب الأب Lammens (١)، نظراً لدقّة الشهرستاني المشهورة فيما يتعلّق بالبدع الدينيّة الإسلاميّة. 


يرى Lammens مع ذلك أنّ محمّد بن نصير شخصيّةُ تاريخيّة، ذكَرَها أبو الفداء الذي اعتَقَدَ أنّه من موالي علي. اعتقَدَ المستشرِقٌ البلجيكي أيضاً بمصداقيّة الباكورة السليمانيّة التي ذَكَرت أنّ ابن نصير "باب" الحسن العسكري، حادي عشر أئمّة الشيعة، وعلى اعتبار أنّ هذا الأخير من وفيّات ٨٧٤ للميلاد، فهذا يعني أنّ ابن نصير عاش في النصف الثاني من القرن التاسع.


مؤسّس النصيريّة إذاً هو أبو شعيب محمّد بن نصير العبدي البكري النميري، فلنقل أنّه من وفيّات ٨٨٣ للميلاد. 


الشخص الثاني محمّد بن جندب (٢).   


ثالث أعلام النصيريّة أبو محمد عبد الله بن محمّد الجنان الجنبلاني (٢٣٥ - ٢٨٧ للهجرة الموافق ٨٤٩ - ٩٠٠ للميلاد) من جنبلا في غرب فارس أو جنوب العراق إذا شئنا. حتّى ذلك العصر - حسب Lammens - يمكن اعتبار النصيرييّن طائفةً إسلاميّة، وحتّى ذلك الوقت لا يزال النصيريّون في العراق وفارس دون تواجدٍ في سوريّا أو بلاد الشام.  


المعلّم الرابع أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (٢٦٠ - ٣٥٨ للهجرة الموافق ٨٧٣ - ٩٦٨ للميلاد) أو الجنبلائي نسبةً إلى جنبلا (٣)، وإليهِ يعود الفضل في تنظيم شعائر النصيريّة ونشر عقيدتِهِم في الأقاليم، إلى درجة أنّ النصيرييّن أطلقوا على أنْفُسِهِم تسمية الخصيبييّن (٤). نجح الخصيبي في تهيئة الأرض في بلاد الشام للعقيدة النصيريّة التي انتشرت بَعْدَهُ في جبال الساحل، وفصَمَت روابِطَها مع الإسلام مع دخولِها إلى سوريّا (٥).


سَحَقَ العبّاسيّون ومواليهم القرامطة في معركة حماة في التاسع والعشرين من تشرين ثاني نوڤمبر عام ٩٠٣ للميلاد، ممّا دَفَعَ فلولَ المهزومين إلى اللواذ بمرتفعات Bargylus والانضمام إلى النصيرييّن في الجبل (٦)


انتشر النصيريّون في الجبل في مطلع القرن الحادي عشر للميلاد، واندمجت عقائد الخصيبي مع معتقدات القرامطة ومسيحيّي الجبال وآثار العبادات الفينيقيّة وغيرها. يرى Lammens أنّ معتقدات النصيرييّن أخذت شَكْلَها النهائي في هذه الفترة تحديداً، بدلالة كتاب مجموع الأعياد لأبي سعيد ميمون بن القاسم الطبراني (٣٥٠ - ٤٢٧ للهجرة الموافق ٩٦١ - ١٠٣٥ للميلاد) الذي يعود إلى حوالي عام ١٠٠٢. الطبراني (٧) أحد كبار فقهاء النصيريّة (٨)، ويصنَّفُ مباشرةً بعد الخصيبي من ناحية الأهميّة. 


ركّبتُ في الصورة الملحقة الصفحة ١٠٠ من كتاب Dussaud مع صورة لمخطوطة مصريّة من العام ١٥٠٨ لإحدى المؤلّفات المنسوبة إلى الخصيبي. 


يتبع. 


____________


١. صفحة ٦ من مقالِهِ عن النصيريّة الصادر عام ١٨٩٩.

٢. الباكورة صفحة ١٥. 

٣. تقع جنبلا بين الكوفة وواسط. 

٤. Lammens صفحة ١٢. 

٥. Lammens صفحة ٩. 

٦. Lammens صفحة ١٣. 

٧. نسيةً إلى طبريّا وليس طبرستان، بعبارة ثانية الطبراني سوري. 

٨الباكورة صفحة ١٧. 

نصيريّو سوريّا

 



تاريخ وديانة النصيرييّن 


مصادر تاريخ العلوييّن 


من هم النصيريّون؟ 


النصيريّون قبل الإسلام: نظريّة رنيه دوسّو


لامنس، دوسّو، والنصيريّون


لامنس، الموارنة، والنصيريّون


أصول النصيرييّن 


نصيريّون وصليبيّون وإسماعيليّون


النصيريّون تحت المماليك


النصيريّون تحت العثمانييّن 


سليمان أفندي وأسرار الديانة النصيريّة


النصيريّون بين المسيحيّة والإسلام  


أخبار النصيرييّن من القرن الحادي عشر إلى التاسع عشر


أقدم الدراسات الأوروپيّة عن النصيرييّن 


النصيريّون: تقييم لامنس ودوسّو 


نشأة ومصير سليمان أفندي الأضني 


العلويّون في الكتابات التاريخيّة 



لامنس، الموارنة، والنصيريّون

 


أرجَعَ المستشرق البلجيكي الأب Lammens في الصفحات  ٩ - ١٢ من مقالِهِ الصادر عام ١٨٩٩، تحوّلَ المسيحييّن في جبال النصيريّة إلى الديانة الجديدة مقارنةً مع نجاح الموارنة في جبل لبنان بالاحتفاظ بمعتقداتِهِم، إلى عواملٍ جغرافيّةٍ بالدرجةِ الأولى. الأسطرُ التالية محاولةٌ منّي لتلخيصِ وسلسلةِ أفكارِهِ قَدَر الإمكان.   


بقيت سوريّا لفترةٍ طويلةٍ عصيّةً على الديانة الرسميّة التي واكبت الفتح العربي. انتشر الإسلامُ في الشريط الساحلي والسهول الداخليّة، بينما لجأ أهالي البلاد إلى الجبال حيث عانوا الفقر وإن استطاعوا ممارسةَ عباداتِهِم المتوارَثَة كما فعلَ الموارنة عندما تمعقلوا بمرتفعات جبل لبنان (١). 


اعتنق سكّان جبال النصيريّة المسيحيّة في مطلع القرن الخامس للميلاد كما سَبَقَ القولُ، أو هكذا على الأقلّ ارتأى Lammens (٢)، بيد أنّ جبالَهُم الواطئة نسبيّاً (٣)، عكس قمم لبنان الشاهقة، لم تشكّل عائقاً كافياً لصدّ التغلغل الإسلامي، لا من النواحي العسكريّة ولا حتّى الفكريّة. اضطّر سكّان Bargylus إلى تغييرِ معتقداتِهِم على جناح السرعة، وساعدَ في هذه العمليّة غيابُ التنظيم الكهنوتي الكَنَسي لديهِم. مع مرور الوقت تحوّلَ سكّانُ جبالِ النصيريّة التعساء إلى مسيحييّن بالإسم فقط، وأصابَهمُ الكلالُ والإعياء (٤) ممّا جَعَلَهم على أتمّ استعداد لاعتناقِ أوّلِ بدعةٍ صَادَفَتَهم، على شرط ألّا تتظاهر في لَبوسِ ديانةٍ مكروهة. هنا يأتي دور الخصيبي


للحديث بقيّة. 


____________


١. لم يكن المسلمون الوحيدون الذين اضطّهدوا الموارنة حسب Lammens، بل سَبَقَهم في ذلك الملكيّون واليعاقبة الذين استمطروا عليهم اللعنات الكَنَسيّة anathème. رصَّ الموارنةُ صفوفَهم في مواجهةِ هذه الضغوط ممّا أدّى إلى تطوّرٍ مبكّرٍ لهويّتِهِم الوطنيّة، وبالنتيجة التقارب مع الغرب، خصوصاً اعتباراً من الحملات الصليبيّة. 

٢. خلافاً لرأي Dussaud

٣. لا يزيد متوسّط ارتفاع جبال النصيريّة عن ٩٠٠ متر. 

٤. أسقَطَ Lammens التحليلَ ذاتَهُ على الكيفيّة التي تحوّل فيها مجوس إيران إلى الدين الإسلامي.