Monday, September 30, 2019

الآثار الإسلاميّة في مدينة دمشق


يعود الأصل الألماني لهذا الكتاب البالغ الأهميّة إلى عام ١٩٢٤ أمّا عن التعريب فقد رأى النور عام ١٩٨٤ على يد الأستاذ قاسم طوير بفضل تعاون مشترك ألماني-سوري مع تعديلين هامّين على الأصل:

- الأوّل تعليق وتحقيق الدكتور عبد القادر الريحاوي الذي أضاف في الهوامش شروحات مفصّلة وصحّح بعض الأخطاء الواردة في الأصل دون المساس بالنصّ.
- استعيض عن الصور التاريخيّة التي يزيد عمرها عن المائة عام بصور أحدث عمرها اليوم حوالي أربعين عاماً التقطها مروان مسلماني و Michael Meinecke

الكتاب الأصلي لعالمين الألمانييّن Karl Wulzinger و Carl Watzinger وهو مكوّن من جزئين صدر الأوّل عام ١٩٢١ عن أوابد دمشق قبل الإسلام ولم بحظى بترجمة إلى اليوم لا إلى العربيّة ولا إلى غيرها مع الأسف الشديد والثاني عام ١٩٢٤ -موضوع البحث- عن الآثار الإسلاميّة كما يدلّ العنوان نملكه اليوم بالعربيّة بفضل قاسم طوير وعبد القادر ريحاوي مع الشكر لاهتمام الجهات المعنيّة التي رعت التعريب وموّلته. 

يبلغ عدد صفحات الكتاب قرابة الخمسمائة بما فيها الصور والمقدّمات التاريخيّة وتفاصيل عن نسيج المدينة العمراني والبيت الدمشقي وتاريخ الجامع الأموي والقلعة وسور المدينة مع تركيز على النواحي العمرانيّة. حوالي نصف الكتاب عبارة عن تصنيف "كتالوج" طبوغرافي للمدينة يقسمها على الخارطة إلى مربّعات ويتعرّض لمعالم كل مربّع على حدة.

أنوي في الأسابيع المقبلة تحميل صور الكتاب الواحدة تلو التالية مع شرح مختصر لما تمثّله أمّا عن صور الأصل الألماني فقد نشرت سابقاً ولن أعود إليها.

الصورة أعلاه في مقدّمة الكتاب يظهر فيها الرئيس الراحل حافظ الأسد وعلى يمينه رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الرؤوف الكسم ولم أنجح في التعرّف على بقيّة الشخصيّات. 






Karl Wulzinger
& Carl Watzinger. Damaskus, die antike Stadt. Berlin: Walter de Gruyter, 1921.

 Karl Wulzinger Carl Watzinger. Damaskus, die Islamische Stadt. Walter de Gruyter 1924.

Sunday, September 29, 2019

التصنيع في العالم العربي من محمّد علي في مصر إلى البعث في الشام


علّ الفصل العاشر في كتاب "دولة الهمجيّة" أكثر مقالات الكتاب إثارة للاهتمام. يقارن المؤلّف الراحل Michel Seurat هنا بين نموذجين اقتصادييّن متميّزين للتحديث أوّلهما نموذج محمّد علي -الذي يعتبره كثيرون باني مصر الحديثة- وثانيهما نموذج الخديوي اسماعيل. هدف النمطين بالنتيجة واحد ألا وهو الارتقاء بمصر إلى مصاف الغرب ومواجهة تحدّي أوروبا في زمن اعتقد مالكو زمام الأمور فيه أنّ الوسيلة المثلى لمواجهة هذا التحدّي تكمن في اتّباع أسباب نجاحه الاقتصاديّة والثقافيّة والعلميّة والسياسيّة العسكريّة وليس إعادة عقارب الساعة ألف سنة إلى الوراء لتقليد السلف الصالح.   

اعتمد محمّد علي نموذج Colbert (وزير لويس الرابع عشر عاهل فرنسا الملقّب le roi soleil  "الملك الشمس") في احتكار الدولة للصناعة وعموماً اتّبع والي مصر المبادىء الثلاثة التالية في نظامه الاقتصادي:

- الأوّل: تطوير الزراعة باتّجاه محصول وحيد مخصّص للتصدير ألا وهو القطن أو الذهب الأبيض. 
-الثاني: إنشاء قطاع صناعي تحتكره الدولة كضرورة ماسّة لمواجهة الغرب بغضّ النظر عن الاعتبارات الاقتصاديّة والنفعيّة في بلد لا تزال الزراعة فيه مصدر الثروة الأوّل والأخير. 
- الثالث: بناء جيش قوي -بمعونة فرنسا- أثبت نفسه في عدّة ميادين وكاد أن يستولي على القسطنطينيّة لولا تدخّل القوى العظمى.   

هزم محمّد علي بالنتيجة وأجبر على الانسحاب من سوريا تحت الضغط الأوروبي ويمكن اعتبار عام ١٨٤٠ بداية نهاية الركيزة الثالثة في نظامه أي الجيش القوي أمّا الركيزة الثانية الصناعيّة فقد انتهت مع المعاهدة الإنجليزيّة العثمانيّة عام ١٨٣٨ التي امتدّت لتشمل مصر عام ١٨٤٢ وألغي بموجبها الاحتكار والنظام الجمركي الذي حمى الصناعة المحليّة من منافسة البضائع الأوروبيّة الأرخص ثمناً والموازية على الأقلّ من ناحية الجودة. 

إذاً بقي من عهد محمّد علي لحفيده اسماعيل باشا أو الخديوي اسماعيل الركيزة الأولى الزراعيّة المتمثّلة بالقطن وكانت كافية في البداية وساعدها ارتفاع أسعار هذه السلعة خلال الحرب الأهليّة الأمريكيّة ١٨٦١-١٨٦٥ عتدما انقطع تصدير القطن الأمريكي إلى المصانع الأوروبيّة. استثمر اسماعيل باشا في البنية التحتيّة فشقّ الأقنية وسكك الحديد وقناة السويس وخطوط التلغراف معتمداً على ثروة بلده الزراعيّة من جهة وعلى قروض أوروبيّة ضخمة بربا فاحش من جهة ثانية في سياسة انفتاح أدّت بالنتيجة إلى إشهار إفلاس مصر عام ١٨٧٩ وفقدانها الاستقلال بعدها بفترة وجيزة. هنا تجدر الإشارة أنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة مرّت بتجربة مماثلة وأفلست قبل مصر عام ١٨٧٥ وإن حمتها منافسة القوى الأوروبيّة بعضها مع البعض الآخر من الاحتلال المباشر. 

هناك فرق أساسي بين التصنيع في الغرب ونظيره في الشرق الأدنى إذ في الحالة الثانية فرضته الدولة من الأعلى كمشروع سياسي-عسكري بالدرجة الأولى. فلننظر الآن إلى حالة سوريا البعث في النصف الثاني من القرن العشرين وهي مماثلة بشكل أو بآخر لوضع مصر جمال عبد الناصر وكلاهما يتبعان نموذج محمّد علي "الاشتراكي" مقارنة مع نموذج مصر اسماعيل باشا وأنور السادات "الرأسمالي". كان لا بدّ للبعث في باكورة عهده أن يثبت نفسه بسياسات يساريّة هدف منها أمين الحافظ إلى مواجهة خصومه من الطبقة الحاكمة "البورجوازيّة" التي أطاح بها أوّلاً  ومنافسة عبد الناصر زعيم العالم العربي التقدّمي وقتها ثانياً والتصدّي للمزاودات ضمن حزبه ثالثاً. 

وجّهت القطاع الصناعي السوري اعتبارات سياسيّة غلبت فيها المحسوبيّة والأجهزة الإداريّة الطفيليّة على قطاع الانتاج واعتمد تبرير معامل القطاع العامّ على الإنفاق كوسيلة لتعزيز سلطة الدولة وتنفيع مؤيّديها. زادت صناعات "العزّة والكرامة" من مهابة الدولة وفخرها "بمنجزاتها" رغم الحسابات التي أظهرت أنّ القطاع العامّ الصناعي -على عكس القطاع الزراعي- يستهلك الأموال في مشاريع مكلفة ولا يتنج فائضاً ماليّاً خصوصاً أنّ الصناعة -أيضاً بخلاف الزراعة- مرتبطة بالعون الخارجي وبالتالي الإنفاق عليها أكثر بكثير على الأقلّ بالنسبة لمساهمتها في الدخل القومي. 

ختاماً يحسن عدم المبالغة في أهميّة التصنيع في مصر تحت محمّد علي إذ بقي مصدر الثروة الأساسي الأرض الزراعيّة وكانت الصناعة ظاهرة هامشيّة ماليّاً واجتماعيّاً ومن هذه الناحية لا يوجد فرق كبير بين نموذجه ونموذج خلفه الخديوي اسماعيل.  يمكن إسقاط نفس المحاكمة على بدايات عهد البعث في سوريا ولكن الصعود المتعاظم لدور البترول غيّر المعادلة جذريّاً في الربع الأخير من القرن الماضي وعزّز سلطة الدولة في الشرق الأدنى في البلاد المنتجة كما في البلاد التي تلقّت معونات منها مباشرة أو بشكل غير مباشر. 



Michel Seurat. Létat de barbarie. Edition du Seuil 1989. 

Saturday, September 28, 2019

فرنسا أمّنا الحنون


عبارة لربّما لا يزال البعض يستعملها حتّى اليوم وسمعتها مباشرة من سيّدة لبنانيّة عام ١٩٨٤ أمّا العلم أعلاه فهو الأوّل في عهد الانتداب الفرنسي ويسمّيه البعض علم غورو نسبة للجنرال Henri Gouraud الذي يترافق اسمه بمعركة خان ميسلون ويوسف العظمة. دام هذا العلم من ١٩٢٠ إلى ١٩٢٢ وموضوع البجث هنا ليس الانتداب بحدّ ذاته وإنّما خلفيّة هذا الانتداب التاريخيّة كما وصفها Michel Seurat في مقال مفصّل وموثّق بطول حوالي ٥٠ صفحة في كتاب "دولة الهمجيّة" (ترجم حوالي نصف هذا الكتاب إلى العربيّة لن أتعرّض له وأرفق مراجعة عنه في أحد الروابط أدناه مع جزبل الشكر للسيّد عبد الوهاب العمشة).   

شدّد Seurat على دور مدينة Lyon الفرنسيّة في تسويق الانتداب وأرجع أسبابه إلى عوامل تجاريّة وأكاديميّة ودينيّة. 


العوامل التجاريّة والاقتصاديّة

كانت الحرب العظمى أو ما سمّي لاحقاً الحرب العالميّة الأولى ١٩١٤-١٩١٨ كارثة على أوروبا بكاملها شملت المهزومين (روسيا وألمانيا وامبراطوريّة النمسا-المجر) و"المنتصرين" أي الامبراطوريّتين البريطانيّة الفرنسيّة إذ خرجت كلاهما من المعمعة مثخنتان بالجراح ومثقلتان بالديون وخسرتا أكثر من مليونّي شابّ من القتلى دون ذكر الجرحى والأيتام والثكالى. بدت هاتان الامبراطوريّتان في الفترة بين الحربين ١٩١٨-١٩٣٩ في أوج اتّساعهما ولكن المظاهر خادعة كما أثبتت الأحداث فيما بعد وإن تعذّر إدراك حقائق الأمور على الغالبيّة العظمى من الناس وقتها حتّى الأخصّائيين منهم.  
الحروب العصريّة مكلفة للغاية والمعضلة بالنسبة لمناصريّ الاستعمار عموماً والانتداب الفرنسي في سوريا خصوصاً كانت وقتها في التلويح لدافعي الضرائب بالفوائد الاقتصاديّة له بهدف تبرير تمويل الجيش المزمع إرساله إلى المشرق. 
يمكن -على الأقلّ للروائييّن- إرجاع علاقة فرنسا بسوريا والشرق إلى سفارة هارون الرشيد لشرلمان ومنها إلى الحروب الصليبيّة مروراً بالامتيازات التي منحها سليمان القانوني عام ١٥٣٥ إلى François الأوّل وصولاً إلى صعود تجارة الحرير مع نهاية القرن التاسع عشر ومعها البورجوازيّة المسيحيّة اللبنانيّة (نسبة لجبل لبنان وليس دولة لبنان الحاليّة) بفضل رؤوس الأموال والاستثمارات الفرنسيّة. ارتأى البعض أنّ سوريا ستكون مكلفة لفرنسا بالرجال والمال بينما ردّ آخرون -بالذات تجّار Lyon- أنّ الاستثمار يستحقّ الجهد والنفقات المبذولة.    


العوامل الدينيّة

تختلط هذه إلى حدّ كبير بالعوامل العاطفيّة خصوصاً فيما يتعلّق بمسيحيّي سوريا وبالذات موارنة جبل لبنان. ألم ينضمّ ٣٠٠٠٠ ماروني إلى جيش Godefroy de Bouillon في الحملة الصليبيّة الأولى؟ ألم يشترك الموارنة في الحملة الصليبية السابعة ضدّ مصر في عهد القدّيس لويس (أي Louis التاسع) الذي اعتبرهم من "الأمّة الفرنسيّة"؟ ألم تهبّ فرنسا لإغاثة المسيحييّن في الشرق الإدنى في أعقاب مجزرة ١٨٦٠؟ 
كانت فرنسا رائدة في مجال البعثات الدينيّىة إلى سوريا منذ عام ١٦٢٦ وآباء Lyon اليسوعييّن. تأسّست المطبعة الكاثوليكيّة عام ١٨٥٣ وكان ٣/٤ من جميع المبشّرين إلى سوريا من جميع المذاهب فرنسيّون حتّى عام ١٩١٤ وكان ٥٢٠٠٠ من أصل ٩٠٠٠٠ تلميذ في سوريا وفلسطين يدرسون في مؤسّسات فرنسيّة عام ١٩١٢. من الملفت للنظر أنّه في الوقت الذي كان الفرنسيّون يفرضون العلمانيّة في بلادهم (قطع الفاتيكان علاقاته مع فرنسا ١٩٠٤-١٩٢٠ بسبب سياساتها العلمانيّة) كانوا يستعملون المؤسّسات الدينيّة التبشيريّة في مستعمراتهم كوسيلة لبسط ثقافتهم وبالجملة هيمنتهم السياسيّة والاقتصاديّة.  
ساهم عدد من السورييّن (أو اللبنانييّن إذا شئت) في محاولة إقناع الرأي العامّ الفرنسي وعلى سبيل المثال جورج سمنة وندرة مطران وشكري غانم الذين تجاوز حبّهم لفرنسا كلّ الحدود وهالهم التفكير في مصير سوريا "ابنة فرنسا" في حال نجاح مشروع فيصل والهاشمييّن في مملكة تدار من الجزيرة العربيّة (عارضوا أيضاً المشروع الصهيوني في فلسطين) وكان لا بدّ من رشّ "البهارات" كما في قصّة "استشهاد" الخوري يوسف الحايك الذي أعدمه جمال باشا عام ١٩١٥ في ساحة المرجة في دمشق وهو يهتف "تحيا فرنسا تحيا فرنسا تحيا فرنسا".  


العوامل الأكاديميّة

تزعّمتها أيضاً مدينة Lyon إذ طالب مجلس جامعتها بسوريا الجغرافيّة كما حدّدها الأساتذة والمؤرّخون تحت وصاية فرنسا معتمدين على الحجج "العقلانيّة" والعواطف واعتبروا أنّ مهمّة فرنسا في الشام ليست حقّاً لها بمقدار كونه واجباً عليها. أدلت الصحافة بدلوها بعبارات مثل "سوريا ابنة فرنسا والأمّ -الرؤوم- لا تتخلّى عن أولادها" وأيضاً "أعطانا السوريّون الكثير من دمائهم فلنعطهم قليلاً من قلوبنا" وثالثة الأثافي "سوريا ليست منطقة يقطنها الزنوج كتوغو الألمانيّة والكاميرون التي يتعيّن فيها إنشاء كل شيء من البداية وإنّما بلد يملك مدناً غنيّة". 
طرح حقّ تقرير المصير جانباً كاقتراح غير عملي لا يجوز تقديمه للأغلبيّة الجاهلة والمتعصّبة وحتّى الذين شكّكوا في حكمة الانتداب في البداية انتهى بهم الأمر إلى قبوله عندما أصبح أمراً واقعاً على أساس أنّه من المشين لفرنسا كقوّة عظمى أن تنسحب من التزاماتها جارّة أذيال الخيبة. سخط الفرنسيّون عندما اندلعت ثورة جبل الدروز (ومنها إلى دمشق) على الضجيج الإعلامي الذي ترافق معها ولاموه على الدعاية البريطانيّة المعادية لفرنسا تماماً كما رفضوا فيصل بن الحسين -كعميل بريطاني- ملكاً على سوريا. 

باختصار أجمع أولياء الأمور وأوصياء الفكر في فرنسا من اليمين واليسار كلّ لأسبابه على تميّز فرنسا عن شعوب الأرض وطيبتها وحسن نواياها في وقت كانت التعابير والصور العنصريّة النمطيّة عن العرب تملأ وسائل إعلامها. 





Michel Seurat. Létat de barbarie. Edition du Seuil 1989. 

Friday, September 27, 2019

Michel Seurat 1947-1986


تعرّفت على هذا الكاتب الألمعي للمرّة الأولى من خلال مقال عن سوريا وطوائفها ومجتمعها نشر في كتاب "سوريا اليوم" بالفرنسيّة عام ١٩٨٠. السيّد Seurat فرنسي من مواليد بنزرت في تونس عام ١٩٤٧. انتقات عائلته إلى فرنسا عام ١٩٦١ ثمّ ذهب منها إلى بيروت ١٩٧١ ومنها إلى دمشق التي أقام فيها ١٩٧٢-١٩٧٤ ثمّ ١٩٧٥-١٩٧٨ حيث التحق بالمعهد الفرنسي للدراسات العربيّة قبل أن يعود إلى بيروت. أخذ رهينة في ٢٢ أيّار عام ١٩٨٥ وأعلنت منظّمة الجهاد الإسلامي قتله بتهمة التجسّس في ٥ آذار ١٩٨٦.

عن حياته الشخصيّة كان Seurat متزوّجاً من سيّدة سوريّة حلبيّة من مواليد ١٩٤٩ تدعى ماري معمرباشي عرف عنها معارضتها للحكومة السوريّة في بدايات المأساة التي لا تزال البلاد تعيشها منذ ٢٠١١ ولها مقال في دوريّة Le Monde نشر في ١٧ أيلول ٢٠١١ (الرابط أدناه)  بعنوان "عار على المسيحييّن السورييّن" الذين اتّهمتهم "بالتعاون مع نظام بشّار الأسد". 

عودة على الكاتب الراحل وكتاب "دولة الهمجيّة" الذي رأى النور عام ١٩٨٩ بعد موت مؤلّفه بعدّة سنوات. الكتاب بالأحرى مجموعة مقالات مصنّفة تحت أربعة أجزاء:

مقالات الجزء الأوّل كتبت تحت أسماء مستعارة مختلفة وأحياناً دون أسماء وتتحدّث بالدرجة الأولى عن الصراع على السلطة في سوريا أواخر السبعينات إلى مطلع الثمانينات وخلفيّاته. أنا وجيلي وعديد من السورييّن الذين لا يزالون على قيد الحياة في خريف العمر عشنا هذه الأحداث الأليمة ونعرفها جيّداً بغضّ النظر عن موقفنا منها.

الجزء الثاني يتحدّث عن طرابلس الشام في لبنان وسياساتها وطوائفها بعد مقدّمة قصيرة يقول فيه الكاتب نقلاً عن الجغرافي J Weulersse أنّ نموذج المدينة العربيّة الشرقيّة من الناحية الطائفيّة يتألّف من أغلبيّة سنيّة (مسلمة) + أقليّة أورثوذوكسيّة (مسيحيّة). 

الجزء الثالث -ووجدته الأكثر إثارة للاهتمام- يتعرّض لخلفيّات الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان وتطوّر الصناعة وحالة الفلّاحين في الشرق بداية من عهد محمّد علي في مصر.

رابعاً وأخيراً يخصّص المؤلّف الجزء الأخير للقضيّة الفلسطينيّة مع تركيز على غسّان كنفاني وبعض أعماله. 

ناصر Seurat الفلسطينييّن والاتّجاهات التقدّميّة في العالم العريي وراقب عن كثب التطوّرات على أرض الواقع في دراساته الميدانيّة وكتب ما اعتقده دون تلطيف أو تمويه ولم يوفّر نقده جهات وأشخاص كائناً من كانوا وعلّ هذا كان سبب مصرعه في أوج عطائه وعنفوان شبابه. 

للحديث بقيّة.








Thursday, September 26, 2019

يوحنّا الدمشقي و"بدعة" الإسلام



لتوخّي الدقّة الكلام هنا عن "هرطقة" الإسلام أي بدعة بمفهوم سلبي. إذا سلّمنا -كما فعل الدكتور Janosik ورغم أنّ البراهين ليست دوماً دامغة كما رأينا - بأنّ القدّيس يوحنّا الدمشقي  (٦٧٥- ٧٤٣)؟! هو فعلاً كاتب النصوص المعنونة "هرطقة الإسماعيلييّن" و"مناظرة بين مسيحي و saracen". 

اعتبر يوحنّا نفسه كاهناً بيزنطيّاً واعترف بسلطة إمبراطور القسطنطينيّة الدنيويّة وليس الدينيّة أمّا بالنسبة للإسلام فلم يعتبره ديناً مستقلّاً بل heresy (بدعة أو ضلالة أو هرطقة) مسيحيّة ومحمّد أو "مامد" Mamed نبي مزيّف false prophet ذو معرفة سطحيّة بالكتاب المقدّس لربّما اكتسبها من راهب آري (أي بحيرا والنسبة من Arius). بالطبع لا يستعمل يوحنّا تعبير "إسلام" بل "هاجرييّن" نسبة لهاجر أو "اسماعيلييّن" نسبة لابنها اسماعيل أو Saracens. 

تبنّى يوحنّا النهج التالي: أوّلاً محاولة فهم العقيدة الجديدة وثانياً المدافعة عن دين الحقّ (المسيحيّة) ضدّها وثالثاً دحض مزاعم المحمّدييّن.  

لا يشير القدّيس يوحنّا إلى القرآن وإنّما إلى نصوص مقدّسة scriptures وليس لديه معلومات عن حياة محمّد وإن أنكر نبوّته ونزول الوحي عليه. لا ذكر لمكّة ولا لجزيرة العرب في كتابات يوحنّا أمّا بالنسبة للنصوص الإسلاميّة فيبدوا أنّه كان ملمّاً بسور البقرة (الحاوية على الكثير من "الأقوال المضحكة") والنساء والمائدة و"الناقة". بالطبع لا يوجد في القرآن سورة تحمل اسم الناقة وإن ذكرت "ناقة الله" في سورة الأعراف في معرض قصّة صالح وثمود. هناك أيضاً إشارة في كتاباته لسورة الإخلاص وخلا ذلك غالبيّة إن لم نقل كافّة ما ذكره من النصوص القرآنيّة آيات مدنيّة. على الأغلب تعرّف يوحنّا (الذي كان عالماً باللغات العربيّة والسريانيّة والإغريقيّة) على ما وصله من القرآن باللغة العربيّة نظراً لعدم توافر ترجمة إلى الإغريقيّة في عهده. 


في "المناظرة" بين مسيحي ومسلم يسعى يوحنّا إلى  تفنيد اعتراضات الإسلام الثلاثة الأساسيّة على المسيحيّة: الثالوث وألوهيّة المسيح وقيامته بعد صلبه دون أي محاولة لرأب الصدع مع الإسلام أو إيجاد أي نقاط مشتركة للحوار. كافّة ما كتبه في هذا السياق موجّه للمسيحييّن أوّلاً وأخيراً لتلقينهم الأسلوب الأمثل في مجادلة وإفحام المسلمين دفاعاً عن إيمانهم وغنيّ عن الذكر أنّ المسيحي نجح على طول الخطّ في إظهار جهل المسلم وخطل رأيه وردّ كيده إلى نحره. بفرض أنّ هذه الكتابات حقيقيّة (أي من منتصف القرن الثامن تحت الحكم الإسلامي) وبفرض أنّ كاتبها هو فعلاً يوحنّا الدمشقي فاحتمال قرائتها من قبل أي مسلم وقتها شبه معدوم. تجدر هنا الإشارة أنّ الحوار العلني بين المسلمين والمسيحييّن في الشؤون الدينيّىة كان يجري باللغة العربيّة حصراً ولكّن المسيحييّن كانوا دائماً يدوّنونه بالسريانيّة التي يجهلها المسلمون أمّا عن يوحنّا فقد كتب بالإغريقيّة ممّا أتاح له استعمال تعابير وكلمات ضدّ محمّد والإسلام ما كان ليتجرّأ على التفوّه بها جهاراً على رؤوس الأشهاد.

ختاماً يحسن التذكير بأنّ ما ينطبق على الانتقال من المسيحيّة للإسلام كديانة أغلبيّة ينطبق أيضاً على المرور من الوثنيّة إلى المسيحيّة (بما رافقها من تدمير المعابد أو تحويلها لكنائس) وأنّ التسامح الديني في القرون الوسطى كان في أحسن الأحوال معلّقاً بهوى الحاكم وذوي النفوذ لا فرق في ذلك بين شرقٍ إسلامي أو غرب مسيحي (على عكس الغرب العلماني المعاصر). لا يجادل أحد في العلاقة السلسة الودّية بين معاوية والمسيحييّن عندما كان المسلمون أقليّة بينما تغيّر الوضع في مطلع القرن الثامن خصوصاً في عهد الخليفة الورع عمر بن عبد العزيز وتدهور في العصر العبّاسي وخلافة المتوكّل. عموماً كلّما زاد تزمّت العاهل الديني وقويت شوكته كلّما زاد اضطهاده للأقليّات والأمثلة موجودة في كلّ مكان من الشرق الأدنى إلى إسبانيا (إيزابيلّا) وفرنسا (مجزرة سان بارتولومي) وروسيا (اضطهاد اليهود) وكثير غيرها.



Wednesday, September 25, 2019

ما نسب إلى يوحنّا الدمشقي عن محمّد والإسلام



أبدأ فبل الدخول في فحوى أو بالأحرى خلاصة ما قيل على لسان القدّيس يوحنّا الدمشقي عن محمّد والإسلام بذكر النصوص قيد الدراسة نقلاً عن الدكتور Janosik.

يتجاوز عدد الصفحات المتبقيّة (؟من كتابات يوحنّا ١٥٠٠ بينما يقتصر عدد ما يتعرّض منها للإسلام مباشرة على ١٢ فقط لا غير ومع ذلك فلا جدال على الأهميّة القصوى لهذا الذكر على إيجازهيمكن تبويب هذه الكتابات تحت عنوانين رئيسين كما يلي:


الأوّل: ينبوع المعرفة Fount of knowledge


يعتقد أنّه كتب عام ٧٤٣ للميلاد ويقسم إلى ثلاثة أجزاء:

الفصول الفلسفيّة Philosophical Chapters وتعرف أيضاً بالجدليّة Dialectica وعددها ٦٨ وكما يدلّ العنوان تبحث هذه الفصول في الأسس الفلسفيّة (المستعارة من الفكر الإغريقيللاهوت يوحنّا.

عن الهرطقات Heresies أو De Haeresibus وهو أو بالأحرى قسم منه موضوع بحثنا ويتألّف من ١٠٠ فصل يهمّنا منها المعنون "هرطقة الإسماعيلييّن" Heresy of the Ishmaelites كما أسمى يوحنّا المسلمين وكما هو واضح يعتبر القدّيس الإسلام هرطقة مسيحيّة (أي بدعة بمعنى سلبي).

عن الإيمان الأورثوذوكسي De Fide Orthodoxa مائة فصل يمكن اعتبارها أوّل خلاصة دينيّة Summa Theologica في تاريخ المسيحيّة وهي سابقة لخلاصة القدّيس  Thomas Aquinas بحوالي ٥٠٠ سنة.



الثاني: مناظرة بين ساراسينوس (Saracen والمقصود هنا "اسماعيليأي مسلم حسب تعريف يوحنّاومسيحي أو Disputation between a Christian and a Saracen

يحاول يوحنّا عم طريق هذه المناظرة الوهميّة بين مسيحي ومسلم أن يقنع قرّائه بصحّة المسيحيّة ويفحم المسلمينالعمل موجّه بالدرجة الأولى والأخيرة للمسيحييّن ويمكن المقارنة بينه وبين "حوار مع صديقي الملحدلمصطفى محمود بعد أكثر من ألف سنة بل لربّما ألهم هذا الحوار الأخير.



السؤال الجوهري هنا هو التاليهل كتب القدّيس يوحنّا فعلاً هذه المؤلّفات؟ 

ناقش الدكتور Janosik هذا الموضوع في عدّة صفحات لينتهي إلى استنتاج مفاده إجماع الأكاديمييّن أنّ "هرطقة الاسماعيلييّنكتبها يوحنّا ولكنّه حّدد التاريخ المفترض للكتاب (أربعينات القرن الثامنولم يحدّد تاريخ المخطوطة (أو المخطوطاتالتي وصلنا العمل عن طريقها وهنا تجدر المقارنة بمنهجه في هذا الصدد والمنهج الذي اتّبعه عندما جزم بأنّ أقدم نسخة للقرآن بشكله الحالي تعود إلى أواخر القرن الثامن

موضوع "المناظرةأكثر إرباكاً إذ أتتنا من طبعتين من القرن الثامن عشر (١٧١٢ و ١٧٨٨إحداهما ترجمة لاتينيّة لأصل إغريقي من القرن الثالث عشر وهنا يلجأ الدكتور Janosik إلى حسابات معقّدة استخلص منها أنّ المناظرة على الأغلب كتبها يوحنّا ووصلتنا عن طريق غير مباشر بواسطة تلميذه ثيودور أبو قرّة ويعزّز وجهة نظره بالتشابه بين أسلوب "الهرطقةوأسلوب المناظرةيسلّم Janosik مع ذلك بأنّ الدلائل على أصالة "المناظرةأضعف منها في حالة "الهرطقة".

الخلاصة لا مناص من التحفّظ على أصالة المؤلّفات المعزوّة للقدّيس يوحنّا على الأقلّ بهدف الانسجام مع نقد المستشرقين المتشدّد لأصالة الكتب الإسلاميّة وبقي علينا -بفرض صحّة الإسنادالتعرّض لزبدة ما كتبه يوحنّا الدمشقي أو بالأحرى ما قيل أنّه كتبه.   





Tuesday, September 24, 2019

تطوّر اللاهوت الإسلامي


مرّت المسيحيّة عبر تاريخها الطويل بخلافات الثالوث والتجسّد وغيرها كما رأينا. ماذا عن الإسلام؟ وما مبلغ الشبه بين الحالتين؟

يتعرّض الدكتور Janosik للخلافات الإسلاميّة تحت ثلاثة أبواب كما يلي:


الخلاف الأوّل: العمل أم الإيمان؟

أصرّ الخوارج على أهميّة العمل بينما شدّد المرجئة (من الإرجاء) ومنهم الإمام أبو حنيفة على الإيمان وعدم جواز تكفير من شهد بوحدانيّة الله ودعوا إلى ترك الحكم إلى سبحانه ويوم القيامة. شهدت المسيحيّة جدلاً مماثلاً في مطلع القرن السادس عشر مع ظهور حركات الإصلاح الديني والبروتستانتيّة. 


الخلاف الثاني: إرادة الإنسان أم القضاء والقدر؟

تبنّى الجبريّون (الأمويّون منهم) القضاء والقدر وأنّ الإنسان لا يملك أن يغيّر ما قدّره الله بحكمته وقوّته اللامتناهيتين أمّا القدريّون والمعتزلة فقد ارتأوا أنّ العدالة الإلهيّة تستلزم أن يتمتّع الإنسان بالإرادة وحريّة الخيار وأن يكون بالتالي مسؤولاً عن أفعاله. 


الخلاف الثالث: القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟

القرآن مخلوق في عرف المعتزلة بينما نادى أهل السنّة Traditionalists والحديث Tradionists أنّه أزلي (اللوح المحفوظ) وغير مخلوق. يمكن هنا المقارنة مع خلاف الثالوث في المسيحيّة:
- المسيح حسب Arius هو الكلمة Word أو Logos التي خلقها الأب بينما الأقانيم الثلاثة hypostases أي الأب والإبن والروح القدس متساوية وأزليّة حسب Athanasius.
- القرآن حسب المعتزلة هو الكلمة word التي خلقها الله بينما قال خصومهم بأنّه أزلي كما فسّروا  "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
إذاً القرآن في الإسلام = المسيح في المسيحيّة من هذا المنظور.

لجأ مفكّرو الإسلام لاستعمال علم الكلام للدفاع عن وجهات نظرهم ويتلخّص هذا باستعمال المنطق -على غرار الفلاسفة الإغريق- في محاولة لبرهنة الحقيقة كما رأوها. طالب المعتزلة باستعمال المنطق والعقل وبالمقابل تمسّك الإمام ابن حنبل وأتباعه ومريديه بالنصّ الحرفي وأتى أبو الحسن الأشعري (٨٧٤-٩٣٦ للميلاد) كحلّ وسط أجاز استعمال العقل والمنطق ولكنّه أعطاهما مرتبة ثانية بعد الوحي Revelation على اعتبار أنّ طبيعة الله مستعصية على فهم البشر. أقرّ الأشعري بمسؤوليّة الناس عن أعمالهم ولكنّه ارتأى في نفس الوقت -خلافاً للمعتزلة- أنّ القرآن غير مخلوق. 

يمكن لمن يرغب في الزيد من التوسّع الرجوع للجزء الأوّل من عمل Marshall Hodgson الموسوعي (الرابط أدناه) Venture of Islam

للحديث بقيّة. 




Monday, September 23, 2019

بدايات رسالة محمّد في المصادر التاريخيّة المسيحيّة والإسلاميّة


تعرّضت في موضع آخر إلى المدارس الإستشراقيّة المختلفة عن بواكير الإسلام وأكثرها تشكيكاً وتمحيصاً كما رأينا هي المدرسة المراجعة الجديدة Neo-Revisionist التي لا تقبل كمسلّمات إلّا الأدلّة الماديّة الملموسة والباقية إلى اليوم وتنظر بعين الريبة إلى الكتابات اللاحقة. تكمن المشكلة في منهج هذه المدرسة في قلّة المصادر الماديّة المعاصرة للأحداث قيد الدراسة وأحياناً تكون مفقودة بالكامل. من ناحية ثانية صحيح أنّ الأدلّة المباشرة عن الإسلام في القرن الأوّل الهجري محدودة للغاية ولكن الوضع مشابه بشكل أو بآخر بالنسبة للأدلّة عن المسيحيّة في القرن الأوّل الميلادي أمّا عن الأدلّة على التكوين والخروج وممالك سليمان وداود فحدّث ولا حرج. السؤال إذاً هو التالي: هل تعني ندرة البراهين القاطعة أنّ محمّد والمسيح وموسى وداود شخصيّات أسطوريّة؟ وهل نسقط كنتيجة منطقيّة نفس المعايير المتزمّتة على شخصيّات كبوذا وزرادشت وسقراط وأفلاطون وحتّى الإسكندر الأكبر لنتأكّد ليس فقط إذا كانوا "حقيقييّن" وأنّما أيضاً إذا كانت المآثر التي تعزى إليهم حقيقيّة؟ أشارالمؤرّخ Will Durant في المجلّد الثالث من "قصّة الحضارة" بعنوان "قيصر والمسيح" (الرابط أدناه) إلى الجدل حول المسيح كشخصيّة تاريخيّة حقيقيّة وارتأى أنّ براهين الإيجاب أقوى من أدلّة النفي.   

في كلّ الأحوال يميل الدكتور Janosik في كتابه "يوحنّا الدمشقي" إلى اتبّاع أسلوب هذه المدرسة ممّا أوقعه لاحقاً -كما سنرى- في بعض التناقضات التي لا بدّ من حصولها عندما ينتقي المرء لا شعوريّاً ما يؤمن به مسبقاً ويضرب صفحاً عمّا لا يعجبه. مع ذلك أقدّم فيما يلي خلاصةً لسرده دون تزويق أو تهذيب ولا يسعني في نهاية المطاف إلّا أن أحترم سعة علمه والجهد الذي بذله. 

محمّد والإسلام في الكتابات المسيحيّة

- هناك شهادة Sophronius بطريرك القدس حوالي عام ٦٣٦ للميلاد التي أشارت إلى الفتح العربي كشناعة الخراب abomination of desolation (تعبير مقتبس من سفر دانيال في العهد القديم) ولكن الباحث يهوذا نيفو Nevo يشكّك في كون المخطوطة التي وصلتنا غير "منقّحة" ومهما يكن الأمر لم يذكر البطريرك محمّد بالاسم ولا الإسلام.

- ذكرت ثلاثة مصادر غير إسلاميّة اسم محمّد بين الأعوام ٦٤٠-٦٦٠ للميلاد (أي قبل أي مصدر إسلامي بعشرات السنوات): القسّ توما Thomas the Presbyter و Sebeos وكاتب أخبار أيّام خوزستان  Chronicler of Khuzistan مع التحفّظ أنّ ما وصلنا ليس المخطوطات الأصليّة وإنّما نسخ عنها أتت بعد مئات السنين ولربّما أقحم اسم محمّد فيها لاحقاً وإن أشارت على الأقلّ لوجود قائد ديني عربي توحيدي في القرن السابع حمل قومه على الهجرة شمالاً. مثال آخر على إشكاليّة مصادر من هذا النوع "أخبار الأيّام" ليوحنّا John of Nikiu "المكتوب" في مصر حوالي عام ٦٩٠ للميلاد والذي ذكر المسلمين ومحمّد ولكن هذه الشهادة مشبوهة كونها وصلتنا عن طريق نسخة مترجمة إلى اللغة الحبشيّة عام ١٦٠٢ بدورها مترجمة عن ترجمة عربيّة للأصل الإغريقي أو القبطي!

- أوّل ظهور لمصطلح "مسلمين" في النصوص المسيحيّة كان عام ٧٧٥ وقبلها كانوا ينعتون "عرب" أو "اسماعيلييّن" (نسبة لاسماعيل ابن ابراهيم) و Saracens (مصطلح مختلف على ترجمته). 

- المصادر غير الإسلاميّة عن محمّد والإسلام دينيّة أكثر منها تاريخيّة محترفة.  



محمّد والإسلام في الكتابات الإسلاميّة

- رأينا أنّ أقدم الكتابات الإسلاميّة والعربيّة عن محمّد تعود لمطلع القرن التاسع الميلادي والعهد العبّاسي.

- لا ذكر للخلفاء الراشدين قبل كتابات القرن الثامن.

- أوّل قائد عربي لقّب بأمير المؤمنين كان معاوية على نقد وجهه الثاني يقول "بسم الله". لا ذكر لدينا للقرآن ولا محمّد ولا الإسلام من عهد معاوية.

- تعود أقدم نسخة للقرآن لأواخر القرن الثامن باستثناء بعض الأجزاء من صنعاء من مطلع نفس القرن. 

- لا يوجد ذكر لمحمّد كنبي أو حتّى كتسمية في المصادر الإسلاميّة قبل عهد عبد الملك بن مروان ٦٩١-٦٩٢ للميلاد. يحمل نقد عبد الملك عبارة "بسم الله لا إله إلّا الله محمّد رسول الله" وهو أوّل من أعلن نفسه "خليفة الله"  (يقول المؤلّف في إحى الحواشي أنّ ابن الزبير ضرب نقداً وأعلن محمّداً نبيّاًَ ٣ سنوات قبل عبد الملك). بالنسبة لكتابات قبّة الصخرة فهي تحمل الطابع القرآني دون أن تطابق النصّ الحالي القانوني ولربّما مثّلت أشكالاً دارسة للآيات. 

- أوّل ظهور لمصطلح "مسلمين" في المصادر الإسلاميّة كان عام ٧٤١ وقبله كانت التسميّة المفضّلة "مؤمنين".

للحديث بقيّة. 



Sunday, September 22, 2019

فجر الإسلام ومدارس المستشرقين فيه


متى انتهى العالم القديم في دمشق؟ 

طرح الأستاذ الأسترالي Ross Burns هذا السؤال في كتابه عن تاريخ دمشق وارتأى في إجابته أنّ ستاراً أسدل على الشام بعد سقوط الدولة الأمويّة دام عدّة قرون ليرفع بالنتيجة حوالي عام ١١٠٠ للميلاد أي مع بدايات الحملات الصليبيّة عندما تعدّدت المصادر الكتابيّة من الشرق والغرب أضف إلى ذلك أبنية وأوابد بعد هذا التاريخ لا يزال بعضها موجوداً حتّى اليوم. 

قبل الدخول في قضيّة القدّيس يوحنّا الدمشقي كشاهد عيان على الإسلام من خارجه في زمن دارس لم يترك لنا من المصادر المباشرة الموثوقة إلّا النزر اليسير، يحسن هنا التعرّض للمدارس الإستشراقيّة المختلفة عن بدايات الإسلام كما حدّدها Fred Donner ونقلها عنه بتصرّف الأستاذ Daniel Janosik

المدرسة التقليديّة Traditional
تسلّم هذه المدرسة أنّ القرآن يحتوي على معلومات حقيقيّة عن محمّد وتعاليمه وأنّ المدوّنات الإسلاميّة المكتوبة بعد موته بأكثر من قرن ونصف موثوقة مع التحفّظ أنّ الأحاديث يجب أن ينظر إليها كأدبيّات دينيّة أكثر منها تاريخيّة. يرحّب المسلمون بهذا المنهج عموماً وهنا تجدر الإشارة إلى غياب ذكر الأحاديث النبويّة في كتابات يوحنّا الدمشقي أكثر من مائة عام بعد موت النبي (مات ابن إسحاق أوّل من كتب سيرة محمّد عام ٧٦٨ للميلاد ولكنّنا لا نعرفه مباشرة بل عن طريق ابن هشام الذي مات عام ٨٣٣).  

المدرسة النقديّة للمصادر Source-Critical
بدأت في منتصف القرن التاسع عشر وتقول بوجود مادّة تاريخيّة أصليّة يمكن الاعتماد عليها ولكنّها خلطت لاحقاً بكثير من الأباطيل عن طريق نقل شفهي مشوّه وغير موثوق وبالتالي لا يمكن اعتبار جميع الأحاديث النبويّة بالذات تاريخيّة ويتعيّن اللجوء إلى المصادر غر الإسلاميّة لتعزيز أو دحض ما يقوله المسلمون. تكمن المشكلة هنا في غياب مصادر كتابيّة عن القرن الأوّل للإسلام.

مدرسة نقد السيرة Tradition-Critical
رائد هذه المدرسة المستشرق Ignaz Goldziher الذي باشر بدراسة الحديث عام ١٨٩٠ وارتأى أنّ النصوص المقدّسة (الإسلام والحديث) تحتوي على "نواة من الحقيقة" مشوبة برواسب تراكمت عبر قرون من الخلافات السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة كانت حيويّة في الوقت الذي كتبت فيه هذه النصوص وليس في الوقت الذي كتبت عنه. الأحاديث المزوّرة عن محمّد كثيرة وشكّك Goldziher بالنتيجة في الأحاديث ككلّ وخصوصاً بالإسناد.

المدرسة المشكّكة والمراجعة Skeptical أو Revisionist
ترفض هذه المدرسة "نواة حقيقة" Goldziher وتقول أنّ القرآن اشتقّ من عدّة مصادر سابقة للإسلام مسيحيّة ويهوديّة وتضيف أنّ نصّ القرآن القانوني يعود لأواخر القرن الثاني الهجري وبالتالي لا يمكن استعماله كمصدر لا ريب فيه عن أصول الإسلام ودور محمّد. بالطبع الأحاديث النبويّة مرفوضة جملة وتفصيلاً كمرجع تاريخي. تعتبر الأكاديميّة Patricia Crone أنّ المادّة المتوافرة حاليّاً لا تعدوا كونها بقايا للجدل الديني ومعظمها أنقاض مهشّمة لماض دارس. ذهبت Crone إلى درجة التشكيك بمحمّد كشخصيّة تاريخيّة وتراجعت عن رأيها لاحقاً. 

المدرسة المراجعة الجديدة Neo-Revisionist
يمكن اعتبارها امتداداً للسابقة إذ ترى Crone أنّ الطريقة المثلى لمعرفة ما حدث فعلاً تكمن في طرح السيرة الإسلاميّة جانباً وبداية الدراسة من جديد. ترفض هذه المدرسة المصادر الغير معاصرة للأحداث التي تتكلّم عنها ودعى هذا يهوذا نيفو Yehuda Nevo ويهوديت كورين Judith Koren إلى رفض كلّ ما هو غير ملموس وبالتالي اقتصر بحثهما غلى الآثار والنقوش الكتابيّة والنقد (العملة).  قد يبدوا هذا الطرح سليماً للوهلة الأولى والمشكلة -وهي قطعاً ليست وقفاً على التاريخ الإسلامي- أنّ الآثار الماديّة الملموسة غير كافية.

يمكن هنا التساؤل عن أسباب نجاح الفتوحات العربيّة ويختلف الجواب حسب المدرسة إذ يعطي الشرقيّون الفضل بالدرجة الأولى لإيمان المسلمين برسالتهم بينما يركّز الغربيّون في تفسيرهم لسهولة وسرعة هذه الفتوحات على ضعف الإمبراطوريّة البيزنطيّة وغريمتها الإيرانيّة بعد سنوات من الحروب التي استنزفت طاقاتهما وجعلتهما تقعان لقمة سائغة للعرب. يتبنّى المراجعون الجدد فرضيّة مخالفة تماماًَ تنفي "الفتوحات" من أساسها وتقول كتفسير بديل أنّ العرب -مسلمين وغير مسلمين-  "هاجروا" إلى بلاد الشام وغيرها من الأراضي التي أخلاها البيزنطيّون (يضيف Nevo أنّ أحد العوامل كانت وقف الدعم المالي البيزنطي الذي اشترى ولاء القبائل العربيّة سابقاً) وتقارن Crone بين "هجرة العرب" إلى سوريا وبين خروج Exodus العبرانييّن من مصر إلى أرض الميعاد وتزيد فتقول أنّ "الهجرة" الإسلاميّة لم تكن من مكّة إلى المدينة بل من البادية إلى الشام ومنه تعبير "الهاجرييّن" لوصف المسلمين نسبة لهاجر (زوج ابراهيم وأمّ اسماعيل) أو الهجرة. 

للحديث بقيّة. 






Jean Sauvaget. Introduction à l'histoire de l'Orient musulman. Eléments de bibliographie. Edition refondue et complétée par CIaude Cahen Paris Adrien-Maisonneuve 1961. 

Saturday, September 21, 2019

الثالوث، طبائع المسيح، وانشقاق الكنيسة


ليس الهدف من الأسطر التالية تلخيص ألفيّ عام من تاريخ المسيحيّة فهذا يتطلّب أسفاراً من الكتب. المقصود هنا تزويد المهتمّين بالحدّ الأدنى من المعلومات كخلفيّة ضروريّة لفهم العلاقة بين الإسلام والمسيحيّة في عهد يوحنّا الدمشقي (النصف الأوّل للقرن الثامن الميلادي) ونظرة هذا القدّيس إلى هذه العلاقة. 

المسيحيّة بجميع أطيافها كيان واحد بالنسبة للغالبيّة العظمى من المسلمين ومعلوماتهم عنها محدودة ومنحازة إلى درجة كبيرة والعكس صحيح: معظم المسيحييّن لا يعرفون شيئاً يذكر عن الملل الإسلاميّة المختلفة مع فارق هامّ ألا وهو اهتمام الأكاديمييّن في الغرب منذ قرون بالدراسات الشرقيّة والإسلاميّة خلافاً لزملائهم الشرقييّن وتحديداً المسلمين. 

لدينا قصةّ فتح مصر على يد عمرو بن العاص. كتب الراحل Will Durant في الجزء الرابع من "قصّة الحضارة" المعنون "عهد الإيمان" أنّ يعاقبة مصر أيّدوا العرب ضدّ مضطّهديهم الأورثوذوكس وحاولوا الانتقام منهم بعد دخول المسلمين ولكن عمرو لم يفهم الفرق بين العقيدتين -ولربّما لم يحاول أو يريد أن يفهم- واقتصر ما فعله على جبي الجزية من جميع المسيحييّن (أي معظم سكّان مصر وقتها) وإعلان حريّة العبادة ومنع أي محاولة للثأر.  أورد فيما يلي نصّ Durant بالإنجليزيّة كما هو ورابط الكتاب موجود في ثبت المراجع أدناه. 

The Monophysites Christians of Egypt had suffered Byzantine persecution; they received the Moslems with open arms, helped them to take Memphis, guided them into Alexandria......Amr prevented pillage, preferring taxation. Unable to understand the theological differences among the Christian sects,  he forbade his Monophysite allies to revenge themselves upon their Orthodox foes, and upset the custom of centuries by proclaiming freedom of worship for all. 


أتعرّض الأن باختصار شديد لأهمّ الخلافات الكنسيّة عبر التاريخ:

خلاف الثالوث Trinity:

أقطابه اثنان من أحبار الاسكندريّة الأوّل Arius والثاني Athanasius. قال الأوّل أنّ المسيح الإبن أتى بعد الأب الخالق وهو مستقلّ عنه ويمثّل الكلمة Logos. إذاً الأب خالق ومنه أتت الكلمة إلى جسم يسوع المخلوق. بالمقابل نادى Athanasius بأنّ الله له جوهر واحد ousia في ثلاث أقانيم hypostases (تظاهرات manifestations) متساوية وجميعها أزليّة. أبرم مجمع نيقية Council of Nicaea الأوّل عام ٣٢٥ للميلاد أمره بحرمان excommunication ونفي Arius وهنا تجدر الإشارة أنّ البعض يقول أنّ الراهب بحيرا الشهير في التاريخ الإسلامي كان من أتباع آريوس.

لخلافات التجسّد Incarnation عدّة مذاهب:

الأوّل مذهب اليعاقبة (نسبة إلى السوري Jacob Baradæus) أو أصحاب الطبيعة الواحدة Monophysitism. يقول هؤلاء أنّ للمسيح طبيعة مركّبة Composite واحدة إلهيّة ولا يميّزون بين الطبيعة والأقنوم. أدان مجمع خلقيدونية  Council of Chalcedon هذا الفكر عام ٤٥١.
الثاني مذهب النساطرة نسبة إلى كبير أساقفة القسطنطينيّة Nestorius. يقول هذا المذهب بأنّ للمسيح طبيعتين (وأقنومين) إلهيّة وبشريّة مع التركيز على الثانية. يترتبّ على هذا أنّ مريم العذراء أمّ يسوع الإنسان وليست أمّ المسيح الإله. اتّهم نسطوريوس بالهرطقة وأدين فكره في مجمع افسوس Council of Ephesus عام ٤٣١.
الثالث هو مذهب Athanasius الأورثوذوكسي الذي كرّسه مجمع خلقيدونية عام ٤٥١ ويقول بأنّ المسيح أقنوم واحد له طبيعتين. أصبح هذا المذهب رسميّاً وهو ما يعرف بالأورثوذوكسيّة حاليّاً وكان يدعى سابقاً الملكيّة Melkite.
الرابع Monothelitism محاولة من قبل الإمبراطور هرقل Heraclius لإيجاد تفاهم بين اليعاقية والأورثوذوكس لم يكتب لها النجاح وتقول أنّ للمسيح إرادة واحدة وطبيعتان.  

الخلاف بين الشرق (القسطنطينيّة) والكنيسة اللاتينيّة الغربيّة (روما):

أدّى الضعف المتزايد لإمبراطور بيزنطة وزيادة المسافة الفاصلة بينه وبين المسيحييّن في الغرب إلى تعاظم النفوذ الزمني والديني للبابا في روما خاصّة في أعقاب تتويج شرلمان Charlemagne على رأس الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة عام  ٨٠٠ (شتّان بين هذا العهد وبين عهد جستينيان في القرن السادس) ومن المتوقّع في هذه الظروف تفاقم الصراع على زعامة العالم المسيحي الروحيّة إلى أن أتى الانشقاق الكبير Great Schism عام ١٠٥٤ على مسألة filioque وهي باختصار عن الروح القدس إذ ارتأى الشرقيّون أنّه ينبثق من الأب بينما عارضهم اللاتين أشدّ معارضة وأكّدوا أنّ مبعث الروح القدس الأب والإبن معاً. استمطر الطرفان اللعنات على بعضهما بعضاً بعد هذه القشّة التي قصمت ظهر البعير. جرت محاولة لتسوية الخلاف في القرن الرابع عشر من قبل الإمبراطور John V Palaeologus الذي دفعه التهديد التركي المتزايد إلى الذهاب إلى روما وطرح نفسه على قدميّ البابا Urban V عام ١٣٦٧ في محاولة يائسة منه لحمل هذا الأخير على المناداة بحملة صليبيّة جديدة ولسوء حظّه لم يتمتّع بابا هذا العهد بمهابة Urban II أو Innocent III الذين ارتعدت أوصال ملوك أوروبا من تهديدهم بالحرمان الكنسي excommunication في الماضي عندما عنى هذا أنّ الحرب ضدّ الملك المحروم لها قدسيّة الحملات الصليبيّة وأنّ "الشهيد" فيها يذهب إلى جنات النعيم مباشرة ويمكن أن يمتدّ هذا العقاب إذا استمرّ الملك المغضوب عليه بالتمرّد ولجّ في العصيان إلى بلده بكاملها interdict وهذا يعني حرمان الجميع من العمادة والزواج الكنسي والصلاة على روح الأموات وهي عقوبات رهيبة بل عقوبات قصوى في زمن عاش فيه الناس على الكفاف في هذه الدنيا بانتظار النعيم الأبدي الموعود.  

الإصلاح الديني:

تاريخه طويل وأعلامه كثيرون وأشهرهم Martin Luther و John Calvin في مطلع القرن السادس عشر (تزامن معهما انشقاق الكنيسة الإنجليزيّة في عهد الملك هنري الثامن لأسباب دنيويّة بالدرجة الأولى). أذّنت هذه الحركات بصعود البروتستانتيّة-الإنجيليّة بفروعها العديدة التي لا مجال للدخول فيها هنا ولا علاقة لها في كلّ الأحوال بعهد القدّيس يوحنّا. الفروق بين المذاهب البروتستانتيّة كثيرة وحسبنا القول أنّها عموماً كارهة للأيقونات Iconoclastic ولا يوجد فيها بنية كنسيّة منظّمة ecclesiastical وتشدّد على أهميّة تعرّف المؤمنين على الكتاب المقدّس مباشرة (وليس فقط عن طريق الكهنة) مع تركيز خاصّ على مكانة العهد القديم. 

للحديث بقيّة.