Monday, August 6, 2018

دمشق ١٨٣٠


لم تكن حاضرة بلاد الشام وأكبر وأغنى واحاتِها تاريخيّاً مغلقةً في وَجْهِ الأجانب؛ يكفي أنّها كانت مرفأ الساحل السوري على الصحراء، ومركز تجمّع قوافل الحجّ من الشمال والشرق، للتوكيد على انفِتاحِها على العالم. مع هذا لا يمكن إنكار أنّ دمشق كانت إلى أمدٍ قريب نسبيّاً مدينةً محافظةً إسلاميّة الطابع، نَظَرَت إلى أوروپّا خصوصاً نظرةَ ريبٍ وتوجّس، وأنّها تأخّرت عن مصر والساحل اللبناني عشرات السنوات في فتح أبوابها للغرب، ومنه ادّعاء السياسي والآثاري الفرنسي de Breuvery (١٨٠٥ - ١٨٧٦) أنّ أجمل مدن سوريّا أبعدها عن حسن الضيافة، بدلالةِ اعتداء الأهالي عليه وعلى صَحْبِهِ قرب الصالحيّة بذريعة امتطائِهم متون الدوابّ المحظور على غير المسلمين. 

صّدّرَ كتابُ "من دمشق إلى تدمر" عام ١٨٤٨ عن رحلة المؤلّف عام ١٨٣٠ تحت ولاية رؤوف باشا قبيل دخول إبراهيم باشا المصري إلى سوريّا وما رافقه من تحسّنٍ ملحوظ في وضع الأقلّيات عموماً والمسيحييّن خصوصاً. ليس هدفُ الكتاب دمشق، بل تدمر التي ألهبت خيال الأوروپييّن خلال قصص زنوبيا و Aurelian. لتوخّي الدقّة كَتَبَ de Breuvery عن رحلة الذهاب إلى عروس الصحراء والإياب منها، مروراً بجيرود وقريتين، والمخاطر على الطريق وغارات البدو وابتزازهم له ولمرافقيهِ أكثر بكثير ممّا كَتَبَ عن أطلالِها. سأضرب صفحاً عن هذه التفاصيل مكتفياً برسم الخطوط العريضة لدمشق الشام كما رآها المؤلّف، الكتاب متوافرٌ بالمجان على موقع المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة لمن يرغب في الرجوع إلى النصّ الأصلي. 
____________

قَدَّرَ المؤلّفُ عددَ سكّان دمشق بحوالي ١١٠٠٠٠ مسلم "متعصّب" fanatique و ١٧٠٠٠ مسيحي و ٢٥٠٠ يهودي، وتعرّض باختصار إلى ذِكْرِها في العهد القديم، ثمّ غزاتِها بدايةً بالعبرانييّن ووصولاً إلى الفتح الإسلامي. زَعَمَ de Breuvery أنّ المسلمين ذَبَحوا معظم سكّان المدينة دون أن يكبّدَ نَفْسَهُ عناء ذكر المصدر أو المصادر؛ ليس هذا بالمستغرب إذا أخذنا بعين الاعتبار الفترة التي كتب فيها، وفي كلّ الأحوال لا يمكن الاعتداد بمعلومات الكتاب التاريخيّة كمّاً أو نوعاً.

وصفُ المدينة أكثر إثارةً للاهتمام على إيجازِهِ، بدايةً بقصر الباشا "كوخ كئيب من الخشب المسوّس". موقع القصر غير مُحَدَّد ولربّما كان الكلام عن دار كنج يوسف باشا في ساحة المرجة التي حلّ محلّها لاحقاً بناء العابد. تواجَدَ أشهر مقاهي دمشق لدى باب السلام شمال المدينة على جزيرة في نهر بردى. حَذَّرَ المؤلِّف من مقارنةِ مقاهي دمشق بنظيرتِها الفاخرة في أوروپا ومع ذلك ارتأى أنّ النضرةَ والهواء المنعش والماء الرائق إلى درجة الشفافيّة عوّضت عن تواضع المكان. الأبنية الدينيّة في كلِّ مكان ولكنّها مهملة، حتّى التكيّة السليمانيّة مُتَداعيةٌ أو تكاد. الحيّزُ المخصّص للجامع الأموي صغيرٌ للغاية. اكتفى الكاتبُ بالقول أنّه كان أصلاً كنيسةً ليوحنّا المعمدان، وأنّ ما فَعَلَهُ الوليد اقْتَصَرَ على بعض التعديلات والإضافات. لا ذكر لهيكل المشتري وليس هناك تفاصيلٌ عن الجامع، ولم يكن من السهل الحصول عليها في زمنٍ حُرِّمَ فيه دخولُهُ على غير المسلمين. القلعة حَسَب المؤلِّف رومانيّةٌ في مُعْظمِها. أسوارُ المدينةِ متهدّمةٌ، والخنادق المحيطة بها بمياهِها الخضراء الآسنة أشبه ما تكون بالمِقْذَرة. يلي ذلك وصفٌ للشوارع والأسواق الضيّقة ثمّ البيوت الدمشقيّة المتواضعة من الخارج والشديدة البهاء من الداخل.

الميدان مرتعٌ دائم للتمرّد والعصيان وأهل الصالحيّة متزمّتون. الفصلُ بين الجنسين صارمٌ في دمشق، حتّى لدى المسيحييّن، ومن شبه المستحيل أن يحظى الرجل برؤية شريكةِ مُسْتَقْبَلِهِ قبل الزفاف: تتولّى النساءُ من أهل العروسين كافّةَ مراسيم الخطبة، وكثيراً ما يرسم الخاطِبُ في مخيّلته صورةً مثاليّةً لخطيبَتِهِ تتبخّر بمجرّد عقد القران. عَرْضُ المرأةِ على طبيبٍ إذا مرضت من الصعوبةِ بمكان، ويفترض أن يكتفي هذا الأخير بوصفِ شكواها من قِبَلِ زوجِها، ويخطّط العلاج بناءً على ذلك. يحرسُ العميانُ أبواب حاراتِ المدينةِ ليلاً؛ ظلامُ الليل دامسٌ في زمنٍ لا يعرف الإنارة الكهربائيّة، وبالتالي لا يقدّم البصر كثيراً أو يؤخّر، أو هكذا على الأقلّ زَعَمَ المؤلّف. 

____________

عددُ صفحات هذا الكتيّب ١٥٠، خُصِّصَ ثلثها إلى دمشق. التفاصيلُ بالتالي محدودةٌ ناهيك عن مدى دقّتِها ومصداقيّتِها. ليس لنا، مع ذلك، أن نُهْمِلَ عملاً من هذا النوع. ما كُتِبَ عن دمشق أقلّ بكثير ممّا تستحّق، ويحْسُن الاطّلاع على أي مساهمة تاريخيّة بغضّ النظر عن رأي المُساهِم ودوافِعِه وتحيّزِهِ.   

No comments:

Post a Comment