Saturday, January 18, 2020

دور البطّيخ في دمشق


معظم المعلومات أدناه مأخوذة بتصرّف عن الدكتور صلاح الدين المنجّد مع لمسات من الأستاذ خالد معاذ والدكتور سليم عبد الحقّ والعالم الفرنسي Gérard Degeorge (ثبت المراجع أدناه مع الروابط إذا وجدت). 

عنت التسمية في البداية مكان بيع البطّيخ ثمّ توسّعت لتشمل بيع الفواكه بأشكالها وبالطبع لم تقتصر هكذا دور على دمشق. ذكر الأستاذ حبيب الزيّات دور البطّيخ الشاميّة ولكنّه عجز عن تحديد مواقعها والفضل في هذه المأثرة يعود للمنجّد ومديريّة الآثار. 

أقدم دور بطّيخ دمشق هي دار البطّيخ العتيقة المذكورة في ابن عساكر (توفّي ١١٧٦ للميلاد) عندما تكلّم عن "قناة الثلّاج" (أي سبيل الثلّاج) "عند باب دار البطّيخ". زقاق الثلّاج المعاصر يكافىء درب الثلّاج القديم مقابل الكنيسة المريميّة والذي يقود إلى حيّ اليهود. تواجد سبيل في رأس هذا الزقاق هدم عندما جرى توسيع الدرب في تشرين ثاني ١٩٤٥ وجرى وقتها سبر تحته أظهر قنطرة arcade رومانيّة ضخمة مسدودة استخدمت قديماً ظهراً لهذا السبيل وظهرت أيضاً آثار قنطرة شماليّة أصغر منها وكلّ هذا على عمق تجاوز الأربعة أمتار تحت مستوى الشارع  قرب طالع الفضّة  على بعد ٥١٨ متر غرب الباب الشرقي. يضيف المنجّد -نقلاً عن Sauvaire- أنّ ابن شاكر الكتبي (مؤلّف عيون التواريخ توفّي ١٣٦٣ للميلاد)  ذكر ثلاث قناطر-أقواس سدّت الوسطى منها أي الحاوية على قناة الثلّاج. رفعت القوس إلى مستوى الأرض الحالي مع حلول عام ١٩٥٠. 

تغيّر موقع دار البطّيخ لاحقاً فأصبح خارج سور المدينة في محلّة تحت القلعة ويمكن تحديد موقعها بدقّة بفضل نصّ أبي شامة (صاحب كتاب الروضتين توفّي عام ١٢٦٧) الذي حدّد تربة معين الدين أنر "بمقابر العوينة شمالي دار البطّيخ الآن". العوينة ما دعي سوق ساروجا لاحقاً أمّا عن تربة أو قبّة أنر (لنا عودة إليها) فقد كشفت عام  ١٩٤٦ وهي ملاصقة للمدرسة الشاميّة البرّانيّة من الجنوب. 

إذاً دار البطّيخ العتيقة كانت في الشارع المستقيم والدار الجديدة تحت القلعة. 









Gérard DegeorgeDamas: Des origines aux Mamluks

Friday, January 17, 2020

المدرسة العزيّة البرّانيّة


الصورة عن المنجّد وتعود لعام ١٩٤٩ أو قبل بعد ترميمها والمعلومات أدناه مأخوذة من المنجّد والعلبي

الموقع في الشرف الأعلى (ضفّة بردى الشماليّة) مقابل ثانويّة التجهيز أو جودت الهاشمي حاليّاً وما تبقّى من المدرسة اليوم هو التربة الواقعة في الزاوية الجنوبيّة الغربيّة والمحتوية على قلادة منقوشة من الجصّ النادر.

عاين بدران (منادمة الأطلال ومسامرة الخيال) آثارها عام  ١٩١٠ عندما حذّر أنّها كانت على وشك الأنهيار منوّهاً بوجود قبّة عظيمة بمساحة خمسين متراً يتوسّطها قبر الواقف.

أدرجها العلبي ضمن المدارس الحنفيّة أمّا عن بانيها فهو الأمير عزّ الدين الأستدار أيبك المعظّمي صاحب صرخد عام ١٢٢٤-١٢٢٥ للميلاد. كان أيبك من مماليك المعظّم عيسى الأيّوبي (ابن الملك العادل) وكان مقرّباً إلى هذا الأخير ودامت حظوته حتّى عهد الصالح أيّوب الذي غضب عليه فانسحب إلى صرخد ومات فيها لينقل بعد وفاته إلى تربته ودفن فيها لاحقاً ابنه العاقّ مظفّر الدين ابراهيم الذي وشى به لدى الملك الصالح. 

يحدّد ابن خلّكان وفاة أيبك في جمادى الأولى  ٦٤٦ للهجرة (١٢٤٨ للميلاد) في موضع اعتقاله بدار الطواشي صوب القاهرة ويقول أنّه دفن بعدها خارج باب النصر حيث حضر ابن خلّكان الصلاة عليه وإيداع جثمانه الثرى لينقل بعدها إلى مدرسته المذكورة.

خلاصة الكلام اندثرت المدرسة باستثناء التربة.

الرسم أدناه عن Sauvaget.





أكرم حسن العلبي. خطط دمشق


Thursday, January 16, 2020

قبّة المسجف‎


تعرّفت على هذه القبّة للمرّة الأولى من خطط دمشق للدكتور صلاح الدين المنجّد ويبدوا أنّ معظم المؤلّفين تجاهلوها وإن ذكرت باختصار في ابن كثير "البداية والنهاية" وغيره (المراجع أدناه). الأسطر التالية منقولة كما هي عن المنجّد باستثناء تحويل التواريخ الهجريّة لميلاديّة للتبسيط.

الموقع شرق المزّة وشمال كفرسوسة والبناء مربّع فوقه قبّة وهو مفتوح من الشرق والغرب والشمال بينما الجهة الجنوبيّة مسدودة وفيها محراب وفوقه آية "إنّما يعمّر مساجد الله..." وشمال هذه القبّة يقع قبر المسجف وهو الزكي أبو القاسم ابن غنايم العسقلاني المعروف بالمسجف المتوفّي سنة ٦١٥ (١٢١٨-١٢١٩ للميلاد) وجدّد عمارة التربة ولده بدر الدين عبد الرحمن سنة  ٦١٧ (١٢٢٠-١٢٢١ م) ودفن بها عند وفاته  ٦٣٥ (١٢٣٧-١٢٣٨ م). 

القبّة تشبه قبّة ابن المقدّم وقبّة النصر (لا علم لي بصور عن كثب لقبّة النصر على قاسيون ومن المعروف أنّها دمّرت عام ١٩٤١ وعلّ ما يقصده المنجّد قبّة السيّار).  

المراجع كما أثبتها المنجّد:

ابن عبد الهادي: ثمار المقاصد.
ابن طولون: العزّة فيما قيل في المزّة.
العلموي: مختصر الدارس.

الصورة عام ١٩٤٩ أو قبل والقبّة لا تزال موجودة مع جزيل الشكر للدكتور عبد الرزّاق معاذ والأستاذ هشام تللّو. 




صلاح الدين المنجّد. خطط دمشق 

Wednesday, January 15, 2020

المدرسة العمريّة الكبرى


الصورة أعلاه لرواق المدرسة عن المنجّد أمّا المعلومات التالية فهي اختزال عن العلبي الذي خصّص لها سبعة صفحات. الخارطة مأخوذة من Wulzinger و Watzinger.

العمريّة أوّل مدرسة أسّست في الصالحيّة عام ١٢٠٦ للميلاد (حسب المنجّد بينما يرجعها العلبي لعام ١١٦٠) على يد أبي عمر محمّد بن أحمد بن محمّد بن قدامة من مواليد فلسطين وكانت في أيّام عزّها أكبر مدارس دمشق على الإطلاق إن لم تكن أكبر مدارس العالم الإسلامي.  

بنيت العمريّة على نهر يزيد وجرى توسيعها باتّجاه الشرق عام  ١٣٦٧-١٣٦٨ وأضيف توسيع ثانٍ في عهد الأمير محمّد بن منجك ١٤١٢-١٤١٣ تلاها توسيع ثالث بعد ثلاثين عاماً فرابع لتصبح في النتيجة مؤلّفة من ثلاث طبقات وثلاثمائة وستّين حجرة مع مرافقها. في البداية كانت المدرسة حنبليّة وبقيت كذلك لفترة طويلة بفضل غيرة القيّمين عليها إلى درجة أنّه عندما أراد البعض إدخال المذهب الشافعي إليها (حوالي ١٣٢٣) اعترض الحنابلة بشدّة وهدّدوا بالمطالبة بإدخال مذهبهم إلى المدرسة الشاميّة (معقل الشافعييّن بينما كانت النوريّة الكبرى أهمّ مدارس الحنفيّة). بالنتيجة تمّ فتح العمريّة لسائر المذاهب وألقى شيخ شافعيّ أوّل درس فيها ١٤٤٣-١٤٤٤. جنت المدرسة فوائد جمّةً من هذا الانفتاح إذ تدفّقت الأوقاف عليها من كلّ حدب وصوب لتصبح من أغنى مدارس دمشق. 

دخلت المدرسة في عهد انحطاط في نهاية حكم المماليك وزاد تدهورها تحت العثمانييّن عندما برز المذهب الحنفي على حساب بقيّة المذاهب الفقهيّة. اختلست أوقاف العمريّة واتّخذها البعض سكناً عبر السنوات. زارها Wulzinger و Watzinger عام  ١٩١٧ وكانت وقتها حسب وصفهما آيلة للتداعي ومهجورة باستثناء عائلة زنجيّة ونفر من المرضى والمتسوّلين. رمّم الفرنسي Michel Écochard أقساماً منها عام  ١٩٤١ وتلاه فخري البارودي بعد ثلاث سنوات عندما جمع لها تبرّعات ورمّم اثنين وعشرين من غرفها ليجعلها سكناً للأحداث والمشرّدين ثمّ سكنها بعض النازحين من لواء اسكندرون. 

كانت مكتبة العمريّة من أعظم مكتبات مدارس دمشق ومع الأسف سرق من أسفارها الكثير إلى أن أمر الوالي مدحت باشا بجمع ما تبقّى و نقله إلى المكتبة الظاهريّة.

زار العلبي العمريّة عام  ١٩٨٩ ووجدها "لا أنيس بها ولا جليس ولا طالب علم بابها مفتوح وهي مستودع للقمامة ومرتع للكلاب كأنّ أحداً لم يسمع بها وكأنّها لم تكن في يوم من الأيّام أكبر مدرسة في العالم الإسلامي".

باشرت الحكومة السوريّة عام ٢٠١٠ مشروعاً لترميم البناء ولا أعلم ما وضعها اليوم.   





أكرم حسن العلبي. خطط دمشق



Wulzinger & WatzingerDamaskus: Die Islamische Stadt 1924.

Toru Miura. Dynamism in the Urban Society of Damascus 2015.

Tuesday, January 14, 2020

طبوغرافيا دمشق


خطّ ابن عساكر (١١٠٦-١٠٧٦ للميلاد) أقدم كتاب طبوغرافي وصلنا عن دمشق وبناءً على سرده الدقيق صمّم Nikita Elisséeff  (١٩١٥-١٩٩٧) خارطة للمدينة كما كانت في القرن الثاني عشر. ألّف ابن عساكر بالدرجة الأولى تراجم ومع ذلك كان رائداً في "الخطط" أي الطبوغرافيا نقل منه وأضاف إليه فيما بعد ابن شدّاد والنعيمي والعلموي وغيرهم بدرجات متفاوتة من النجاح ولربّما كانت القاهرة أوفر حظاً في خطط المقريزي (١٣٦٤-١٤٤٢). 

مع حاول القرن العشرين أصبح لدى الباحثين كمّ لا بأس يه من المعلومات المأخوذة من المخطوطات التاريخيّة المتناثرة بين الشرق والغرب أضيف إليها دراسات معاصرة قام بها أخصّائيّون على أرض الواقع بداية بالرحّالة المستشرقين مروراً بعلماء الغرب ووصولاً إلى الخبرات المحليّة النامية.  

لدينا ثلاث كتب لسورييّن من القرن العشرين عن طبوغرافيا دمشق ألا وهي:

خطط الشام صدر في منتصف العشرينات بقلم محمّد كرد علي مؤسّس مجمع اللغة العربيّة أو الأكاديميّة العربيّة. العمل في غاية الطموح ولكنّه ليس أكثر ما نشر دقّةً وانتقده أكثر من مصدر لاحقاً ومنهم عبد العزيز العظمة صاحب مرآة الشام (طبع للمرّة الأولى عام ١٩٨٧ بعد عشرات السنوات من وفاة مؤلّفه).  

خطط دمشق للدكتور صلاح الدين المنجّد صدر عام  ١٩٤٩ عن المطبعة الكاثوليكيّة في بيروت وهو عمل مهنيّ موثّق مع ثبت غنيّ للمراجع العربيّة والأجنبيّة. غطّى المنجّد أنهار دمشق (من أفضل فصول الكتاب) وأنيتها الأثريّة المسجّلة وعدداً لا بأس به من تربها وجوامعها وحمّاماتها ومدارسها ولكنّه إجمالاً لا يتعرّض للأوابد المملوكيّة ولا العثمانيّة.

خطط دمشق للعالم المدقّق أكرم حسن العلبي. صدر عام ١٩٨٩ أي بعد أربعين عاماً من خطط المنجّد وهو أغنى من هذا الأخير بالتفاصيل والصور ويغطّي فترة زمنيّة أطول تشمل ليس فقط العمائر المملوكيّة والعثمانيّة وإنّما أيضاً الكثير من مشيّدات عهد الاستقلال. العلبي يقتصر على الأوابد الدينيّة لدمشق العثمانيّة ولا يتعرّض للترب (ما لم تكن ملحقة بمدارس أو دور عبادة) ولا للقصور والأبواب والدور. العلبي قليل الثقة بخطط كرد علي و"الأعلاق الخطيرة" لابن شدّاد وعبد الباسط العلموي (مؤلّف مختصر تنبيه الطالب) ولا يستشهد بهؤلاء إلّا ليبيّن أين جانبهم الصواب أو اللهمّ إلّا إذا كانوا المصدر الوحيد لمعلومة ما. يشدّد العلبي أنّ كتابه تاريخي وطبوغرافي أوّلاً وأخيراً وبالتالي فهو -على عكس الأعمال الرائدة للفرنسي Sauvaget أو الألمانييّن Wulzinger و Watzinger لا يتعرّض للنواحي الهندسيّة العماريّة إلّا فيما ندر وضمن أضيق الحدود. أخيراً العمل دراسة لدمشق الإسلاميّة حصراً ويتبع منهج النعيمي (صاحب الدارس في تاريخ المدارس). 

إذاً تغطية كرد علي هي الأوسع (ستّة مجلّدات من التاريخ والسياسة والاقتصاد والزراعة والدين والطبوغرافيا وهلمّجرّا) والأقلّ دقّة بينما المنجّد يقتصر على الجغرافيا والطبوغرافيا ويغطّي آثاراً متعدّدة ولكنّه يتوقّف مع بعض الاستثناءات في العهد الأيّوبي أمّا العلبي فهو يغطّي تاريخ دمشق منذ الفتح الإسلامي (مع التحفّظ أنّ ما تبقّى من الأوابد السابقة للعهد الأتابكي يكاد لا يذكر باستثناء حامع بني أميّة) وحتّى النصف الثاني للقرن العشرين وهو الأغنى بالتفاصيل وإن ضرب صفحاً عن العديد من فئات العمائر.   

الصورة أعلاه لسور دمشق الحنوبي قبيل باب كيسان عن المنجّد. 



أكرم حسن العلبي. خطط دمشق




Monday, January 13, 2020

والي دمشق محمّد راشد باشا‎


لا بدّ من توخّي الحذر لدى الاستشهاد بأي مرجع محليّاً كان أم أجنبيّاً فهو في نهاية المطاف يعكس وجهة نظره كاتبه وليس بالضرورة الحقيقة المطلقة ولربّما كان الشرقيّ أميل لا شعوريّاً إلى تبنّي ما قاله المستشرقون عن بلاده إذا اتّفق مع وجهة نظره ورفضه تماماً إذا خالفها. الأمثلة كثيرة وعلّ الأمريكي Mark Twain أحد أشهرها في كتابه "الأبرياء في الخارج" الذي نشر عام ١٨٦٩ (أي نفس العام الذي نشر فيه الاسكتلندي John MacGregor  كتاب "Rob Roy على نهر الأردنّ). يحلوا لمحبّي دمشق الاستشهاد بالعبارة التالية في كتاب Twain التي يختارونها بمنتهى العناية ويضربون صفحاً عمّا لا يعجبهم:

Go back as far as you will into the vague past, there was always a Damascus. In the writings of every century for more than four thousand years, its name has been mentioned and its praises sung. To Damascus, years are only moments, decades are only flitting trifles of time. She measures time, not by days and months and years, but by the empires she has seen rise, and prosper and crumble to ruin. She is a type of immortality.   


"دمشق موجودة أبداً مهما توغّلت قدماً في الماضي. اسمها مذكور في كتابات كلّ قرن عبر أربعة آلاف سنة غنّيت مدائحها خلالها. السنين لحظات بالنسبة لدمشق والعقود هنيهات من الزمن. لا تقيس دمشق الوقت بالأيّام والأشهر والسنوات بل بالإمبراطوريّات التي شهدت صعودها وازدهارها وانهيارها. دمشق شكل من أشكال الخلود". 

جميل جدّاً. فلنر الآن ما كتبه نفس المؤلّف في نفس الكتاب عن نفس المدينة:

 If I were to go to Damascus again, I would camp on Mahomet's hill about a week, and then go away. There is no need to go inside the walls. The Prophet was wise without knowing it when he decided not to go down into the paradise of Damascus.  

 It is so crooked and cramped and dirty that one can not realize that he is in the splendid city he saw from the hill-top. 

 The Damascenes are the ugliest, wickedest looking villains we have seen.


"إذا قدّر لي زيارة دمشق مجدّداّ فسأخيّم حوالي الأسبوع على نفس التلّ الذي وقف عليه محمّد ثمّ أعود من حيث أتيت إذ لا لزوم للولوج إلى داخل الأسوار وكان النبيّ -دون أن يعرف ذلك- محقّاً عندما قرّر عدم دخول جنّة دمشق...أزقّة دمشق متلويّة والبلد مزدحمة وقذرة إلى درجة أنّ المرء يعجز عن إدراك أنّها نفس المدينة الرائعة التي رآها من قمّة التلّ....الدمشقيّون أبشع وأخبث الأشرار الذين شاهدناهم في حياتنا"... إلى آخره إلى آخره...

تولّى محمّد راشد باشا دمشق (أو ولاية سوريا إذا شئنا) ١٨٦٦-١٨٧١ وهي فترة طويلة بالمقارنة مع غيره من الحكّام مع استثناء البعض من آل العظم وأمثال حسين ناظم باشا. استعرت الصورة من الويكيبيديا وهناك مقال مفصّل عن راشد باشا بالإنجليزيّة للمهتمّين. للرجل عدد لا بأس يه من الإنجازات علّ أهمّها في مدينة دمشق تخطيط ساحة المرجة عام ١٨٦٦ التي تطوّرت لتصبح مركز المدينة في أواخر العهد العثماني.

ودّع MacGregor دمشق في الأوّل من كانون الثاني يناير ١٨٦٩ والأسطر التالية تعريب عن الصفحتين ١٨٢-١٨٣ من كتابه دون أدنى محاولة لتلطيف ما قاله فما يهمّنا ليس رأيه حسناً كان أم سيّئاً بل ما اكتشفه وتوصّل إليه بمثابرة وهمّة لا نملك إلّا احترامها والإعجاب بها.

أتى الباشا مجدّداً مع حاشيته لرؤية زورق Rob Roy. استطعنا تبادل الحديث نظراً لكونه يتكلّم الفرنسيّة ووجّه إليّ عدّة أسئلة في صميم الموضوع. الباشا رجل ذكي ولطيف وهو ماسوني ملتزم يرتدي ثياباً نصف أوروبيّة كحلّ وسط غير موفّق بين نوعين من الأردية أحدهما شرقيّ فضفاض ومتهدّل يتألّق بأناقة ولكنّه عديم القيمة إذا تطلّب الموقف عملاً ما وغير مناسب تحت المطر والثاني غربي باهت اللون ولكنّه موائم تماماً للجهد العضلي وفي حال التعرّض للشمس والعواصف.  

لم يصف أحد على حدّ علمي حتّى اليوم دمشق كما ينبغي وعلّ السبب أنّ الرحّالة اللبيب يملك ما يكفي من حدّة الذهن والمحاكمة ليرسم صورتها بكلماته مدركاً أنّ جمالها عبارة عن مخاتلة تمليها العواطف. عبثاً يحاول المرء أن يشعر بإعجاب لا يوجد في هيئة المكان ما يدعوا إليه. لربّما كانت دمشق الأقدم من المدن ولكنّها بالتأكيد الأقذر عندما تمطر السماء. لربّما كانت غنيّة ولكن جدرانها الطينيّة -وهي كلّ ما يراه العابر- لا تظهر هذا الغنى. دمشق مخيّبة للآمال ويعود جمالها بالدرجة الأولى إلى موقعها ولكن بمجرّد الدخول إليها يتعذّر عليك أن تدرك خلال سيرك في أزقّتها الوسخة بين جدرانها المتداعية وحوانيتها الكئيبة وعبر أسواقها المتعرّجة أنّ ظاهرها بساتين غنّاء وينابيع متدفّقة وحدائق كثيفة وتلال مجيدة. غادرت دمشق للمرّة الرابعة غير مأسوف عليها. 



  





Mark Twain. Innocents Abroad

Stefan Weber. Ottoman Modernity and Urban Transformation 1808-1918. Proceedings of the Danish Institute in Damascus V 2009. 

Sunday, January 12, 2020

Hermon and Plain of the Pharphar


Let us rest a bit in our tent this fine evening to collect our memoranda from the note-book hurriedly penciled. Yet it is not easy to withdraw the eye from the beautiful picture before us, framed by the curtains of our canvas boudoir.
   Hermon insists on being sovereign of the scene, and there you see him high over all in the sketch above. The plain, long stretching from the carpet at our feet, is that which is watered by the Pharpar, and to the left is the root of the Fashal Tell, while the mound of Abu Zid and other less prominent hills are grouped in front at the foot of imperial Hermon. The villagers have come to gossip over our coffee, so the reverie is closed.


حرمون وسهل الأعوج-فرفر


أشرف كانون أوّل ١٨٦٨ على نهايته عندما جلس ملّاح الأنهر الاسكتلندي John MacGregor ليستمتع بسويعة من الاسترخاء استحقّها بجدارة متأمّلاً المنظر المهيب على مدّ بصره بعد أن وصف لنا بدقّة وللمرّة الأولى على ما نعرف مسارات الأنهار وتضاريس الأرض وتعرّجات محيط السطوح المائيّة كما عاينها من الخارج (اليابسة) والداخل (على متن زورقه الصغير Rob Roy). أترك القول للأديب المغامر:

  فلنسترخ الآن قليلاً في خيمتنا في هذا المساء الجميل لنجمع ملاحظاتنا التي خططناها على عجل في مذكّراتنا. مع ذلك ليس من السهل تجنّب التحديق في الصورة البديعة التي ترتسم أمامنا مؤطّرة بستائر مخدعنا القماشيّ.

يبدوا حرمون (جبل الشيخ وهو أعلى قمّة في سلسلة جبال لبنان الشرقيّة) مصمّماً أن يهيمن على المشهد وتراه هنا يشمخ عالياً فوق كلّ ما يحاوره في اللوحة أعلاه. يروي فرفر السهل الذي يمتدّ على مسافة طويلة بداية من البساط تحت أقدامنا وعلى اليسار نرى تل الفشل (!؟) بينما تتجمّع أمامنا تلال أقلّ بروزاً منها أكمة أبو زيد (!؟) على سفوح الملك حرمون. انتهى حلم اليقظة هذا عندما تقاطر القرويّون لمشاركتنا القهوة والثرثرة وتبادل الإشاعات.