Sunday, August 19, 2018

قصّة مدينتين



القدس ودمشق

ترك لنا الرحّالة الآثاري Victor Guérin كتاباً ضخماً بعنوان "الديار المقدّسة" نُشِرَ على جزأين عاميّ ١٨٨٢ و ١٨٨٤، دوّن قيه معالمَ الشرقِ الأدنى التاريخيّة من تدمر والساحل السوري شمالاً وشرقاً إلى مصر والنوبة جنوباً وغرباً. استندت كتاباتُ المؤلِّفِ بالدرجةِ الأولى على معلوماتٍ جمعها ميدانيّاً خلال زياراتٍ متعدِّدَةٍ للمنطقة اعتباراً من عام ١٨٥٢، حاول التوفيق بينها وبين النصوص التاريخيّة والدينيّة، مع تركيزٍ خاصّ على هذه الأخيرة كما لنا أن نتوقّع من كاثوليكي شديد التديّن في القرن التاسع عشر. 

لا تقتصرُ خلفيّةُ Guérin على الجانب الديني؛ الرَجُلُ أيضاً فرنسيٌّ غيّور، وأوروپّي حتّى النخاع، لم يُخْفِ، على إعجابِهِ ببعض الآثار الشرقيّة، ازدرائَهُ بينَ حينٍ وآخر للعمارةِ الإسلاميّة أو العربيّة إذا شئنا، كما هو واضِحٌ في تشكيكِهِ المستمرّ إزاءَ صرحٍ متقن البنيان، بكون العمارةِ محليّة الإلهام والتنفيذ، اللهمّ إلّا إذا سَبَقَت الإسلام. فسيفساءُ الأموي مثلاً بيزنطيّةٌ، وقلعةُ دمشق رومانيّةٌ أو حتّى سابقةً للرومان وهلمّجرّا. لا بدّ أن يؤدّي تحيّزٌ من هذا النوع إلى الوقوع في الكثير من الأخطاء التاريخيّة، خاصّة وأنّ المؤلّف تعامَلَ مع معطياتِ الكتاب المقدّس بعهديهِ القديم والجديد كحقائق لا يرقى إليها الشكّ، ولسانُ حالِهِ أنّه ليس من المعقول أن تكون السيرة التي اتّفق عليها كلُّ الناس منذ آلاف السنين مغلوطةً. يترتّبُ على ذلك أنّ مهمّةَ الباحث المدقّق تكمُنُ في إثبات ما يمكن إثباتُهُ منها والقبول بالباقي كمسلّماتٍ إلى أن يأتي من يستطيع توكيدَها. 

كلّ هذا لا يقلّلُ من قيمةِ الكتاب ولا من الجهدِ الهائل المبذول في جمع معلوماته عَبْرَ سنواتٍ من الترحال على متون الدوابّ، وَصَفَ فيها Guérin العمائرَ المختلفة وأبْعادَها وحالَتَها من الصيانةِ أو الإهمال وتاريخَها (١)؛ أضف إلى ذلك مئاتٍ من اللوحات البديعة التي لا تقدّر بثمن، تسْتَشْهِدُ بها الأبحاثُ والدراساتُ إلى اليوم. 

بَلَغَ عددُ سكّانِ القدس وقتها ٢٣٠٠٠ ليس غير (٧٥٠٠ مسلم و ١٠٠٠٠ يهودي والباقي مسيحيّون أكثرهم روم أورثوذوكس أو من أسماهم المؤلّف مَعَ جرعةٍ لا بأس بها من الفوقيّة "بالمنشقّين" schismatiques)، أمّا دمشق فقد ناهَزَ العددُ فيها آنذاك ١٣٠٠٠٠ نسمة (١٠٠٠٠ مسيحي و ٦٠٠٠ يهودي والباقي مسلمون). سكّانُ دمشق إذاً ٥ إلى ٦ أضعاف جيرانِهِم في  القدس ومع ذلك خصّص الكاتب لدمشق ٤٠ صفحة فقط (٢) مقابل ١٥٠ للقدس؛ هذا متوقّعٌ على اعتبار أنّ القدس من الناحية الدينيّة لليهود والمسيحييّن والمسلمين كانت ولا تزال أرفع مكانةً من دمشق. 

لا يمكنُ مع ذلك إنكار أهميّة دمشق الدينيّة. ارتبَطَت عاصمةُ الشام مع سيرة القدّيس بولس، وجامعها الأموي أحد أقدم وأبهى أوابد الإسلام، ناهيك عن تاريخِهِ الطويل من الآرامييّن مرورراً بالرومان والبيزنطييّن، بيدَ أنّ رصيد بيت المقدس بداية من هيكل سليمان الأسطوري (٣) ومروراً بدرب آلام يسوع الناصري ونهاية بالإسراء والمعراج أكبر بكثير، والنزاع الديني على القدس قديمٌ قِدَم الحروب الصليبيّة ولا يزال مستمرّاً في القرن الحادي والعشرين. 

لن أتعرّض لما رواه المؤلّف عن القدس وأترك وَصْفَها لأهلِها وخُبَرائِها. أقْتَصِرُ في الأسابيع المقبلة على وصفِ دمشق من خلال صور الكتاب، محاوِلاً قدر المُسْتَطاع تعريب كتاباتِ Guérin عنها دون تجميلٍ أو تعديل، مع إيراد النصّ الفرنسي لمن يفضّل الرجوع إليه (٤). سأتركُ أخطاءَ النصّ الأصلي كما هي مهما بلغت في غلوائِها، مع التصحيح في الهوامش والحواشي حسب الحاجة. 

عنوان اللوحة المُلْحَقَة من القدس "شارع باب دمشق".  

للحديث بقيّة. 

____________

١. المؤلِّفَ ذو إلمامٍ معقول بالمصادر الإسلاميّة. 
٢. إجمالي الكتاب بجزأيه ١٠٠٠ صفحة. 
٣. لنا هنا أن نستعمل كلمة "أسطوري" بمعناها الحقيقي أو المجازي حسب السياق. 
٤. بإمكانِ المهتمّين تحميل الكتاب بالكامل على الرابطين أدناه بالمجّان. 

____________


No comments:

Post a Comment