Tuesday, March 31, 2020

بلاط صحن الجامع الأموي


أجرى العالم عبد القادر ريحاوي عدّة أسبار في صحن الجامع الأموي منذ حوالي ستّين عاماً وقام على إثر ذلك بنشر وتحليل المعطيات التي حصل عليها في بحث مفصّل تحت عنوان "إسهام في دراسة الجامع الأموي" في المجلّد الثالث عشر للحوليّات الأثريّة السوريّة الصادر عام ١٩٦٣

قارن ريحاوي بين ما صادف وبين وصف النصوص التاريخيّة المتوافرة عن الجامع وأقدمها المقدسي (توفّي عام ٩٩٠ للميلاد) وفيما يلي خلاصة لتاريخ بلاط الصحن واستنتاجات الباحث الراحل وهي على علمي الأولى من نوعها:

أوّلاً: تواجدت سويّة صحن المعبد قبل الاسلام على عمق ٨٢ عشير المتر تحت السويّة الحاليّة وكانت الأرضيّة مرصوفة ببلاط من الحجر الكلسي العواميدي كما في المعابد الرومانيّة عموماً.

ثانياً: ارتفعت هذه السويّة بمقدار ثلاثين عشير المتر في العهد الأموي (أي نصف متر تحت السويّة الحاليّة) وفرشت بالرخام الأبيض (خلافاً للحرم والأروقة التي فرشت بفسيفساء بيضاء بسيطة على غرار الكنائس البيزنطيّة).

ثالثاً: استعمل الأيّوبي الملك العادل أحجار المباني القديمة خصوصاً أحجار قنطرة الباب الشرقي (حسب أبو شامة المنوفّي عام ١٢٦٦) وأضاف إليها أحجار جبال المزّة (التي أسماها العمري (توفّي عام  ١٣١٧) "المرمر" عوضاً عن الرخام الأموي.

رابعاً: ارتفعت سويّة الصحن بمقدار ٢٠ عشير المتر في ترميم مملوكي استعمل فيه الأجرّ في الصحن والأروقة بهدف الاقتصاد. لربّما جرى هذا الترميم عام  ١٣٥٦ (حسب ابن كثير المتوفّي ١٣٧٣) أو بعد نكبة تيمورلنك في ١٤٠١.

خامساً: جرى آخر ترميم للبلاط في العهد العثماني عام  ١٨٨٣.

الصورة الملحقة لإحدى رقعتين من البلاط على طرفيّ البحرة الشمالي والجنوبي تبلغ مساحتهما الإجماليّة خمس وأربعون متراً وفيهما أشكال دوائر وأنصاف دوائر مشغولة من الحجر المزّي تطوّقها إطارات من الحجر الأحمر السمّاقي. يشبه هذا البلاط بلاطاً اكتشف في دار بيزنطيّة في الحريقة (أنوي التعرّض إليها في منشور لاحق) ولربّما كان يعود إلى ذلك العهد اللهمّ إلا إذا جرى نقله من موضع آخر. 

  

Sunday, March 29, 2020

المدرسة الجقمقيّة كنموذج للفنّ المملوكي‎


وصف الدكتور عبد القادر ريحاوي تفاصيل المدرسة الجقمقيّة في مقال بطول ثلاثين صفحة عن الأبنية الأثريّة في دمشق نشر في المجلّد العاشر للحوليّات الأثريّة السوريّة عام ١٩٦٠. أتعرّض فيما يلي للخطوط  العريضة لهذا البحث المرجعي.

بلغ الفنّ المملوكي أوجه في عهد المماليك الجراكسة (أو المماليك البرجيّة لتمييزهم عن المماليك البحريّة) ومن سمات هذا الفنّ:

- أصبح صحن المدرسة أصغر مساحة وكثيراً ما يكون مسقوفاً يوحي بالدفء وتتوسّطه بركة صغيرة.
- اتّسع الإيوان القبلي نسبة لبقيّة الأواوين.
- ازداد ارتفاع القبّة واختفت إحدى رقبتيها واكتفي بالمقرنصات للانتقال من الشكل المربّع للكروي أو بالأحرى نصف الكروي.
- تمّ التخلّي عن الجدران الصمّاء التي اتّسمت بها العمائر الأيّوبيّة المتقشّفة (زيّن الرخام المجزّع والفسيفساء الزجاجيّة الجدران في العصر الأموي كما في جامع بني أميّة الكبير واستعملت اللوحات الجداريّة frescoes في أبنية معيّنة ثمّ تطوّرت الزخارف الجصيّة البارزة والمخرّمة بمواضيعها motif الهندسيّة والنباتيّة أو ما أطلق عليه الغربيّون اسم Arabesque اعتباراً من العهد الفاطمي). 
- حجارة الأبنية المملوكيّة صغيرة مقارنة مع الأيّوبيّة ويستعمل الحجر في أسفل الجدران واللبن في أعلاها.
- استعمال الأبلق في المداميك.
- الأسقف الخشبيّة.
- غنى الزخارف إلى درجة الابتذال في رأي البعض. اعتبر ريحاوي الجقمقيّة الثانية في هذا المضمار بعد الظاهريّة.

تمثّل الجقمقيّة نموذجاً لمعظم هذه الخصائص إن لم نقل جميعها. المدرسة مربّغة الشكل تبلغ مساحتها ٢٨٥ متر مربّع يتوسّطها صحن أبعاده ٦٦٥ x ٧١٥ عشير المتر تتوسّطه بدوره بحرة صغيرة مثمّنة وتحيطه أربع أواوين ويعلوه سقف خشبي بارتفاع إثني عشر متراً ونصف المتر. تحتلّ التربة الزاوية الشماليّة الشرقيّة للمدرسة وهي غرفة مربّعة طول ضلعها أربع أمتار ونصف المتر فيها قبر لجقمق وثانٍ لأمّه وتعلوها قبّة مرفوعة على أربع عقود جداريّة تحتلّ زواياها مقرنصات انتقاليّة.

الصورة الملحقة للجدار الغربي للمدرسة كما بدا قبل ستّين عاماً أثناء الترميم. 

Saturday, March 28, 2020

تاريخ المدرسة الجقمقيّة


قام عبد القادر ريحاوي نيابة عن المديريّة العامّة للآثار والمتاحف بدراسة تفاصيل المدرسة الجقمقيّة أثناء ترميمها تحت إشراف السيّد زكي أمير بداية من أواخر خمسينات القرن الماضي ونشر مقالاً عنها في عدد الحوليّات الأثريّة السوريّة الصادر عام ١٩٦٠ (المجلّد العاشر). التقطت الصورة الملحقة خلال عمليّة الترميم الذي توقّع ريحاوي إنجازه عام ١٩٦١.

كان الأمير سيف الدين جقمق داودار السلطان المملوكي المؤيّد شيخ (داودار السلطان هو أمين سرّه وأقوى رجل في المملكة بعده) ثمّ أصبح نائباً للشام اعتباراً من عام ١٤١٩. تمرّد لاحقاً بعد موت المؤيّد وقتل ولكن ليس قبل أن يترك لنا مدرسة تعتبر من روائع الفنّ المملوكي في عصره الذهبي. 

تقع هذه المدرسة فيما أسماه الريحاوي "بمدينة دمشق الجامعيّة" شمال الأموي في الكلّاسة. يحدّها غرباً التربة الأشرفيّة المهدومة (ضريح الأيّوبي الأشرف موسى) وتربة صلاح الدين. أوقف جقمق على مدرسته السوق المعروف بنفس الاسم (أي سوق جقمق وهو قسم الشارع المستقيم الواقع بين سوق الخيّاطين والبزوريّة) واكتمل بناء المدرسة عام ١٤٢١.

بنيت المدرسة الجقمقيّة على أنقاض تربة المعلّم سنجر الهلالي التي تحوّلت إلى ميتم ثمّ خانقاه قبل أن تحترق في فتنة تيمورلنك عام ١٤٠١. 

أصبحت المدرسة كتّاباً في أواخر القرن التاسع عشر ثمّ أسّس فيها الشيخ عيد السفرجلاني عام ١٨٩٩ مدرسة حديثة ابتدائيّة ورشديّة (أي ثانويّة) دعيت المدرسة الجقمقيّة العلميّة درس فيهل شكري القوّتلي. تحوّلت المدرسة إلى مقرّ للحلقة المولويّة عام ١٩١٩ وأصيبت بعدها بأضرار جسيمة عندما تعرّضت لقنبلة خلال قصف الحلفاء عام ١٩٤١ وسرقت منها نقوش كتابيّة حجريّة في نفس العام.

شهد عام ١٩٥٦ بداية حملة لجمع التبرّعات لترميم المدرسة الذي بدأ بخطى حثيثة بعد هذا التاريخ. 








Friday, March 27, 2020

مدينة دمشق الجامعيّة


أطلق الدكتور عبد القادر ريحاوي رحمه الله هذه التسمية على منطقة الكلاّسة شمال الجامع الأموي وجوارها وهو تعبير أكثر من موائم نظراً لشديد غناها بالمدارس منها ما اندثر ومنها ما لا يزال قائماً بعد مئات السنوات من إنشائها.

نشر العالم الراحل مقالاً عن المدرسة الجقمقيّة في عدد الحوليّات الأثريّة السوريّة الصادر عام  ١٩٦٠ (المجلّد العاشر). سيتمّ التعرّض لبعض ما كتبه عن المدرسة في منشور لاحق أمّا اليوم فحسبنا استعراض أوابد هذه المنطقة بإيجاز. استعنت في تحقيق بعض المعلومات بكتاب خطط دمشق للدكتور أكرم حسن العلبي.

المدرسة في القرون الوسطى مؤسّسة دينيّة تطوّرت في القرن الحادي عشر الميلادي بداية من عهد السلاجقة والوزير نظام الملك لتعزيز الإسلام السنّي (علوم القرآن والحديث والفقه والتفسير والتجويد واللغة وهلمّجرّا) وتخريج كوادر إداريّة تتولّى المناصب القضائيّة والإمامة والكتابة وشؤون الدولة عموماً. للمدارس إذاً وظيفة روحيّة وثانية سياسيّة إضافة إلى مهمّتها التعليميّة. هذا عن أهدافها أمّا عمارتها فتتبع النماذج الإيرانيّة وتحتوي عادة على أربعة أواوين تحيط بصحن حوله غرف للأساتذة والطلّاب وتربة المشىء. 

نأتي الآن إلى المدارس في "مدينتنا الجامعيّة" وهي الآتية (يمكن استعمال أرقامها لتحديد مواقعها على المخطّط الملحق):

١. الخانقاه السميساطيّة (دار عمر بن عبد العزيز سابقاً).

٢. المدرسة الصادريّة: أقدم مدارس دمشق (اندثرت).

٣. مدرسة الكلّاسة من عهد نور الدين (درست).

٤. المدرسة البلخيّة (نسبة لأوّل أساتذتها برهان الدين البلخي الحنفي) تعود لعام ٥٣٦ للهجرة (١١٤١-١١٤٢ للميلاد).

٥. المدرسة الفاضليّة: نسبة للقاضي الفاضل وزير صلاح الدين (متهدّمة).

٦. المدرسة العزيزيّة (نسبة للعزيز عثمان ابن صلاح الدين) ولم يبق منها الشيء الكثير وإلى جوارها تربة مؤسّس السلالة الأيّوبيّة. 

 ٧. المدرسة التقويّة (نسبة للمظفّر تقيّ الدين عمر ابن أخ صلاح الدين. تحوّلت بقاياها إلى دور سكنيّة.

٨. المدرسة الرواحيّة (نسبة للقاضي ابن رواحة المتوفّي ٦٢٢ للهجرة (١٢٢٥-١٢٢٦ للميلاد): دارسة.

 ٩. المدرسة العادليّة الكبرى: بوشر في بنائها في عهد نور الدين وأنجزت بعد وفاة العادل الأيّوبي. أصبحت مقرّاً لمجمع اللغة العربيّة (الأكاديميّة العربيّة) قبل مائة عام.

١٠. الخانقاه الأندلسيّة: حوالي ٦٤٠ للهجرة (١٢٤٢-١٢٤٣ م) نسبة لأبي عبد الله محمّد بن يوسف الأندلسي. اندثرت.

١١. المدرسة الظاهريّة لا تحتاج لتعريف.

١٢. دار القرآن السنجاريّة نسبة للتاجر علاء الدين السنجاري المتوفّي ٧٣٥ للهجرة (١٣٣٤-١٣٣٥ م). ضائعة بين البيوت السكنيّة.

١٣. دار القرآن والحديث الصبابيّة نسبة لشمس الدين محمّد بن تقيّ الدين أحمد بن محمّد بن أبي العزّ بن الصّياب الحرّاني الدمشقي. تعود لعام ٧٣٨ للهجرة (١٣٣٧-١٣٣٨ م). احترقت في فتنة تيمورلنك عام ١٤٠١ ولا أثر لها اليوم.

١٤. المدرسة الإخنائيّة نسبة لقاضي القضاة شمس الدين الإخنائي وتعود لعام ٨٢٠ هجري (١٤١٧-١٤١٨ م). لا تزال قائمة.

١٥. الخانقاه الجقمقيّة: حاليّاً دور سكنيّة.

 ١٦. المدرسة الجقمقيّة: لها حديث مستقلّ.



أكرم حسن العلبي. خطط دمشق

Thursday, March 26, 2020

قبّة الساعات


المعلومات أدناه مأخوذة باختصار عن دراسة نشرها العالم الراحل عبد القادر ريحاوي في الحوليّات الأثريّة السوريّة ١٩٦٣ (المجلّد الثالث عشر).

تتواجد ثلاث قباب في صحن جامع بني أميّة الكبير ألا وهي:

الغربيّة أو بيت المال أو قبّة الخزنة. شيّدت في ولاية الفضل بن صالح (توفّي عام ٧٨٨ للميلاد) عامل الخليفة العبّاسي المهدي والكلام هنا للذهبي (توفّي ١٣٤٨) وابن تغري بردي (وفيّات ١٤٧٠) أسماها ابن كثير (وفيّات ١٣٧٣) وابن بطوطة (النصف الأوّل للقرن الرابع عشر) قبّة عائشة.

الوسطى أو الميضأة الحاوية على فوّار الماء وتعود لعام ٩٧٩ (ابن عساكر). ترك لنا ابن جبير الذي زار دمشق عام ١١٨٤ وصفاً دقيقاً لها ووصفها أيضاً ابن بطوطة. أطلق عليها العوامّ أيّام ابن كثير اسم قبّة أبي نواس. ما بقي منها في منتصف القرن الماضي عثمانيّ الأصل إذ تهدّمت خلال زلزال ١٧٥٩ وأعاد عثمان باشا الكرجي عمارتها في ١٧٦٩. لن أتعرّض لتاريخها في أواخر القرن العشرين.



القبّة الشرقيّة وهي بيت القصيد في منشور اليوم

المعروف منها قبل عام ١٩٥٨ المشيّد العثمانيّ الطراز المسمّى قبّة الساعات وتواجد على مدخلها لوح رخاميّ يؤرّخ البناء للعام ١٨١٨ وعهد السلطان محمود الثاني. 

انكشفت البنية الأصليّة لهذه القبّة مع أعمدتها البديعة (يقتصر الشبه بينها وبين الغربيّة على عدد الأعمدة) عندما تصدّعت جدرانها عام ١٩٥٨ وأترك وصفها "قبل" و"بعد" للصور الملحقة (الأقدم مأخوذة عن Wulzinger و Watzinger). ماذا عن تاريخها؟

أوّل من وصف هذه القبّة ابن جبير الأندلسي (لم يذكرها المقدسي الذي مات عام ٩٩٠ كما لم يذكر قبّة الفوّارة ومن المعروف أنّ المقدسي ترك لنا أقدم وصف للجامع الأموي) ونوّه ابن كثير أنّها بنيت في العهد العبيدي (أي الفاطمي) حوالي ١٠١٠ للميلاد. أسماها البدري (مواليد  ١٤٤٣-١٤٤٤ وصاحب "نزهة الأنام في محاسن الشام") قبّة عائشة!! ونقل عنه Creswell بينما ذكر Richard Pococke الذي زار المدينة عام ١٧٣٨ أنّها حوض للعمادة.

بعد استقراء المعطيات السابقة وغيرها خلص الريحاوي إلى أنّ القبّة كانت أصلاً مقصورة للجلوس وأصبحت مقرّاً لساعات الجامع اعتباراً من عام ١٨١٨ فدعيت منذ ذلك الوقت قبّة الساعات


Wednesday, March 25, 2020

ظاهر دمشق النوريّة



ظاهر المدينة هو جوارها خارج السور. فلنتعرّف عليه من خلال خريطة صلاح الدين المنجّد المبنيّة على وصف ابن عساكر في القرن الثاني عشر الميلادي مع الاستعانة بكتابيّ خطط دمشق للمنجّد وأكرم حسن العلبي.

فيما يتعلّق بفروع بردى لم تتغيّر أسماؤها خلال الثمانمائة سنة الأخيرة باستثناء باناس الذي أصبح بانياس وقينية (القنوات) ونهر القناة (المزّاوي) والمجدول الذي يدعى اليوم العقرباني.


إذا استعرضنا المنطقة شمال السور مباشرة نعاين من الشرق إلى الغرب المواضع التالية:


الصفوانيّة خارج باب توما وتعرف اليوم بالصوفانيّة.

المصّيصة: قرية كانت عامرة فخربت شرق بيت لهيا.

بيت لهيا (لربّما كان الاشتقاق من "بيت الآلهة") وهي توافق ساحة العبّاسييّن اليوم على وجه التقريب.

سطرا: قرية دارسة شمال وغرب بيت لهيا.

الأوزاع: شمال باب الفراديس أو باب العمارة وسميّت لاحقاً العقيبة.

مرج الأشعرييّن: مكان دار البطّيخ الجديدة (الرابط الثالث) وتحت القلعة.

إذا ابتعدنا قليلاً إلى الشمال والغرب باتّجاه تهر تورا:

بيت أبياتشرق الصالحيّة على الضفّة الجنوبيّة لقناة أو نهر تورا. حسب ابن عساكر فيها مسجد آدم.

مقرى: غرب بيت أبيات وجنوب شرق الصالحيّة شمال المزرعة حاليّاً. حسب ابن الأثير (توفّي ١٢٣٣) عاش فيها هابيل ورعى ماشيته.

نأتي الآن إلى غرب المدينة:

تدعى ضفّة بردى الشماليّة الشرف الأعلى والجنوبيّة الشرف الأدنى وبالمثل يقسم ثورا المنطقة شماله إلى النيرب الأعلى والنيرب الأدنى (وإلى الشرق على نفس المنوال السهم الأعلى والسهم الأدنى وهذا الأخير من الجسر الأبيض باتّجاه الشرق).

بين النهرين (لا تظهر بالاسم على الخريطة) أو الجزيرة هي ساحة المرجة أو ساحة الشهداء حاليّاً وأصبحت ساحة بعد أن غطّيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

أرزة: تعرف اليوم باسم الشهداء وهي على طريق الصالحيّة.

المنيبع: مكان جامعة دمشق أو القشلة الحميديّة.

الخلخال: قرب المنيبع وفيه مباني الجامعة الأحدث مع مشفى الغرباء والحلبوني.

دير مرّان: منطقة حديقة تشرين غربي المالكي حاليّاً.

كفرسوسيّة: جنوب غرب دمشق وهي بالطبع كفرسوسة اليوم.


إلى الجنوب نرى المصلّى (أو مصلّى العيدين حيث يقع جامع باب مصلّى حاليّاً) ومن ثمّ القطائع (تعرف اليوم بالقدم).

أدرج ضمن الروابط أدناه منشوراً عن ظاهر دمشق المملوكيّة مع الخارطة الموضوعة استناداً إلى كتاب وقفيّة الجامع الأموي من مطلع القرن الخامس عشر للمقارنة بين محيط المدينة في العهدين النوري والمملوكي (فرق حوالي ٢٥٠ سنة).












  

Tuesday, March 24, 2020

طبوغرافيا دمشق النوريّة


ندين للحافظ ابن عساكر (١١٠٥-١١٧٦ للميلاد) بأقدم سفر عن خطط (طبوغرافيا) دمشق لا يزال موجوداً إلى اليوم والفضل يعود للعالم الراحل الدكتور صلاح الدين المنجّد في تحقيقه ونشره عام ١٩٥٤ ليكون في متناول الهواة والأخصّائييّن على حدّ سواء. اعتمد المنجّد على مخطوطتين إحداهما في المكتبة الظاهريّة والثانية نسخة Cambridge وقام بسدّ الثغرات هنا وهناك بالمقارنة مع من نقل عن ابن عساكر (حرفيّاً في كثير من المواضع) كما في حالة ابن شدّاد (الأعلاق الخطيرة) وابن كثير (البداية والنهاية). استطاع المنجّد وضع خريطة مرجعيّة لدمشق كما كانت في القرن الثاني عشر الميلادي (عهد نور الدين خصوصاً) استناداً إلى معطيات ابن عساكر وتلاه العالم Nikita Elisséeff (١٩١٥-١٩٩٧) الذي ترجم عمل المنجّد إلى الفرنسيّة عام ١٩٥٩ وبذلك أصبحت هذه الدراسة التاريخيّة منذ ذلك الوقت مصدراً يستشهد فيه الباحثون المهتمّون في العالم أجمع.

من المفيد هنا الإشارة إلى أوّل من ألّف في خطط دمشق وهو سابق لابن عساكر بحوالي مائتيّ سنة. المعني هو القاضي الدمشقي أحمد ابن المعلّى (توفّي ٨٩٩-٩٠٠ للميلاد) ولم يصلنا عمله مع الأسف وإن نقل عنه ابن عساكر وابن جبير الأندلسي (زار هذا الأخير دمشق عام ١١٨٤). اعتمد ابن عساكر أيضاً على ما كتبه علي بن محمّد الربعي (توفّي ١٠٥٢-١٠٥٣) الذي كان رائداً في سرديّات فضائل الشام ودمشق. 

إذاً نقل ابن عساكر عن السلف بيد أنّ إنجازه تجاوز بكثير "النسخ واللصق". الرجل يعرف مدينته معرفة حميمة وقام بجولة ميدانيّة في أنحائها بداية من باب الجابية معدّداً ما شاهده بمنتهى المهنيّة والدقّة مع وصف مقتضب.

أبواب الكتاب الرئيسة هي الآتية (يمكن تحميل المجلّد بالكامل من الرابط الملحق):


- الجامع الأموي وقصّة بنائه في عهد الوليد.

- مساجد المدينة داخل السور (٢٤٢) وخارجه. 

- كنائس أهل الذمّة (خمسة عشر تشمل كنيسة يوحنّا التي أصبحت "الجامع المعمور" أي الأموي وكنيس يهودي والكنائس الخربة. 

- بعض الدور داخل سور المدينة.

- ما جاء في ذكر الأنهار والقني (السبل أو السبلان جمع سبيل) والحمّامات (منها حمّام  الشريف العقيقي أو الملك الظاهر اليوم وحمّام نور الدين في سوق القمح أو ما يدعى اليوم بالبزوريّة وحمّام سويد الذي بنيت كانه لاحقاً دار الحديث التنكزيّة التي تحوّلت بدورها للمدرسة الكامليّة في مطلع القرن الماضي). 

- مدائح دمشق.

- أبواب المدينة

- المقابر

زوّد المنجّد الكناب بمجموعة رائعة من الفهارس وأرفق أيضاً شرحاً لبعض المصطلحات لا غنى عنه لغير المحترفين فمثلاً عندما يصف ابن عساكر المسجد أنّه "سفل" فالمقصود أنّه على مستوى الأرض (بالمقابل هناك مساجد ينزل إليها بدرج وغيرها يصعد إليها بدرج أي "معلّقة").

أرفق ضمن الروابط الملحقة منشورات عن خطط دمشق المملوكيّة للمقارنة. 






Monday, March 23, 2020

ضريح سكينة بنت الحسين


ينتمي أقدم أضرحة مقبرة الباب الصغير في دمشق كما رأينا إلى فاطمة بنت أحمد بن الحسين بن السبطي والعهد الفاطمي. فلننظر اليوم إلى قبر سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب بعدسة المستشرقين المدقّقين Eustache de Lorey و Gaston Wiet. رابط المقال الفرنسي (عام ١٩٢١) أدناه لمن يريد التوسّع.

قبر سكينة مشغول من خشب الجوز بطول  ٢٦٥ وعرض  ١٥٠ وارتفاع ٧٤ عشير المتر وتقسم أوجهه إلى ثلاث مستويات الأعلى منها يحتوي على نقش كتابي لآية الكرسي القرآنيّة بأحرف صغيرة ممهور "بتوقيع" النحّات:

هذا عمل محمّد بن أحمد بن عبد الله رحمه الله

المستوى المتوسّط هو الأعرض ونشاهد عليه كتابة كوفيّة في منتهى الجمال والإتقان تبرز فوق زخارف نباتيّة غنيّة. غرفة الدفن شديدة الضيق وبالتالي استطاع الفرنسيّان تصوير الوجه الجنوبي المواجه للمدخل فقط وعليه البسملة. يحدّد نقش كتابيّ  على وجه آخر هويّة المتوفيّة كما يلي:

هذا قبر سكينة بنت الحسين...

المستوى السفلي تشغله زخارف نباتيّة.

هناك خلاف على الموضع الذي دفنت فيه سكينة:

ابن جبير (زار دمشق عام ١١٨٤)  ذكر أنّ تربتها موجود في مقبرة غرب المدينة.
ياقوت (مات  ١٢٢٩) ذكر قبرها جنوب الباب الصغير ولكنّه أكّد أنّها دفنت في المدينة.
ابن بطوطة (القرن الرابع عشر) أفاد أنّ ضريح سكينة موجود في قرية على بعد فرسخ جنوب دمشق.
ابن شاكر الكتبي (مات ١٣٦٣) ذكر مسجد وقبر سكينة في الباب الصغير.

يعطي كتاب الأغاني المزيد من المعلومات عن سكينة وأزواجها وفي كلّ الأحوال يشير عدد من المؤرّخين أنّها ماتت في المدينة وبالتالي "ضريحها" في دمشق عبارة عن مقام أو مشهد لا أكثر.

استنتج العالمان الفرنسيّان من خلال التدقيق في نمط الكتابة وخلفيّتها أنّها على الأرجح تعود لنهاية القرن الخامس الهجري أي نهاية القرن الحادي عشر للميلاد والعهد السلجوقي ويمكن اعتبار هذا التقدير أقدم تاريخ ممكن لهذا الأثر الثمين. 







Sunday, March 22, 2020

ضريح فاطمة في الباب الصغير: بقايا دمشق الفاطميّة


دام العهد الفاطمي في دمشق قرناً ونيّف (٩٦٩-١٠٧٦ للميلاد) ولم يترك لنا من الآثار الملموسة الشيء الكثير ومن هنا الأهميّة الخاصّة لضريح فاطمة وبالذات شاهد قبر هذا الضريح وهو أقدم شواهد القبور الباقية في دمشق على الإطلاق.      

أوّل من درس ووصف هذا الضريح العالمان الفرنسيّان Eustache de Lorey (مدير المعهد الفرنسي للآثار والفنون الإسلاميّة في عشرينات القرن الماضي) و Gaston Wiet في مقال نشرته مجلّة Syria عام ١٩٢١. 

استطلع المستشرقان مقبرة الباب الصغير وأثار فضولهما بناء ذو قبّتين يفترض أن يكون مدفناً لأم كلثوم وابنة أختها سكينة بنت الحسين. تواجد قرب هذا البناء قبّة أصغر قيل أنّها مثوى فاطمة الصغرى أخت سكينة. عمّرت هذه القبور الثلاثة عوضاً عن مشيّدات أقدم منها دمّرها زلزال أمّا المتكفّل بالبناء فمهندس عمارة شيعي من أصول إيرانيّة يدعى سيّد سليم مرتضى حرص على هذه الذخائر الثمينة كحدقة عينه كمزار أمّه الشيعة من كلّ حدب وصوب.

ارتأى de Lorey و Wiet أنّ قبر أم كلثوم مستحدث لا قيمة له من الناحية التاريخيّة وبالتالي تركّز اهتمامهما على قبريّ سكينة وفاطمة. فلنبدأ بالأقدم منهما ألا وهو قبر فاطمة.

يخلط الكثيرون بين هذه السيّدة وبين فاطمة الصغرى ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب (المفروض أنّها ماتت حوالي عام ٧٢٨ للميلاد) والسبب بسيط كون ساكف باب غرفة المدفن يشهد بذلك! ولكنّ الشاهدة تعطي دليلاً لا يقبل الدحض على أصلها الفاطمي كما سنرى.

تبلغ أبعاد الناووس الحجري  ٢٣٩ x  ٩٨ x  ٨٥ عشير المتر ونعاين على وجوهه الجنوبيّة والشماليّة والشرقيّة آية الكرسي القرآنيّة منقوشة بالخطّ الكوفي الكبير أمّا على الوجه الغربي (الصغير) فنرى أربعة أسطر من الكتابة المتوسّطة القياس بالكوفيّة نصّها الآتي:

هذا قبر فاطمة ابنة أحمد
بن الحسين بن السبطي توفّيت 
رضي الله عنها في رجب سنة
تسع وثلاثين وأربع مائة (*)

(*) الموافق كانون ثاني  ١٠٤٨ للميلاد.

لا يوجد أثر لهذه السيّدة في السجلّات التاريخيّة المكتوبة وإن أمكن التخمين من نعت "السبطي" أنّها سليلة عائلة من الأشراف.






Gérard Degeorge. Syrie. Art, Histoire, Architecture. Hermann, éditeurs des sciences et des arts 1983



Saturday, March 21, 2020

حدائق دمشق


العاصمة السوريّة اليوم بحاجة ماسّة إلى المساحات الخضراء بعد أن ابتلعت الأحياء السكنيّة الحديثة غوطتها في خطوات بدأت وئيدة وتسارعت اعتباراً من منتصف القرن العشرين حتّى أتت عليها أو كادت.  

لا أدلّ على فقر دمشق بالحدائق من مشهد "شمّ الهواء" على العشب في وحول ساحة الأموييّن الذي أذكره من مطلع الثمانينات على الأقلّ إذ تتجمّع العائلات مع الزوّادة وعدّة الشاي "للسيران" وسط ضجيج ودخان السيّارات. حشيش الزينة أصبح حديقة من لا حديقة له والأرصفة كراج من ليس لدية مرآب لسيّارته (الغالبيّة الساحقة من مالكيّ السيّارات). واكب هذا التكاثر للاصطفاف العشوائي والمنتزهات العشوائيّة نموّ وانتشار الأحياء العشوائيّة والأبنيّة المخالفة للقواعد الجماليّة والصحيّة. 

هذا لا يعني أنّ دمشق الحديثة خالية من الحدائق فلدينا على سبيل المثال حديقة زنّوبيا (أو السبكي: الصورة الملحقة من دليل دمشق عام  ١٩٤٩) والجلاء (على شارع شكري القوّتلي) والتجارة والمعرّي (الروضة) والأرسوزي (خلف البنك المركزي) والبيئيّة (شمال القلعة) والجاحظ وتشرين وغيرها ولكنّها في أحسن الأحوال بدائل هزيلة للغوطة الشاسعة التي قامت هذه الحدائق مع الأبنية المحيطة بها على أنقاضها. 

تمتّع الدمشقيّ تاريخيّاً ببساتين على مدّ البصر ومقاه على بردى وفروعه وإمكانيّة التنقّل في وادي بردى (من منّا ينسى مشوار قطار الزبداني العتيق؟). أضف إلى هذا وذاك صحن بيته مع تعريشته وبحرته ونافورته والأزهار والأشجار المثمرة حولها. بالمقابل للبيوت الحديثة حدائق صغيرة تحيطها يقتصر الانتفاع بها عادة على المستوى الأرضي في بناء منعدّد الطوابق والشقق. 



لدمشق القديمة وضع خاصّ فهي -باستثناء حدائق البيوت المركزيّة- خالية عمليّاً من الجنائن وينطبق هذا بالذات على المدينة داخل السور التي بدت مهدّدة في منتصف القرن العشرين لعدّة أسباب من أهمّها نزوح سكّانها عنها إلى الضواحي العصريّة وأكلاف صيانة البيوت التاريخيّة. 

قام الباحث J Witmer بدراسة هذا الوضع وأدلى بعدّة مقترحات تتعلّق بتنظيم المدينة في مقال نشرته الحوليّات الأثريّة السوريّة عام ١٩٦١-١٩٦٢ عرّبه عن الفرنسيّة الدكتور عبد القادر ريحاوي. زبدة هذه المقترحات هي التالية:

أوّلاً: الدعوة إلى إنقاذ البيوت التقليديّة بتحويلها إلى فنادق ومطاعم (طبّقت هذه النصيحة بخطى متسارعة اعتباراً من تسعينات القرن الماضي).  

ثانياً: نهى التقرير عن عزل الأوابد وإحاطتها بساحات ممّا يستلزم تدمير النسيج العمراني المحيط بها وأوصى بالاقتصار على تحسين المنافذ المؤدّية لها (لم يؤخذ بهذه النصيحة في حالة الساحة أمام باب البريد التي استحدثت في الثمانينات).

ثالثاً: المكان الوحيد الصالح لحديقة داخل سور المدينة هو القلعة وتتطلّب خطوة من هذا النوع نقل السجن منها. يمكن استعمال أبنيتها كمتحف ومكتبة ومطعم إلى آخره.

رابعاً: للأبراج السكنيّة حسناتها وسيّئاتها ويتطلّب التوسّع الشاقولي (أي زيادة عدد الطوابق) تأمين كراجات للسيّارات وزيادة الأماكن الحرّة والحدائق العامّة والخدمات عموماً (أسواق ومدارس وغيرها).






Witmer J.  Études sur l’amenagement de la ville ancienne de Damas par l’assainissement de l’existant. Annales Archéologiques de Syrie 11-12, 1961-1962. 

Friday, March 20, 2020

توسّع دمشق تحت الانتداب الفرنسي‎


الصورتان الملحقتان مأخوذتان من دليل دمشق للعام ١٩٤٩ أحدهما لمدخل الشعلان من الغرب إلى الشرق والثانية لشارع البرلمان. الأسطر التالية تعريب عن الصفحة ١٧٥-١٧٦ لكتاب دمشق من العثمانييّن إلى اليوم الصادر عام ١٩٩٤ لمؤلّفه مهندس العمارة والفنّان والمؤرّخ الفرنسي Gérard Degeorge.  

رأت مدينة جديدة بكلّ معنى الكلمة النور كما حدث في العصر الهلنستي. قامت هذه المدينة الحديثة التي لا تمتّ بصلة إلى التقاليد المحليّة إلى جانب القديمة وتمّ شقّ طرق عريضة مستقيمة وشوارع زرعت على جانبيها الأشجار وأبنية "سكنيّة" من أربع إلى خمس طوابق متشابهة إلى درجة محزنة تتمتّع بشرف (بلكونات) وتحيطها حدائق صغيرة خاصّة.

حلّ مركز جديد للمدينة محلّ ساحة المرجة يجمع الخدمات الإداريّة والمصارف والماليّة والبريد والأركان الإقليميّة ومجلس الحرب والشرطة والمشفى العسكري والفنادق والمدارس والكنائس كما في كنيسة القدّيس أنطوان البادوي Saint-Antoine de Padoue التي بنيت عام  ١٩٢٦ ومن ثمّ المجلس النيابي السوري الذي بدأ العمار فيه عام  ١٩٣٢.



تطوّرت أحياء إضافيّة بسرعة كما في المهاجرين بعد أن ربطه خطّ الترام مع مركز المدينة عبر طريق الصالحيّة ويستحقّ حيّ القصّاع شمال شرق المدينة خارج السور ذكراً خاصّاً بعد أن تسارع نموّه عقب شقّ شارع بغداد عام  ١٩٢٦ إذ أمّته عدّة موجات من اللاجئين منهم مسيحيّون أتوا من الميدان فراراً من القصف عام ١٩٢٦-١٩٢٧ ومنهم أرمن ويونان نزحوا من تركيّا: الأرمن هرباً من المجازر واليونان من الحرب التي واجهوا فيها القوّات الكماليّة.

تعيّن لتلبية احتياجات هذا التزايد في السكّان إنشاء شبكة جديدة لتزويد المدينة بالمياه التي تمّ جرّها من عين الفيجة بواسطة قناة طولها ثمانية عشر كيلومتراً دخلت الخدمة عام ١٩٣٢. 





Gérard Degeorge. Damas: Des Ottomans à nos jours 1994.