من المتعارف عليهِ أنّ السياسييّن يكذبون بمجرّد تحريكِ شفاههِم، بيد أنّ فنَّ الدپبلوماسيّةِ الحقيقي يكمن في الصدق دون قول الحقيقة، وهناك عدّة أساليب يمتلكُها السياسي المحنّك للتوفيق بين هذين النقيضين، منها ذكر أنصاف الحقائق، وتحويل حوارِ المقابلة في اتّجاهٍ آخر، ومحاولة النيل من مصداقيّة الخصم دون الإجابة على السؤال، ورفع الصوت، والخبط بقبضة اليد على المائدة، وهلمّجرّا.
مفهومُ القوميّاتِ حديثٌ نسبيّاً، وما يهمّنا هنا تحديداً "القوميّتان" العربيّة والتركيّة. لا داعي للدخول في العربيّة كنهضةٍ ثقافيّة في أواخر القرن التاسع عشر (
١)، ولا في
طورانيّة الأتراك؛ أثرُ هذه الحركات في وقتِها كان محدوداً للغاية، وإن أُعْطِيَت أهميّةً تفوقُ حجمَها بمفعولٍ رجعي بعد سقوط الإميراطوريّة العثمانيّة. سَلَّمَت الغالبيّةُ العظمى من مواطنيّ ورعايا هذه الإمبراطوريّة بالسيادة العثمانيّة، كما عَرَفها آباؤهُم وأجدادُهم عَبْرَ مئاتِ السنين، حتّى عام ١٩١٤، عربيّةً كانت لغتُهُم أم تركيّةً أم كرديّةً أم أرمنيّة، في دولةٍ مترامية الأطراف حتّى في شيخوخَتِها (
٢).
تقاسمت بريطانيا العظمى وفرنسا الشرق الأدنى بعد نهاية الحرب، ورَسَمَتا حدودَهُ السياسيّة التي أصبحت أمراً واقعاً. اكتسبت هذه الحدود، بما فيها لواء اسكندرون أو محافظة هاتاي التركيّة إذا شئنا، ديمومةً تجاوزت سقوطَ الإمبراطوريّات الأوروپيّة مع نهاية الحرب العالميّة الثانية . قصّةُ المناورات السياسيّة التي حَدَت فرنسا إلى التنازلِ عن أرض في عهدتها لتركيّا الكماليّة أطول من أن يغطّيها مقالٌ قصير، ولا داعي حتّى للدخول في شرعيتها، على اعتبار أنّ الشرعيّةَ بين الحربين تمثّلَت في
عصبة الأمم، وانتداب فرنسا على سوريّا كان بتفويضٍ من هذه العصبة؛ يترتّبُ على ذلك أنّ كافّة الإجراءات التي اتّخذتها سلطات الانتداب كانت قانونيّةً ١٠٠٪، عادلةً كانت أم باغية.
فيما يلي توزيع سكّان لواء اسكندرون عام ١٩٢٤ (٣):
أتراك حوالي ٣٧٪ (المقصود أتراك سنّة)
علويّون حوالي ٢٨٪
شيعة حوالي ٢١٪
عرب حوالي ١١٪ (المقصود عرب سنّة)
خليط حوالي ٢٪
فلنفترض أنّ هذه الأرقام دقيقة (٤)؛ من الواضح أنّ الهدَفَ من توزيعِها على هذه الشاكلة خَلْط "السماوات بالأباوات" عمداً وعن سبق الإصرار: العرب والأتراك جالياتٌ لغويّة، بينما العلويّون والشيعة فئاتٌ دينيّة ومذهبيّة، لغةُ أغلبيّتِهم الساحقة عربيّةٌ على الأرجح. يرمي هذا الأسلوب "الخلّاق" في التصنيف إلى "إضاعة الطاسة"، وتبرير تنازل فرنسا عن اللواء لصالح تركيّا استناداً إلى "وثائق وأرقام" برهنت أنّ الأتراك هم الأكثر عدداً إن لم يكن من الناحية المطلقة فعلى الأقلّ نسبيّاً. هذا التوزيع أيضاً مَرِنٌ بما فيهِ الكفاية للحفاط على اللواء ضمن الحدود السوريّة إذا شائت فرنسا أن تقلب لتركيّا ظَهْرَ المِجَنّ.
____________
لا تقتَصِرُ هذه الأساليب المُبْتَكَرة في اختراع القوميّات ورسم الحدود على لواء اسكندرون بطبيعةِ الحال، ومن المعروف على سبيل المثال أنّ تركيّا أتاتورك "العلمانيّة" طَرَدَت مسيحيّي آسيا الصغرى بحجّةِ أنّهم "يونان"، وردّت اليونان "الجميل" بطرد مسلميها "الأتراك"، رغم أنّ عمر الوجود المسيحي في آسيا الصغرى وقتها تجاوز ١٥٠٠ عاماً، والوجود الإسلامي في اليونان مئات الأعوام.
استعْمَلَت إسرائيل بشكلٍ أو بآخر باستعمال نفس النهج، كما في ادّعاء غولدا مائير (٥) أنّ سكّان فلسطين الانتداب البريطاني هم "العرب واليهود"، ولا وجود أو ذِكْر للفلسطينييّن. لا داعي للدخول في تفاصيلٍ مزعجة وتسمية الأمور بمسمّياتها أي "مسلمون ومسيحيّون ويهود"، أو "أهالي المنطقة الأصلييّن في مواجهة المستوطنين الأوروپييّن" الذين فَرَضَهُم الانتداب البريطاني على البلاد استناداً إلى شرعيّة عصبة الأمم (٦) وتصريح بلفور. اعْتَقَدَت مائير، وبحقّ، أنّ مستمعيها والمقصودين في خطابِها في الغرب متعاطفون مع القضيّة الصهيونيّة، أو في أسوأ الأحوال غير معنييّن بالموضوع ولا يعرفون عنه إلّا ما نَقَلَهُ إليهم إعلامُهم المسيّس.
لا يحتاج القوي إلى تبريرِ تصرّفاته التي أمْلَتَها قوّاتُهُ المسلّحة على المغلوبين كما فعل المنتصرون منذ أقدمِ العهود، مع التحفّظ أنّنا نحيا في زمنٍ يتشدّقُ فيه مَنْ هبَّ ودبَّ بالديموقراطيّة والحريّة وحقّ تقرير المصير، ويكرّر القاصي والداني هذه العبارات التي أُفْرِغَت من محتواها أو كادت كالببّغاوات، ومن هنا اللجوء إلى التعليل والتفسير والتجميل والتزويق، وإذا صَدَّقَ المستمعون كلامَ السياسييّن المعسول فعساه خيراً، وإن لم يصدّقوه فإلى جهنّم.
____________
١. ناصيف اليازجي وبطرس البستاني مثلاً.
٢. الشام والعراق وآسيا الصغرى والحجاز وحتّى مصر كانت لا تزال من الناحية النظريّة على الأقلّ من مكوّنات الإمبراطوريّة. تناسبَ نفوذُ الدولةِ عكساً مع بعد الإقليم عن القسطنطينيّة.
٣. عن Yérasimos.
٤. لا يوجد سبب مقنع للتشكيك بدقّتها.
٥. مقابلة مع شبكة تلڤزيون Thames البريطانيّة عام ١٩٧٠. ٦. كنظيره الفرنسي في سوريّا.
____________