Sunday, May 31, 2020

بدايات الفنّ الإسلامي: نموذج قصر الحير الغربي‎


لدينا اليوم الكثير من الدراسات الرائدة عن تطوّر هذا الفنّ ومن العديد من المصادر وبأكثر من لغة. لا شكّ أنّ الأسبقيّة تعود للمستشرقين في محاولة رسم الخطوط العريضة لهذا الفنّ وخصوصاً الألماني Ernst Herzfeld (١٨٧٩-١٩٤٨) الذي حدّد لنا بعض المبادىء العامّة كما رآها في مطلع القرن العشرين نقلها عنه الفرنسي Daniel Schlumberger (١٩٠٤-١٩٧٢) في ثلاثينات القرن الماضي.



من ناحية عامّة الفنّ الإسلامي فنّ اقتباس adaptation أوّلاً ووضع عناصر متباينة جنباً إلى جنب juxtaposition ثانياً. 

من جهة الاقتباس استعمل الفنّ الحديث الولادة الأشكال القديمة بطرق جديدة وعلى سبيل المثال يأخذ قصر الحير الغربي هيئة الحصن castellum ولكنّه في نهاية المطاف قصر لا وظيفة عسكريّة له. نرى هذا أيضاً في استعمال الجصّ عوضاً عن الحجر في النحت والرسوم الأرضيّة fresques التي تشبه الفسيفساء البيزنطيّة وتحلّ محلّها في غرفتين من القصر كما رأينا. 

بالنسبة لتباين contrast العناصر المتجاورة juxtaposited فهذا يشمل الأشكال العماريّة والتقنيّة المستعملة والعناصر الزخرفيّة motifs.



من ناحية الزينة خصوصاً يتميّز الفنّ الإسلامي بمبدأين أو خاصّتين الأولى التنوّع variation والثانية التغطية الكاملة للسطوح وعدم ترك فراغ. 

من السهل التحقّق من التنوّع في زخارف قصر الحير كما في سويريّات الواجهة الباذخة وعشرات من النوافذ الجصيّة التي يتعذّر العثور على نافذتين توأمين متطابقتين بتفاصيلهما بينها أو يكاد كما نرى في الصور الملحقة. أمّا عن مبدأ إشغال السطوح بالزخارف الغنيّة التي يبدوا للوهلة الأولى وكأنّها تتكرّر إلى ما لا نهاية فهو واضح لكلّ من تأمّل واجهة القصر المهيبة في متحف دمشق الوطني. 

المزيد عن النوافذ الجصيّة وزخارفها غداً.      






Saturday, May 30, 2020

تفاصيل من القاعة السادسة في قصر الحير الغربي


تقع هذه القاعة على يمين مدخل القصر في متحف دمشق الوطني. فلتكن زيارتنا لها بمثابة تعريف بحجرات القصر العديدة من خلال وصف أحدها بقلم الدكتور سليم عبد الحقّ. 

تتألّف زخارف هذه القاعة من عدّة مناطق أفقيّة متوازية تتبدّى للناظر على الشكل التالي:

أوّلاً: منطقة ضيّقة حمراء كامدة تمسّ أرض القاعة وتمتدّ على طول الجدران بعرض ١٧ عشير المتر.

ثانياً: منطقة من المربّعات يقارب عرضها ٩١ عشير المتر. ينقسم كل مربّع إلى أربعة أنصاف معينات متقابلة ذات سطوح ممتلئة بخطوط متموّجة ومتوازية سوداء وخمريّة باهتة على أساس جصّي. 

ثالثاً: خطّ أسود غليظ بعرض ٢٥ معشار المتر. 

رابعاً: خطّ برتقالي غليظ بعرض ٦ عشيرات. 

خامساً: منطقة بيضاء خالية من الزخارف عرضها ٧١ عشير المتر. 

سادساً: منطقة خمريّة داكنة خالية من الزخارف بعرض ثلاثة أرباع المتر. 

سابعاً: منطقة بيضاء خالية من الزخارف عرضها ٧١ عشير المتر.  

تفصل خطوط عريضة متوازية هذه المناطق الثلاث الأخيرة بعضها عن بعض وتزيّن السنابل زوايا القاعة مرتسمة على طرفيّ الجدارين المتقاطعين بلون أحمر كامد ويبلغ طول كلّ منها ٢٢٠ عشير المتر وتتألّف من قاعدة تشكّل ثلاث طبقات من المسنّنات المتعاقبة يعلوها عدد من الأوراق المزدوجة التي تمثّل عناصر نباتيّةً. 



الصورتان الإضافيّتان تكبير للنافذتين الجصّيّتين في الصورة العليا لتوضيح زخارفهما البديعة. 






Friday, May 29, 2020

بناء جناح من قصر الحير الغربي في متحف دمشق الوطني: اللمسات الأخيرة


عن الدكتور سليم عادل عبد الحقّ:

سلخنا العام ١٩٤٩ في إنهاء كلّ ما تبقّى من الأشغال التي تقدّم ذكرها استعداداً للشروع في أعمال العرض الفنّيّة التي جرت على نطاق واسع عام ١٩٥٠. علّقت النوافذ المخرّمة التي أنشئت خلال خمسة عشر عاماً من جمع القطع الجصّيّة المنحوتة والملتقطة في المواضع التي كانت لها في الطابقين العلوي والسفلي وإعادة تركيبها وفرشت أرض القاعتين والحجرات الصغيرة بطبقة من الإسمنت وصبغت باللون الأحمر محاكاة لما كانت عليه قديماً وكذلك فرشت أرض الفسحة الواقعة أمام المدخل (الصورة الأولى) والبرجين الخارجييّن ببلاطات من الإسمنت الأبيض بعد أن سلّحت بقضبان حديديّة على طريقة خاصّة ابتكرت أصولها في المتحف. أبعاد هذه البلاطات مماثلة لأبعاد البلاطات الجصيّة الأصليّة وتترواح بين ٥٠ x ٥٠ عشير المتر إلى ٨٣ x ٨٢ عشير المتر. فرشنا كذلك أرض الرواق والباحة الداخليّة ببلاطات من هذه الابعاد مماثلة تماماً للأصليّة وخططنا في طرف الباحة جزءاً من الأخدود الذي كان يطوف بها لجمع مياه الأمطار. تركنا عامدين قاعدتيّ البرجين الخارجييّن وقواعد أعمدة الرواق الداخلي مكشوفة مع أنّها كانت مستورة قديماً بغية إظهار جمال نحتها على أشكال محزّزة قبل أن تدخل في بناء قصر الحير الأصلي.



طلينا جدار القصر بلون أبيض جصيّ يحاكي لونه القديم أمّا الجدران المضافة إليه بهدف جعله جزءاً من المتحف فقد طليناها بلون أبيض يختلف قليلاً عن الأوّل. انصرفنا بعد ذلك إلى طلي جدران قاعتيّ وحجرات البيتين في الطابق الأسفل بألوان مشابهة للألوان القديمة وإلى إنشاء المواضيع الهندسيّة وغير الهندسيّة التي ميّزتها في الماضي استناداً على المعالم التي أظهرتها الحفريّات. أخيراً أعدنا إنشاء تيجان الرواق السفلي (تظهر الصورة الثانية تيجاناً متنوّعة عثر عليها في حفريّات القصر) وعلّقنا ألواح الشرفة العلويّة والجبهة الداخليّة وبعض النوافذ والأقواس التي تمّت إعادتها على جدار الباحة الجنوبي (الصورة الثالثة) وجداريّ البهو الكبير العلوي الشمالي والجنوبي وعلى بعض القواعد في هذا البهو والباحة في الأسفل ووضعنا اللوحين الجدارييّن الكبيرين المصوّرين في الجدارين الغربي والشرقي من البهو. 






Thursday, May 28, 2020

قصر الحير الغربي: الواجهة الداخليّة



تبقى واجهة قصر الحير الغربي الأكثر مهابة من جناحه المنقول إلى متحف دمشق وعلّها -إلى جانب حديقة المتحف- أبرز ما يعلق بذهن الزائر العابر. ماذا عن الواجهة الداخليّة؟


أوّل من درس هذه الواجهة بعد أن أعيد بناؤها في الطابق العلوي الدكتور سليم عادل عبد الحقّ في مقال نشرته الحوليّات الأثريّة السوريّة في عددها الأوّل عام ١٩٥١. فيما يلي رؤوس أقلام هذا البحث الهامّ. 

جمعت أجزاء هذه الواجهة في الرواق الشرقي للقصر ممّا يوحي أنّها كانت مستندة على جدار الطابق العلوي. كانت عمليّة تجميعها في غاية الصعوبة نظراً لغياب الأدلّة على وضعها القديم وبالنتيجة استقرّ الرأي على إنشاء هيكل مستطيل من الإسمنت المسلّح (المخطّط الملحق) بطول ١٦،٧٠ متر وعرض ٢،٧٥ متر أقيمت عليه مكوّناتها المختلفة. 



تمتاز زخارف هذه الواجهة بكونها أفقيّة (زخارف الواجهة الخارجيّة عموديّة) وفيها ستّة نوافذ جصيّة (لنا عودة إلى موضوع النوافذ عموماً) اثنتان مزدوجتان منها في الطرف الأيسر واثنتان في الوسط واثنتان على اليمين. يتراوح ارتفاع هذه النوافذ بين قرابة المترين إلى المترين ونصف المتر. تحدّ أفاريز هذه الواجهة في الأسفل والأعلى. 

هناك عدّة منحوتات إلى جوارالنوافذ وبينها أحدها فارس فقد قسمه العلوي ورأس جواده والثاني تمثّل رجلاً جالساً على عرش لم يبق منه إلّا قسمه السفلي والثالث بقايا نسر باسط الجناحين والرابع لامرأة حاليّة شفّافة الثياب لربّما مثّلت ربّة (طول ما بقي من النحت relief ١،٣٥ متر وعمق النحت ١٦ عشير المتر) والخامس نحت مشوّه لا رأس له لامرأة عارية الصدر  بطول ١٣٠ عشير المتر وعمق نحت ٢٠ عشير المتر والسادس جذع امرأة عارية الصدر رأسها مفقود (ارتفاع القسم الباقي ٧٠ عشير المتر وعمق النحت ١٧ عشير المتر والسابع والأخير النصف السفلي لنحت بمثّل رجلاً ارتفاع ما بقي منه ١١٠ عشير المتر وعمق النحت ١٧ عشير المتر. 

تتشابه كثير من التفاصيل الفنّيّة في هذه التماثيل كالحلى والثياب واستدارة الثديين وتكوين الجسم عموماً ممّا يدّل على انتمائها لنفس المدرسة الفنّيّة السوريّة المتأثّرة بالنماذج الرومانيّة والكلاسيكيّة. 




سليم عادل عبد الحقّ. إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق. الحوليّات الأثريّة السوريّة المجلّد الأوّل ١٩٥١.




Wednesday, May 27, 2020

قصر الحير الغربي من بادية الشام إلى متحف دمشق الوطني


بدأت عمليّة إعادة بناء جناح من قصر الحير الغربي في متحف دمشق عام ١٩٣٩ واستغرقت عدّة سنوات بسبب ظروف الحرب العالميّة الثانية من جهة وقلّة الاعتمادات الماليّة من جهة ثانية. أنجز البرجان الخارجيّان مع حلول عام ١٩٤٤ وبلغ ارتفاع كلّ منهما ١٤،٤٥ متراً وأقيم فوقهما سقف من الإسمنت المسلّح على ارتفاع ١٨ متر وبعرض ٦،٧٥ متر لا علاقة له بالبناء الأصلي والهدف منه حماية زخارف البرجين من عوامل الطقس نظراً لكون الواجهة تشرف مباشرة على حديقة المتحف. طلي القسم العلوي لهيكل السقف الواقي باللون الأصفر لتمييزه عن الجدار الجصّي الأصلي.



نشط البناء داخل الجناح عام ١٩٤٧ في البيتين خلف المدخل-الواجهة والرواق المعمّد خلفهما. رفع هذا الرواق على ستّة أعمدة (الصورة الملحقة) نقلت قواعدها الأصليّة من قصر الحير. بلغ ارتفاع العمود ٥،٦٥ متر وقطره ٥٥ عشير المتر وجعل في كلّ طرف من طرفيّ الرواق درج مستحدث يؤدّي للطابق العلوي (لم يتمّ نقل الأدراج القديمة التي تواجدت في غرف مختلفة).

للحديث بقيّة.





سليم عادل عبد الحقّ. إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق. الحوليّات الأثريّة السوريّة المجلّد الأوّل ١٩٥١.




Tuesday, May 26, 2020

إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق


أطلال قصر الحير الغربي غنيّة بشكل استثنائي مقارنة مع الكثير من المواقع الأثريّة إذ اكتشف فيها كما رأينا من النحت والزخارف والكتابات واللوحات fresques كنوز لا تقدّر بثمن كمّاً ونوعاً ناهيك عن أكثر من خمسين ألف قطعة من الجصّ المحفور الذي رمّم ما تيسّر منه عبر السنوات. 

دعت هذه الاعتبارات مديريّة الآثار العامّة إلى التفكير بإنشاء جناح مستقلّ في متحف دمشق الوطني لصيانة وعرض مخلّفات القصر "كفاتحة للجناح الإسلامي المزمع إنشاؤه قريباً".  هناك سوابق لمشروع كهذا ولو على مستوى أضيق كما في حال واجهة قصر المشتّى التي أهداها السلطان عبد الحميد الثاني لقيصر ألمانيا غليوم الثاني لتصبح من مقتنيات متحف برلين. 



وقع الاختيار على القسم الأوسط الشرقي من القصر الذي يحتوي على البوّابة والواجهة المهيبة المحيطة بها مع البرجين الخارجييّن وبعض من الغرفتين الشرقيّتين (القسم المنقول محدّد على المخطّط الملحق) على اعتبارها أفخم مكوّنات القصر عمارة وزخارفاً ولربّما كانت الجناح الذي شغله هشام بن عبد الملك في زيارته أو زياراته.

 بالنتيجة بلغت أبعاد القسم المعاد تشييده  ٣٢،١٦ متر طولاً و  ٢٣،٠٥ متر عرضاً وضمّ -علاوة على الواجهة والبرجين وقسم من الحجرات- جانباً من الرواق الشرقي والصحن الذي يقابله وبذلك يتمكّن الزوّار من الدوران حول أعمدة الرواق في الطابق السفلي لتأمّل ألواح شرفات الطابق العلوي الظاهر في الصورة  (لم تجر إعادة بناء الطابق العلوي لأكثر من اعتبار  وإنّما استعيض عن ذلك ببهو واسع مفتوح وراء الرواق لعرض منحوتات ولوحات القصر التي اكتشفت في الأجنحة التي لم يتمّ نقلها أي الشمالي والجنوبي والغربي). 

للحديث بقيّة.



سليم عادل عبد الحقّ. إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق. الحوليّات الأثريّة السوريّة المجلّد الأوّل ١٩٥١.

Monday, May 25, 2020

قصّة نقل جناح من قصر الحير الغربي إلى متحف دمشق الوطني


تعرّضت في الأسبوعين الماضيين إلى تاريخ تنقيب منطقة قصر الحير الغربي ووصفه مع ملحقاته وموجوداته من خلال ثلاثة عشر منشوراً ما هي إلّا نقل واختزال عن العالم الفرنسي Daniel Schlumberger الذي كان له فضل وأسبقيّة دراسة القصر ومحيطه وكتابة ثلاثة مقالات مرجعيّة عنه في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي يستشهد بها حتّى اليوم.

يقتضي إتمام هذه الملحمة السوريّة ذكر العمليّة التي توّجت بنقل جناح من هذا الصرح العتيد إلى متحف دمشق الوطني وترميم ما أمكن من مخلّفاته كما سردها الدكتور سليم عادل عبد الحقّ في العدد الأوّل من الحوليّات الأثريّة السوريّة الصادر عام ١٩٥١. شغل عبد الحقّ وقتها منصب مدير الآثار العامّ في سوريا.



استغرق هذا الإنجاز أربعة عشر عاماً بداية من اكتشاف القصر عام ١٩٣٦ ونهاية باحتفال التدشين في الثامن والعشرين من آب عام ١٩٥٠ بحضور "حضرة صاحب الفخامة رئيس الجمهوريّة المعظّم وحضرات رئيس مجلس الوزراء والوزراء ,أعيان الدولة ولفيف من إخواننا المغتربين الكرام في أمريكا الشماليّة". لا بدّ أنّ الرئيس "المعظّم" المذكور فوزي سلو أمّا لقب التعظيم المستعمل فهو مألوف في الأدبيّات المحلّيّة والإقليميّة منذ القدم. 

تطلّب هذا العمل وقتاً وجهداً ومالاً والأهمّ من هذا وذاك عمل دؤوب ومساهمة عديد من الخبراء منهم الأمير جعفر الحسني (مدير الآثار قبل الدكتور عبد الحقّ) والمهندس الفرنسي Michel Ecochard الذي رسم واجهة القصر والسيّد نسيب صليبي الذي أشرف على تنفيذ الأعمال فلهم الفضل والتقدير والشكر.

للحديث بقيّة.  




سليم عادل عبد الحقّ. إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق. الحوليّات الأثريّة السوريّة المجلّد الأوّل ١٩٥١.

عفيف بهنسي. القصور الشاميّة وزخارفها في عهد الأموييّن. الحوليّات الأثريّة العربيّة السوريّة المجلّد الخامس والعشرون ١٩٧٥.


















Sunday, May 24, 2020

قصر الحير الغربي في متحف دمشق الوطني: اللوحة الثانية


تحتلّ هذه اللوحة أرض الغرفة ١٤ بأبعاد ١٠،٨٧ متر x ٤،٤٥ متر. فلنستعرض وصفها باختصار وتصرّف عن Schlumberger كما فعلنا أمس في لوحة الغرفة ١٩.

تتصدّر هذه اللوحة fresque ميداليّة قطرها العمودي ١،٨٠ متر نرى فيها صورة نصفيّة لامرأة شعرها مفروق من المنتصف تتدلّلى منه خصلتان صغيرتان على جبينها ويطوّق جيدها عقد من اللؤلؤ تحته ثعبان أحمر اللون. لا نرى ثياباً باستثناء منديل عليه فواكه تمسكه في يديها. يحيط بالميداليّة شريط أحمر مزين باللآلىء المحتوية على باقات صغيرة. لربّما كانت الصورة تمثّل غايا Gaïa أو Gê الربّة الأمّ أو الأرض أو إلهة ما. 

تقسم الميداليّة الحقل إلى قسمين السفلي منهما مشوّه أمّا العلوي فهو في حالة جيّدة نشاهد فيه قنطورين centaure (كائن خرافي نصفه بشري) يلتوي القسم الخلفي منهما ثلاث مرّات كأنّه أفعى ضخمة سوداء اللون ومشعرة أضيف إليها قوائم خلفيّة تشبه أطراف الكلب وزعانف صغيرة. يمثّل القسم الأمامي البشري رجلاً ملتحياً مفتول العضلات بارز السرّة يمدّ يده اليمنى ويحمل حربة في يسراه.  

نرى في أسفل اللوحة على اليسار ثعلباً يتذوّق عنقوداً من العنب وفي المركز طائراً مائيّاً échassier طويل الساقين وإلى اليمين طائراً مائيّاً آخر. إذا تابعنا إلى النهاية السفليّة نعاين حيواناً أشبه بالكلب يبدوا وكأنّه يطارد كلباً آخر. 

تتواجد هذه الحيوانات الطبيعيّة منها والخرافيّة في حقل غنيّ بالنباتات وتحيط باللوحة ككلّ شرائط مستقيمة سوداء وحمراء تحصر بينها كروماً زخرفيّة وارقة وعناقيداً.  

رأينا الأثر الساساني في لوحة الأمس أمّا اليوم فأمامنا فنّ مستلهم من النماذج الإغريقيّة-الرومانيّة  دون أدنى لبس سواءً في الميداليّة الرمزيّة التي نرى مثيلاتها في الفسيفساء البيزنطيّة في أنطاكيا أو الكائنات الخرافيّة والكروم التي تذكّرنا بالأنماط الكلاسيكيّة.

إذاً لدينا جنباً غلى جنب لوحتان كبيرتان يتجلّى في الأولى الأثر الإيراني الساساني وفي الثانية نظيره ومزاحمه البيزنطي السوري ولولا اكتشاف كليهما بمحض الصدفة في نفس المكان بنفس الوقت لما خطر ببال أحد أن يعزوهما لنفس الفنّانين ونفس العصر.

خلاصة الكلام استقى الفنّ الأموي من المصادر السوريّة الإغرقيّة الرومانيّة زائد الأنماط الإيرانيّة مع إجراء تعديلات هنا وهناك في هذه المرحلة المبكّرة لتطوّر طرازفنيّ جديد في الشرق الأدنى. 



سليم عادل عبد الحقّ. إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق. الحوليّات الأثريّة السوريّة المجلّد الأوّل ١٩٥١.

عفيف بهنسي. القصور الشاميّة وزخارفها في عهد الأموييّن. الحوليّات الأثريّة العربيّة السوريّة المجلّد الخامس والعشرون ١٩٧٥.





















Saturday, May 23, 2020

قصر الحير الغربي في متحف دمشق الوطني: اللوحة الأولى



اكتشفت لوحتان أرضيّتان خلال تنقيب موقع قصر الحير الغربي في تشرين ثاني ١٩٣٦ في الججرتين ١٤ و ١٩ قام المهندس العماري Henry Pearson برفعهما لينقلا إلى متحف دمشق الوطني عام 1937. الأسطر التالية لوصف اللوحة fresque الأولى مختزلة عن مقال بطول ١٦ صفحة للعالم الفرنسي Daniel Schlumberger نشر في مجلّة Syria عام ١٩٤٦ والصورة من نفس المصدر.

اللوحة في حالة جيّدة جدّاً باستثناء القسم السفلي منها. أبعادها ١٢،١٢ متر x ٤،٣٥ متر وهي مكوّنة من ثلاثة مشاهد tableau من الأعلى إلى الأسفل كما يلي:

المشهد الأوّل
نرى فيه عازفين تحت قوسين يقارب شكلهما شكل حدوة الحصان arc outrepassé وتحدّد زوايا écoinçon هذين القوسين زخارف زهريّة fleurron. الشخص على اليسار امرأة تعزف على العود يتكتّل شعرها الكثيف chignon على قفا رقبتها وترتدي سترتين بأكمام إحداهما خضراء والثانية بيضاء عليها زنّار ومعطفاً بنفسجيّا. أمام المرأة جرّة ذات مقبض. الشخص إلى اليسار عازف على الناي ردائه أحمر اللون وأمامه نبات خياليّ له أربع زهرات كبيرة. تفصل ثلاث شرائط اثنان منها حمراء المشهد الأوّل عن الثاني. الأبعاد ٢٠٩ عشير المتر x ٣٢٣ عشير المتر.

المشهد الثاني
فارس أمرد يماثل عازف الناي في تصفيف شعره ويرتدي سترة وسروالاً فضفاضاً ويحيط وسطه زنّار. يمتطي صاحبنا جواداً أسود اللون وخلفه جعبة السهام التي يسدّد أحدها باتّجاه غزال يطارده ويبدوا أنّه وفّق في صيده إذ نرى الطريدة صريعة اختلط حابلها بنابلها. تفصل عصابة حمراء بين هذا المشهد والمشهد الثالث تحته. الأبعاد ٢،٤٥ متر x ٣،٢٣ متر.

المشهد الثالث
لم ير الدكتور سليم عبد الحقّ داعياً لعرضه في الحوليّات نظراً للتشويه الذي لحقه ولكنّه أو بالأحرى ما تبقّى منه موجود في لوحة مقال Schlumberger الملحقة وهو يمثّل كلب صيد  lévrier يقفز على حيوان طويل الأذنين لربّما كان أرنباً برّيّاً في الزاوية العليا على اليمين وتحته شخص داكن البشرة هو على الأغلب عبد يسير حافي القدمين يمسك بإحدى يديه مفتاحاً ويجرّ حيواناً كبير القرون في يده الثانية.


من الواضح أنّ اللوحة تمثّل مشهد صيد وأنّه يتبع النماذج الإيرانيّة الساسانيّة في الأزياء وطريقة خبب الحصان وتحفّز الخيّال والموسيقييّن تحت الأقواس ومع ذلك هناك عناصر لا تمتّ للفنّ الإيراني القديم بصلة كوجود الركاب (غير موجود في أي مشهد ساساني للصيد) وغياب التاج عن رأس الصيّاد (موجود في جميع النماذج الساسانيّة) وبالتالي ليس الموضوع مجرّد تقليد أعمى للفنّ الساساني -الذي لا يمكن إنكار أثره- بل تطوّر فنّ جديد امتزج مع القديم في العهد الأموي. 




سليم عادل عبد الحقّ. إعادة تشييد جناح قصر الحير الغربي في متحف دمشق. الحوليّات الأثريّة السوريّة المجلّد الأوّل ١٩٥١.

عفيف بهنسي. القصور الشاميّة وزخارفها في عهد الأموييّن. الحوليّات الأثريّة العربيّة السوريّة المجلّد الخامس والعشرون ١٩٧٥.