Sunday, July 29, 2018

فلسطين أرض بلا شعب يجب أن تعطى لشعب بلا أرض


قرأت هذه العبارة للمرّة الأولى ضمن مقرّرات العلوم الاجتماعيّة للصفّ الأوّل الثانوي في سوريا في منتصف سبعينات القرن الماضي وتنسب لأحد آباء الصهيونيّة اليهوديّة السياسيّة Israel Zanguill. أشدّد هنا على مصطلح "الصهيونيّة اليهوديّة" لأنّه ليس مترادفاً مع "الصهيونيّة" بل ويمكن القول أنّ الصهيونيّة المسيحيّة (والمقصود هنا مسيحيّو أوروبا وأمريكا الشماليّة تحديداً) تزامنت أو بالأحرى سبقت الصهيونيّة اليهوديّة ولا غرابة في ذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ المتديّنين يهوداً كانوا أو مسيحييّن ينظرون لروايات الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد كحقائق تاريخيّة. حتّى الإسلام تبنّى هذه الروايات بشكل أو بآخر في القرآن وإن أجرى عليها بعض التعديلات الطفيفة مع اختزالها إلى درجة كبيرة ترك الإفاضة فيها للشروح والتفسيرات والتعليقات -وما أكثرها- وكلّها تستمدّ معطياتها في نهاية المطاف من الكتاب المقدّس وإن أصرّ علماء الدين الإسلامي على قيام أحبار اليهود و"النصارى" بتحريف نصّه عمداً لغاية في أنفسهم أوّلاً وعلى أنّ النصوص الإسلاميّة (التي أتت بعد اليهوديّة والمسيحيّة بمئات السنين) هي الأصليّة دون سواها ثانياً.

  

علّ كتاب عالم الآثار والرحّالة والمستشرق الفرنسي Victor Guérin  (وهو بغضّ النظر عن كثير من الاعتبارات من أجمل ما كتب عن "الديار المقدّسة") أحد أفضل الأمثلة لإيضاح مفهوم الصهيونيّة المسيحيّة السياسيّة. الكتاب صدر على جزأين بين ١٨٨٢ و ١٨٨٤ يبلغ عدد صفحاتهما الألف ويعكس إلى حدّ كبير ليس فقط ما قرأه المؤلّف وإنّما أيضاً المعلومات التي جمعها خلال عدد من الرحلات التي قام بها إلى الشرق الأدنى والتي تمركزت على فلسطين وشملت لبنان ومصر ومساحة لا بأس بها من سوريا الحاليّة. الكاتب كاثوليكي شديد التقى والورع وهو يأخذ سرد النصوص المقدّسة كمسلّمات بما فيها المعجزات كشقّ البحر الأحمر الذي لا يجادل بصحّته وإنّما يركّز جهوده على تحديد المكان الذي جرى فيه العبور المزعوم وإحصاء عدد القرون التي قضاها العبرانيّون في مصر وتكاثر عددهم فيها من ٧٠ إنسان (يعقوب وأسباطه الإثني عشر وذويهم) إلى مليونين من البشر (الأرقام دوماً لكتاب العهد القديم) قادهم موسى إلى أرض الميعاد عبر سيناء وأطعمهم الربّ المنّ الذي أمطره عليهم من السماء لمدّة أربعين عاماً. 

موضوع البحث هنا هو آرائه المتعلّقة باستيطان الأوروبييّن لفلسطين ويجب هنا أن نتذكّر أنّ اليهود في القرن التاسع عشر كانوا أحد مكوّنات هذا الاستيطان ليس غير ولم يكن من المفروغ منه وقتها أنّ حظوظهم في إزاحة السكّان الأصلييّن أو على الأقلّ تهميشهم كانت أفضل من سواهم. فلسطين وقتها كانت مرتعاً للمبشّرين الأوروبييّن والمستعمرات الأوروبيّة منها البروتستانتيّة الألمانيّة ومنها الأورثوذوكسيّة الروسيّة ومن البدهي أن تضاف العوامل السياسيّة إلى الدينيّة في صراع القوى العظمى على النفوذ في الشرق الأدنى في وقت أجمعت فيه الآراء أو كادت أنّ كثافة الشرق الأدنى السكّانيّة (وليس فقط فلسطين) لا يعتدّ بها في وقت تسارع فيه النموّ الديموغرافي في أوروبا إلى حدّ كبير وأنّ سكّان البلاد الأصلييّن كسالى ميؤوس منهم وأنّ الإدارة العثمانيّة فاسدة لا أمل في إصلاحها. 

أقوم فيما يلي بترجمة ما قله السيّد  Guérin في هذا الصدد مرفقاً النصّ الأصلي وهو على ما أعتقد يلخّص بأمانة كيفيّة "تفريخ الأفكار" لدى كثير من مستشرقي القرن التاسع عشر والعقليّة التي تمخّض عنها بالنتيجة تصريح بلفور:

"لا يمكن إنكار التقدّم المادّي الذي جلبه الألمان إلى البلاد فهم شقّوا طريقاً للعربات بين حيفا والناصرة وبنوا جسراً على نهر ال... وعلى اعتبار أنّ النفوذ البروسي البروتستانتي يتوسّع في هذا القسم من فلسطين فيا حبّذا أن تأتي بالمقابل مستوطنات لاتينيّة وكاثوليكيّة لتبسط تأثيرها الديني والسياسي. لن تستطيع فلسطين الصعود من الدرك العميق الذي انحطّت إليه بجهود سكّانها بمفردهم على الإطلاق. عدد سكّان هذه البلاد ضئيل للغاية وإدارتها في غاية السوء وبالتالي فهي بحاجة ماسّة إلى الكثير من العناصر الأجنبيّة يتمّ توزيعها في أرجائها ويقوم المهاجرون باستخلاص الثروات من الأرض وزراعتها بمختلف المحاصيل وبهذا تصبح الأراضي المجدبة القاحلة ضاحكةً ومفعمة بالحياة بفضل مستوطنات مسيحيّة تتمركز في أكثر الأماكن موائمة من الناحية الصحيّة ويعرف أهلها أن يزهروا الأرض ويعيدوا إليها خصوبتها وجمالها كما كان الأمر قديماً. أسّست فرنسا في العهد الصليبي دولة قويّة في هذه الربوع ولم تتوقّف رغم سقوط هذه الدولة عن رعاية المصالح الكاثوليكيّة فيها وقامت اعتباراً من ثلاثين عاماً بخلق مؤسّسات تعليميّة وخيريّة تنشر في البلاد أعمالها الطيّبة وحبّ أمّتنا (فرنسا) وهي مؤهّلة أكثر من أي بلد كاثوليكي آخر لإدخال المستوطنات اللاتينيّة إلى فلسطين وإرسائها على أسس راسخة لا تشعر فيها بالغربة. ذكريات أسلافنا تملأ فلسطين ولا يمكن أن يخطوا المرء فيها دون مصادفة بقايا كنائس وأديرة وقلاع أجدادنا. ماذا أقول؟ لا تزال مشافينا ومستوصفاتنا ومدارسنا منتشرة في فلسطين وسيعامل مستوطنونا فيها معاملة الإخوة".  


"On ne peut nier les progrès matériels que  ces Allemands ont amenés avec eux dans le pays. C'est ainsi qu'ils ont pratiqué une route carrossable entre Kaïpha et Nazareth, et jeté un pont sur le Nahr el-Moukattha. D'un autre côté, l'influence prussienne et protestante s'étend par eux dans cette partie de la Palestine, aussi serait-il fort à désirer que des colonies latines et catholiques vinssent propager une influence, à la fois religieuse et politique, opposée. La Palestine, en effet, ne pourra jamais se relever de rabaissement profond dans lequel elle est plongée au moyen du seul élément indigène. Très-peu peuplée et très-mal administrée, elle aurait besoin d'un élément étranger considérable réparti sur différents points de son territoire, pour tirer de son sol, qui peut se prêter aux cultures les plus variées, les richesses dont il est toujours susceptible. 

Cette contrée, jadis si fertile, et qui l'est encore partout où elle est tant soit peu cultivée, changerait,  avec le temps, en un aspect riant et plein de vie l'air triste et désolé qu'elle présente, hélas ! trop souvent aujourd'hui, si des colonies chrétiennes bien dirigées venaient s'y établir dans les endroits les plus salubres et savaient y faire refleurir, avec son antique fécondité, sa beauté première. Comme la France, à l'époque des Croisades, y a fondé un puissant État, et que depuis la chute de ce royaume elle n'a jamais cessé, à aucune époque de son histoire, d'y patronner les intérêts des populations catholiques qui l'habitent encore; comme, depuis une trentaine d'années, notamment, elle y a créé et y entretient de nombreux établissements de charité ou d'éducation, qui y répandent de tous côtés les bienfaits et 
l'amour de notre nation, c'est à elle,.plus qu'à aucun autre État catholique, que semble dévolue la mission d'introduire, elle aussi, en Palestine et d'y asseoir sur des bases solides des colonies latines qui s'y trouveraient beaucoup moins dépaysées que partout ailleurs. La Palestine, en effet, est pleine du souvenir de nos aïeux. On n'y peut faire un pas sans y rencontrer les vestiges des églises, des couvents et des forteresses de nos pères. Que dis-je? la Palestine est parsemée encore de nos hôpitaux, de nos dispensaires et de nos écoles, et nos colons, en y débarquant, y seraient accueillis comme des frères."

https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k36684j/f1.image
https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k6211640v/f10.image.texteImage

  

No comments:

Post a Comment